لَا يَخْفَى مَا لِسَلَامَةِ الْمُعْتَقَدِ مِنْ أَهَمِّيَّةٍ قُصْوَى عِنْدَ تَرَاجِمِ العُلَمَاءِ، "فَهِيَ بَابٌ عَظِيمٌ لِلْعَدَالَةِ، وَمَدْخَلٌ جَلِيلٌ لِلنَّزَاهَةِ فِي الدِّيَانَةِ، وَلَهَا تَأْثِيرٌ كَبِيرٌ فِي حَالِ الرَّجُلِ وَقَالِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَى اسْتِقَامَةِ الحَالِ، وَتَدْفَعُهُ إِلَى صِدْقِ المَقَالِ، أَوِ العَكْسِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ مَنْ سَاءَتْ ظُنُونُ العُلَمَاءِ فِي مُعْتَقَدِهِ أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ التَّرَدُّدَ فِي شَأْنِهِ، أَوِ التَّوَقُفَ عَنْ قَبُولِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ" (^٢).
ويتتبعِ المَصَادِرِ الَّتِي تَرْجَمَتْ لِلْإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ التَّيْمِيِّ ﵀، لَمْ أَقِفُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مُخَالَفَاتِهِ فِي العَقِيدَةِ، وَلَا أَلْفَيْتُ أَحَدًا مِنَ العُلَمَاءِ عَيَّرَهُ بِمُجَانَبَةِ الصَّوَابِ فِيهَا، بَلْ إِنَّهُمْ عَدُّوهُ ﵀ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، مُتَّبِعِي السَّلَفِ الصَّالِحِ وَأَئِمَّةِ الحَدِيثِ، حَتَّى قَالَ تِلْمِيذُهُ الحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ ﵀ كَمَا تَقَدَّمَ (^٣): "وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا عَابَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَلَا فِعْلًا".
وَلِشِدَّةِ تَمَسُّكِ الإِمَامِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ ﵀ بِالسُّنَّةِ، وَذَبِّهِ عَنْهَا، وَانْتِسَابِهِ
_________________
(١) سبقتِ الإِشَارَةُ إِلى أَنَّ الطَّالبَ خَالِدَ بن أحمد الأحمدي أنجز بحثا بعنوان: "جُهُودُ الإمام الحافِظ أبي القَاسِمِ الأَصْبَهَانِي فِي تَقْرِيرِ العَقِيدَةِ، والرَّدِّ على الْمُخَالِفين"، وَقَدَّمَهَا لِنَيْلِ شَهَادَةِ الْمَاجِسْتير بِكُلِّيَة الدَّعْوةِ وأُصُولِ الدِّين، جَامعة أُمِّ القُرَى.
(٢) ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي جَمْعًا وَدِرَاسَةً لمحمد الثاني (١/ ١٣٩).
(٣) طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (٢/ ٥٩١).
