عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مَوْتِهِ صَغِيرًا، وَعَدَمِ إِكْمَالِهِ لِمُؤَلَّفَاتِهِ؛ فَإِنَّ العُلَمَاءَ نَقَلُوا بَعْضًا مِنْ كَلامِهِ ﵀ فِي بَعْضِ قَضَايَا الْعِلْمِ، وَلَا يُعْرَفُ هَلْ هُوَ مِنْ شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الَّتِي كَتبَهَا ﵀، وَلَا يُعْلَمُ عَنْهَا شَيْءٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الحَافِظِ الذَّهَبِيِّ السَّابِقِ: "وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ".
* والعُمْدَةُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ النُّقُولِ كِتَابُ "صِفَاتِ رَبِّ العَالَمِينَ"، لِلإِمَامِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الْمُحِبِّ الْمَقْدِسِيّ (ت: ٧٨٩ هـ)، وَسَأُورِدُهَا هُنَا لِيَتَعَرَّفَ القَارِئُ الكَرِيمُ عَلَى الْقِيمَةِ الْعِلْمِيَّةِ لِهَذَا الْعَلَمِ ﵀.
* قَالَ المحِبُّ الْمَقْدِسِيُّ ﵀: "وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُه): قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بن مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ الشَّافِعِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ: فِي هَذَا رَدٌّ عَلَى القَدَرِيَّةِ، وَإِثْبَاتُ أَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ مِنَ اللهِ؛ لأَنَّ رَفْعَ القِسْطِ إِثْبَاتٌ لِلْجَوْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إِزَالَةَ الْعَدْلِ شَرٌّ، وَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللهِ سُبْحَانَهُ" (^١).
* وَفِيهِ أَيْضًا: "قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ الحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ التَّيْمِي: "وَقَدْ
_________________
(١) صفات رب العالمين، لابن المحب المقدسي (٤/ ١٣٤٠).
[ ١ / ٣٩ ]
حُكِيَ عَن ابن أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الحَدِيثِ: إِنَّ ذَلِكَ تَغيُّرٌ يَقَعُ فِي عُيُونِ الرَّائِينَ كَنَحْوِ مَا يُخَيَّلُ إِلَى الإِنْسَانِ الشَّيْءُ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ؛ فَيَتَوَهَّمُهُ الشَّيْءَ عَلَى الحَقِيقَةِ"، وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِي كُتُبِهِ المَعْرُوفَةِ (^١).
* وَفِيهِ: "قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ التَّيْمِيّ: "لَيْسَ الْمَعْنِي بِهِ القُرْآنُ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللهِ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ أَيْضًا أَخْبَارٌ رُوِيَتْ، يَرْوُونَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَأَصْحَابِهِ، وَيُسْنِدُونَهَا إِلَيْهِمْ، وَالقُرْآنُ بِمَعْنِى الْمَقْرُوءِ، أَيْ: يَقْرَؤُونَ عَلَيْهِمْ أَشْيَاءَ يَخْتَرِعُونَهَا، وَيُلَفِّقُونَهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ" (^٢).
* وَفِيهِ أَيْضًا: "قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الحَافِظِ التَّيْمِيّ: "وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَبِيدًا ﵀ قَالَ قَوْلَهُ: [مِنَ الطَّوِيلِ]
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَى … وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صَانِعُ
قَبْلَ الإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلَّا بَيْتَيْنِ فِيمَا رُوِيَ" (^٣).
قَالَ الْمُحِبُّ الْمَقْدِسِيُّ: قُلْتُ: لَعَلَّهُ يَعْنِي بِالْبَيْتَيْنِ مِنْ قَوْلِ لَبِيدٍ: [مِنَ الكَامِلِ]
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ … وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ
يَتَأَكَّلُونَ بَلادَةً ومشحَّة … وَيُعَابُ قَائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ (^٤)
_________________
(١) صفات رب العالمين، لابن المحب المقدسي (٤/ ١٤٩٢).
(٢) صفات رب العالمين، لابن المحب المقدسي (٤/ ٣٦٦).
(٣) صفات رب العالمين، لابن المحبِّ المقدسي (٤/ ١٣٣١)، والبيت في ديوان لبيد (ص: ١٧٢)، والرواية فيه: لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى
(٤) ديوان لبيد (ص: ١٥٣)، والرِّوَايَةُ فِي البَيْتِ الثَّانِي: يَتَأْكَّلُونَ مَغَالَةً وَخِيَانَةً
[ ١ / ٤٠ ]