سَبَقَ النَّقْلُ عَنْ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ فِي تَقْرِيرِ مَبَاحِثِ الإِيمَانِ عُمُومًا، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى نَصٍّ لَهُ ﵀ فِي شَرْحِهِ هَذَا يُقَرِّرُ فِيهِ أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، فَوَافَقَ بِهَذَا اعْتِقَادَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي هَذَا المَبْحَثِ المُهِمِّ الَّذِي ضَلَّتْ فِيهِ أَنْهَامُ، وَزَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَكَانَ أَوَّلَ مَسَائِلِ الاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
يَقُولُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ - أَعْنِي مَسَائِلَ
[ ١ / ١٣٢ ]
الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، وَالكُفْرِ وَالنِّفَاقِ - مَسَائِلُ عَظِيمَةٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَلَّقَ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ، وَاسْتِحْقَاقَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالاخْتِلَافُ فِي مُسَمَّيَاتِهَا أَوَّلُ اخْتِلَافِ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الخَوَارِجِ لِلصَّحَابَةِ، حَيْثُ أَخْرَجُوا عُصَاةَ المُوَحَدِينَ مِنَ الإِسْلَامِ بِالكُلْيَةِ، وَأَدْخَلُوهُمْ فِي دَائِرَةِ الكُفْرِ، وَعَامَلُوهُمْ مُعَامَلَةَ الكُفَّارِ، وَاسْتَحَلُّوا بِذَلِكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَهُمْ خِلَافُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلُهُمْ بِالمَنْزِلَةِ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ، ثُمَّ حَدَثَ خِلَافُ المُرْجِئَةِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الفَاسِقَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإِيمَانِ" (^١).
وَقَدْ أَظْهَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ هَذِهِ العَقِيدَةَ فِي مَعْرِضْ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ قُدُومِ وَفْدِ عَبْدِ قَيْسٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ ﵀: "وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، لأَنَّه فَسَّرَ الإِيمَانَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَبِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَدَاءِ الخُمُسِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ (^٢).
وبَيَّنَهُ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ لَمَّا عَرَضَ لِقَوْلِ وَهْبِ بن مُنَبَّهِ لَمَّا سُئِلَ: (أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فَتَحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يَفْتَحْ لَكَ).
قالَ ﵀: أَرَادَ بِأَسْنَانِ الْمَفَاتِيحِ القَوَاعِدَ الَّتِي بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَيْهَا، الَّتِي هِيَ كَمَالُ الدِّينِ وَدَعَائِمُهُ، خِلَافَ قَوْلِ الجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْفَرَائِضَ لَيْسَتْ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١١٤ - ١١٥).
(٢) قِسم التَّحْقِيقِ (٢/ ١٣٨).
[ ١ / ١٣٣ ]
إِيمَانًا، وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ إِيمَانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١)، أَيْ: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (^٢).
وَهَذَا قَوْلٌ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً، حَكَى عَلَيْهِ إِجْمَاعَهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، وَقَدْ حَكَاهُ الإِمَامُ الْمُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيِّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمَرْضِيِّينَ، قَالَ ﵀: وَكَانَ الإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُمْ: أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالْآخَرِ" (^٣).
قَالَ الإِمَامَانِ أَبُو زُرْعَةَ (ت: ٢٦٤ هـ) وَأَبُو حَاتِمٍ (ت: ٢٧٧ هـ) الرَّازِيَانِ: "أَدْرَكْنَا العُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الأَمْصَارِ: حِجَازًا، وَعِرَاقًا، وَمِصْرًا، وَشَامًا، وَيَمَنًا، فَكَانَ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ: أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ (^٤).
وَنَقَلَ هَذَا الْمُعْتَقَدَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَّامَةُ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَانِهِ الإِمَامُ ابْنُ أَبِي زَمَنَيْنِ الْمَالِكِيُّ (ت: ٣٩٩ هـ)، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ﵀: "وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الإِيمَانَ إِخْلَاصٌ للهِ بِالقُلُوبِ، وَشَهَادَةٌ بِالأَلْسِنَةِ، وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ عَلَى نِيَّةٍ حَسَنَةٍ، وَإِصَابَةِ السُّنَّةِ" (^٥).
وَأَقرَّهُ عَلَى ذَلِكَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ بِقَوْلِهِ: "أَجْمَعَ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١٤٣).
(٢) (٣/ ٢٠٥) من قسم التحقيق.
(٣) شرح أُصُولِ اعْتِقادِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَة للإمام اللالكائي (٥/ ٩٦٥).
(٤) المصدر السابق (١/ ١٩٨).
(٥) أصول السنة، لابن أبي زمنين (ص: ٢٠٧).
[ ١ / ١٣٤ ]
أَهْلُ الفِقْهِ وَالحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَالإِيمَانُ عِنْدَهُمْ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ، وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ إِيمَانٌ" (^١).
وَقَالَ أَيْضًا: "وَأَمَّا سَائِرُ الفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالآثَارِ: بِالحِجَازِ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ؛ وَمِنْهُمْ: مَالِكٌ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهُويَهِ، وَأَبُو عُبَيدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَدَاوِدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فَقَالُوا: الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَهُوَ الإِقْرَارُ، وَاعْتِقَادُ بِالقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ، مَعَ الإِخْلَاصِ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ، قَالُوا: كُلُّ مَا يُطَاعُ اللَّهُ ﷿ بِهِ مِنْ فَرِيضَةٍ وَنَافِلَةٍ فَهُوَ مِنَ الإِيمَانِ" (^٢).
وَالْمُتَأَمِّلُ فِي عِبَارَاتِ السَّلَفِ فِي بَيَانِ هَذَا الْمُعْتَقَدِ يَجِدُهَا مُتَنَوِّعَةٌ لَفْظًا، فَتَارَةً يَقُولُونَ: "الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَمِنْ عِبَارَاتِهِمْ: "الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ"، وَيَقُولُونَ أَيْضًا: الإِيمَانُ اعْتِقَادٌ بِالقَلْبِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ"، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: "الإِيمَانُ هُوَ المَعْرِفَةُ وَالإِقْرَارُ وَالعَمَلُ" … إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَارَاتِ الْمَأْثُورَةِ مِمَّا أَوْدَعَهُ الأَئِمَّةُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ، وَقَدْ أَوْضَحَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ أَنَّ الاخْتِلَافَ بَيْنَهَا مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ التَّنَوُّعِ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ مَعْنًى، فَقَالَ ﵀: "وَالْمَأْثُورُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٣٨).
(٢) المصدر السابق: (٩/ ٢٤٣).
[ ١ / ١٣٥ ]
وَيَنْقُصُ: يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ … كَمَا قَالَ عُمَيرُ بْنُ حَبِيبٍ الخَطَمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ: الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ … فَهَذِهِ الأَلْفَاظُ الْمَأْثُورَةُ عَنْ جُمْهُورِهِمْ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، وَرُبَّمَا قَالَ آخَرُ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ؛ وَرُبَّمَا قَالَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ، أَيْ: بِالجَوَارِح … وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ العِبَارَاتِ اخْتِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ (^١).
* * *