[ ١ / ١٠٧ ]
إِلَيْهَا، لَقَبَهُ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ بِأَلْقَابٍ زَكِيَّةٍ، كَقِوَامِ السُّنَّةِ، وَقِوَامِ الدِّينِ وَنَحْوِهَا (^١)، وَهِيَ تُنِمُّ عَنْ مَدَى قَوْلِ هَذَا الإِمَامِ بِالسُّنَّةِ، وَغَيْرَتِهِ عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا، وَحِرْصِهِ عَلَى سُلُوكِ نَهْجِهِمْ، وَالسَّيْرِ عَلَى مَنْهَجِهِمْ، وَالْتِزَامِهِ الاِتِّبَاعَ، وَنَابِهِ عَنِ الابْتِدَاع، مِمَّا حَذَا بِهِ ﵀ إِلَى تَأْلِيفِ كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ فِي بَيَانِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَبَيَانِ طَرِيقَةِ أَهْلِهَا، وَدَحْضِ مَسَالِكِ أَهْلِ البِدَعِ الرَّدِيَّةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا سَمَّاهُ: "الحُجَّةُ فِي بَيَانِ المَحَجَّةِ"، قَالَ فِي مُقَدِّمَتِهِ: " … وَحِينَ رَأَيْتُ قِوَامَ الإِسْلَامِ بِالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وَرَأَيْتُ البِدْعَةَ قَدْ كَثُرَتْ، وَالوَقِيعَةَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ قَدْ فَشَتْ، وَرَأَيْتُ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ نَقِيصَةً، وَالخَوْصَ فِي الكَلَامِ دَرَجَةً رَفِيعَةً، رَأَيْتُ أَنْ أُمْلِيَ كِتَابًا فِي السُّنَّةِ، يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مَنْ فَصَدَ الاتِّبَاعَ، وَجَانَبَ الابْتِدَاعَ، وَأُبَيْنَ فِيهِ اعْتِقَادَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأَمْصَارِ، وَالرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ فِي الأَقْطَارِ، لِيَلْزَمَ المَرْءُ اتِّبَاعَ الأَئِمَّةِ المَاضِينَ، وَيُجَانِبَ طَرِيقَةَ الْمُبْتَدِعِينَ، وَيَكُونَ مِنْ صَالِحِي الخَلَفِ لِصَالِحِي السَّلَفِ … " (^٢).
وَقَدْ أَثْنَى العُلَمَاءُ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَبِي القَاسِمِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَشَهِدُوا لَهُ بِسَلَامَةِ الْمُعْتَقَدِ، فَمِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ:
قَوْلُ الحَافِظِ أَبِي زَكَرِيَا يَحْيَى بْنِ مَنْدَه (ت: ٥١١ هـ) ﵀: "كَانَ أَبُو القَاسِمِ حَسَنَ الاعْتِقَادِ، جَمِيلَ الطَّرِيقَة" (^٣).
_________________
(١) ينظر ما تقدم في المبحث الثاني من هذا الفصل (ص: ٣٠ - ٣١).
(٢) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي ﵀ (١/ ٨٣ - ٨٤).
(٣) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٢)، وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (٢/ ٥٩٢).
[ ١ / ١٠٨ ]
وَقَوْلُ تِلْمِيذِهِ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِي (ت: ٥٨١ هـ) ﵀: "وَاشْتَهَرَتْ فَتَاوَاهُ فِي الْمَذْهَبِ وَأُصُولِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ" (^١)، وَقَدْ أَطَالَ ﵀ فِي مَدْحِهِ، وَنَعْتِهِ بِالسُّنَّةِ الْمُثْلَى، وَطَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَالقَوْلِ بِمَا وَرَدَ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ (^٢).
وَقَالَ أَيْضًا: "كَانَ أَبُو القَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ الحَافِظُ إِمَامَ وَقْتِهِ، وَأُسْتاذَ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، وَقُدْوَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي زَمَانِهِ" (^٣).
وَقَدْ أَثْنَى عَلَى عَقِيدَةِ الْمُصَنِّفِ ﵀ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ فِي نُونِيَتِهِ الْمَشْهُورَةِ، فَذَكَرَهُ فِي زُمْرَةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا صِفَةَ العُلُو لِلْعَلِيِّ الغَفَّارِ ﷾، قال ﵀ (^٤)
وَانْظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ عَلَمُ الهُدَى … التَّيْمِيُّ فِي إِيضَاحِهِ وَبَيَانِ
ذَاكَ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ … وَالتَّرْهِيبِ مَمْدُوحٌ بِكُلِّ لِسَانِ
وَلَقَدْ رَضِيَ الأَئِمَّةُ قَوْلَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَمَبَاحِثِ العَقِيدَةِ، وَاسْتَشْهَدُوا بِأَقْوَالِهِ فِيهَا، وَأَثْنَوا عَلَى كِتَابِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ فِيهَا، بِمَا يَقْضِي بِإِمَامَتِهِ، وَطُولِ بَاعِهِ فِي هَذَا البَابِ الْمُهِمِّ مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ عَنِ الحَقِّ فِئَامُ مِنَ النَّاسِ.
