سَبَقَتِ الإِشَارَةُ إِلَى ضَيَاعِ جُلِّ مُصَنَّفَاتِ هَذَا الإِمَامِ، وَهِيَ مَظنَّةُ بَيَانِ عَقِيدَته، وَقَدْ دَأَبَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ الجَادَّةِ المَسْلُوكَةِ، وَهِيَ الْكَشْفُ عَنْ مُعْتَقَدِ الرَّجُل مِنْ خِلَالٍ مُصَنَّفَاتِهِ (^١).
لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَشِفَّ الْمَعَالِمَ الكُبْرَى لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بن إِسْمَاعِيلَ مِنْ خِلَالِ مَا شَرَحَهُ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ ﵀ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قَلِيلًا - وَقَبْلَ ذَلِكَ أَقُولُ:
الظَّاهِرُ أَنَّ الإِمَامَ مُحَمَّدًا كَانَ عَلَى مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي مَسَائِلِ الاعْتِقَادِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ:
أَوَّلُهَا: حِرْصُ وَالِدِهِ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ التَّيْمِيِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ﵀ مَعْدُودٌ مِنَ الأَئِمَّةِ الْكِبَارِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالسَّلَامَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمُؤَلَّفُه فِيهِ - الحُجَّةُ فِي بَيَانِ الْمَحَجَّةِ - خَيْرُ بُرْهَانٍ.
وَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ العُلَمَاءِ عَلَى تَلْقِينِ أَبْنَائِهِمُ الْمُعْتَقَدَ الصَّحِيحَ، لِأَهَمِّيَتِهِ بِهِ فِي اسْتِقَامَةِ حَيَاةِ الْفَرْدِ فِي الدُّنْيَا، وَنَجَاتِهِ فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ لِعِظَمِ الخَطَأِ فِيهِ، وَخُطُورَة الحَيْدَةِ عَنْ مَنْهَجِ الْأَسْلَافِ فِي تَقْرِيرِ مَبَاحِثِهِ.
_________________
(١) ينظر في ذلك كتاب ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي جمعا ودراسة لمحمد الثاني بن عمر بن موسى (١/ ١٣٩).
[ ١ / ٤١ ]
وثانيها: ثَنَاءُ الأَئِمَّةِ عَلَيْهِ عُمُومًا، وَالْعَادَةُ الْمَعْلُومَةُ عِنْدَهُمْ أَلَّا يُطْلِقُوا أَلْقَابَ الثَّنَاءِ وَالإِمَامَةِ وَالتَّقَدُّم فِي العِلْمِ، إِلَّا عَلَى مَنْ عُرِفَ بِصِحَّةِ الْعَدَالَةِ، وَلُزُومِ الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى فِي بَاب أُصُولِ الدِّيَانَةِ.
وَثَالِثُهَا: مَدْحُ الْأَئِمَّةِ طريقتَهُ تَنْصِيصًا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الَّتِي نَقَلُوهَا عَنْهُ فِي تَفَارِيقِ مُصَنَّفَاتِهِمْ؛ فَهَا هُوَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابن تَيْمِيَّةَ الحَرَّانِيُّ ﵀ يُثْنِي عَلَيْهِ فِي مَبْحَثِ مُهِمٍّ مِنْ مَبَاحِثِ الاِعْتِقَادِ، هُوَ مَبْحَثُ الإِيمَانِ، خَاصَّةً عِندَ كَلامِهِ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ فقال ﵀: "وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ، وَابْنُهُ شَارِحُ مُسْلِمٍ، وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى السَّارِقِ وَالزَّانِي اسْمُ مُؤْمِنٍ كَمَا دَلْ عَلَيْهِ النَّصُّ" (^١).
وَنَقَلَ عَنْهُ تِلْمِيذُه شَمْسُ الدِّينِ بنُ الْمُحِبُّ الْمَقْدِسِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالصَّامِتِ (ت: ٧٨٩ هـ) نُقُولًا طَيِّبَةً فِي كِتَابِهِ: "صِفَاتُ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ كَلَامٌ لَهُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ إِيرَادُهُ فِي الْمَبْحَثِ السَّابِقِ.
وَرَابِعُهَا: - وَهُوَ أَصْرَحُهَا - كَلَامُهُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ مُسَمَّى الإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وِفَاقًا لِجُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَدْ أَشْبَعَ فِيهِ الْقَوْلَ فِي الجُزْءِ الَّذِي شَرَحَهُ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْتُه كَامِلًا عِنْدَ حَدِيثِي عَنْ عُلُومِ وَالِدِهِ، فَلْيُنظَرْ هُنَاكَ.
وَقَرَّرَ مَذْهَبَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ؛ فَقَالَ ﵀: "وَالأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِمَحَلٍّ مِنَ القِرَاءَةِ وَالسَّدَادِ لَيْسَ
_________________
(١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٣٥٩).
[ ١ / ٤٢ ]
فَوْقَهُ مَحَلٌّ" (^١).
فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ تَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ سَلَامَةِ مُعْتَقَدِ هَذَا الإِمَامِ، وَلُزُومِهِ فِيهِ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
_________________
(١) (ص: ٧١).
[ ١ / ٤٣ ]