وَهَكَذَا، فَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِالمُصَنِّفِ قِوَامِ السُّنَّةِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ شَيْخُ الإِسْلَامِ
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي (١١/ ٦٢٦).
(٢) طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (٢/ ٥٩٢).
(٣) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨١).
(٤) الكافية الشَّافية في الانتصار للفرقة الناجية - المشهورة بالنُّونِيَّة مع كتاب: تَوْضِيحُ الْمَقَاصِدِ وتصحيح القواعد في شرح نونية ابن القيم لأحمد بن إبراهيم (١/ ٤٦٧).
[ ١ / ١٠٩ ]
أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الحَرَّانِيُّ (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ فِي مَوَاطِنَ مِنْ كُتُبِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ:
ذِكْرُهُ لِقَوْلِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنْ حَدِيثِ النُّزُولِ، بَلِ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ فِي تَضْعِيفَ رِوَايَةِ: (إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ عَرْشِهِ نَزَلَ بِذَاتِهِ) قَالَ: "ضَعِّفَ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الحُفَّاظِ هَذَا اللَّفْظَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبو القَاسِمِ التَّيْمِيِّ: (يَنْزِلُ بِذَاتِهِ)، مَعْنَاهُ صَحِيحٌ، أَنَا أُقِرُّ بِهِ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ " (^١).
- وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ إِجْمَالًا فِي الصِّفَاتِ فِي كِتَابِهِ: "دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ" (^٢)، وَفِي كِتَابِهِ الآخَرِ: "بَيَانُ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ" (^٣).
وَأَشَادَ بِقَوْلِهِ فِي مَسَائِلِ الإِيمَانِ عِنْدَ حَدِيثِهِ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: "وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيِّ الأَصْبَهَانِيُّ، وَابْنُهُ شَارِحُ مُسْلِمٍ، وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى السَّارِقِ وَالزَّانِي اسْمُ مُؤْمِنٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ" (^٤).
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ٣٩٤)، وينظر: أيضا (٥/ ٣٨٣). وقال الذَّهَبيُّ في تاريخ الإسلام (١١/ ٦٢٦ - ٦٢٧): وكان من اعتقادِ الإمام إسماعيل أَنَّ نُزُولَ الله بالذَّاتِ، وَهُو مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبه، قد كتبه في فتَاوَى عِدَّة، وَأَمْلَى فِيهِ أَمَالِي، إِلَّا أَنَّه كان يقول: إسنادُه مدخول، وَعَلى بعض رُواتِهِ مَطْعَنٌ".
(٢) درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٣٤٧).
(٣) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٠٦).
(٤) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٣٥٩).
[ ١ / ١١٠ ]
وَقَدْ أَطَالَ تِلْمِيذُهُ العَلَّامَةُ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ فِي الاسْتِشْهَادِ بِكَلامِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ ﵀ فِي بَيَانِ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الإِيمَانِ بِنُصُوصِ الصِّفَاتِ وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهَا بِالتَّمْثِيلِ أَوِ التَّحْرِيفِ فِي كِتَابِهِ: "اجْتِمَاعُ الجُيُوشِ الإِسْلَامِيَّةِ" (^١).
وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ كَمَا فِي مُخْتَصَرِهِ، وَنَقَلَ عَنِ الإِمَامِ مُوسَى الْمَدِينِي أَنَّهُ مُجَدِّدُ المِائَةِ الخَامِسَةِ (^٢).
وَقَالَ فِي مَوْطِنٍ: "وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الشَّافِعِيَّةِ، لَهُ التَّصَانِيفُ الْمَشْهُورَةُ كَالحُجَّةِ فِي بَيَانِ الْمَحَجَّةِ، وَكِتَابِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى إِمَامَتِهِ وَجَلَالَتِه (^٣).
وَأَشَادَ بقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀ فِي كِتَابِهِ "العُلُوُّ"، فَقَدْ ذَكَرَ قَوْلَ الإِمَامِ التَّيْمِيِّ فِي مَوْطِنَيْنِ:
* الأَوَّلُ: قَالَ ﵀ نَقْلًا عَنْ كِتَابِ "الغُنْيَةُ عَنِ الكَلَامِ" لِلْإِمَامِ أَبِي سُلَيْمَانَ حَمْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الخَطَّابِيِّ (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀ مَا نَصُهُ: "فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنَ الكَلَامِ فِي الصِّفَاتِ وَمَا جَاءَ مِنْهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إِثْبَاتُهَا وَإِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَنَفْيُ الكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀: وَكَذَا نَقَلَ الاتِّفَاقَ عَنِ السَّلَفِ فِي هَذَا الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ، ثُمَّ
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة لابن قيم الجوزية (ص: ١٣٤ - ١٣٥).
(٢) مختصر الصواعق المرسلة (٤/ ١١١٠)
(٣) المصدر السابق (٤/ ١٢٢٢).
[ ١ / ١١١ ]
الحَافِظُ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيِّ الأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ" (^١).
* وَقَالَ فِي المَوْطِنِ الثَّانِي: "قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو القَاسِم إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ الطَّلْحِيُّ مُصَنِّفُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ صِفَاتِ الرَّبِّ فَقَالَ: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَحْمَدَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِي، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُويَه أَنَّ صِفَاتِ اللهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ بِهَا رَسُولُهُ مِنَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالوَجْهِ وَاليَدَيْنِ، وَسَائِرِ أَوْصَافِهِ، إِنَّمَا هِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا المَعْرُوفِ وَالمَشْهُورِ مِنْ غَيْرِ كَيْفٍ يُتَوَهَّمُ فِيهَا، وَلَا تَشْبِيهٍ، وَلَا تَأْوِيلٍ" (^٢).
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ ﵀ عَنْ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ مَعَانِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَتَرْكِ الخَوْضِ فِي كَيْفِيَّاتِهَا هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ، وَتَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلَقَدْ سَارَ الْمُصَنِّفُ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ ﵀ عَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ، وَبَنَى عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُؤَلَّفَهُ هَذَا، ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ خِلَالِ اسْتِعْرَاضِ مَبَاحِثِ العَقِيدَةِ فِي كُتُبِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْإِمَامِ البُخَارِي ﵀ كَكِتَابِ الإِيمَانِ، وَكِتَابِ القَدَرِ، وَكِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، وَكِتَابِ التَّوْحِيدِ وَغَيْرِهَا، نَجِدُهُ ﵀ سَالِكًا لِهَذِهِ الطَّرِيقِ، مُتَمَسِّكًا بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ صِحَاحُ الآثارِ، وَاسْتَفَاضَتْ بِهِ جِيَادُ الأَخْبَارِ، مُتَّبِعًا لِسَلَفِ الأُمَّةِ فِي هَذَا البَابِ العَظِيمِ مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ القَوِيمِ.
_________________
(١) ينظر: العلو للعلي الغفار للذهبي (ص: ٢٣٦).
(٢) كتاب العلو للذهبي (ص: ٢٦٣).
[ ١ / ١١٢ ]
وَقَدْ حَرَصَ ﵀ عَلَى الإِشَارَةِ إِلَى قَضَايَا العَقِيدَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا شَرْحُهُ لأَحَادِيثِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ، وَنَثَرَ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِهَا أَثْنَاءَ شَرْحِهِ بِاقْتِضَابٍ وَإِيجَازٍ، كَمَا اعْتَنَى ﵀ بِتَعَقُّبِ مَنْ سَبَقَهُ مِنَ العُلَمَاءِ إِلَى شَرْحِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْإِمَام أَبِي عَبْدِ اللهِ البُخَارِيِّ ﵀ إِذَا جَانَبُوا الصَّوَابَ فِي بَعْضٍ مَسَائِلِ الْمُعْتَقَدِ، وَسَأَعْرِضُ لِبَعْضِ النَّمَاذِجِ الَّتِي تَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي عَشَرَ عِنْدَ كَلَامِي عَنْ عُلُومِهِ ﵀.
[ ١ / ١١٣ ]