قَالَ قِوامُ السُّنَّةِ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ ﵀: وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمُ السِّحْرَ، وَالسِّحْرُ ثَابِتٌ، وَحَقِيقَتُهُ مَوْجُودَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ السِّحْرَ فِي كِتَابِهِ فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ، وَأَمَرَ بِالاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (^٣)، وَوَرَدَ في ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبارٌ كَثِيرةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ مَا يَلْزَمُ السَّاحِرَ مِنَ العُقُوبَةِ فِيمَا يَأْتِيهِ مِنَ السِّحْرِ جَزَاءً عَلَى ضَرَرِهِ" (^٤).
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَرَرَهُ المُصِّفُ ﵀ هُوَ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، مُتَّبِعِي السَّلَفِ الصَّالِحِ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ حَقِيقَةَ السِّحْرِ مِنْ أَهْلِ الكَلَامِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلسِّحْرِ البَتَّةَ، لَا فِي مَرَضٍ وَلَا قَتْلٍ وَلَا حَلٍّ وَلَا عَقْدٍ، وَقَوْلِهِمْ إِنَّ ذَلِكَ تَخْيِيلٌ لِأَعْيُنِ النَّاظِرِينَ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ سِوَى ذَلِكَ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا القَوْلَ خِلَافُ مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَأَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ رَضِيَ اللهُ
_________________
(١) سورة النساء الآية: (٤٠).
(٢) رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص: ٥٨).
(٣) سورة الفلق، الآية: (٤).
(٤) ينظر: (٤/ ٣٨٠) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٩٠ ]
عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^١)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (^٢)، وَقَالَ ﷾: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (^٣).
وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ) (^٤).
قَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀ فِي سِيَاقٍ حَدِيثِهِ عَنْ مُعْتَقَدِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالَّذِينَ انْتَسَبَ إِلَيْهِمْ صَرَاحَةً فِي كِتَابِهِ مَقَالَاتُ الإِسْلَامِيِّينَ": "وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ فِي الدُّنْيَا سَحَرَةً، وَأَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ، وَأَنَّ السِّحْرَ كَائِنٌ مَوْجُودٌ فِي الدُّنْيَا" (^٥).
وَقَالَ الإِمَامُ أَبو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ ﵀: "وَيَشْهَدُونَ أَنَّ فِي الدُّنْيَا سَحَرَةً، إِلَّا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١٠٢).
(٢) سورة يونس، الآية: (٨٠).
(٣) سورة الأعراف، الآية: (١١٦).
(٤) أخرجه البخاري (رقم: ٣١٧٥).
(٥) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري (ص: ٢٩٦)، وينظر: نفس هذا الكلام في كتابه الآخر: الإبانة عن أصول الديانة (ص: ٣٢).
[ ١ / ١٩١ ]
أَنَّهُمْ لَا يَضُرُّونَ أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^١)، وَمَنْ سَحَرَ مِنْهُمْ وَاسْتَعْمَلَ السِّحْرَ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ يَضُرُّ أَوْ يَنْفَعُ بِغَيْرِ إِذْنِ اللهِ تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ" (^٢).
وَنَقَلَ هَذَا الْمُعْتَقَدَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْمَازَرِيِّ شَارِحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ﵀، وَنَسَبَهُ لِمَذَاهِبٍ أَهْلِ السُّنَّةِ عَامَّةً، يَقُولُ ﵀: "مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجُمْهُورٍ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ السِّحْرِ، وَأَنَّ لَهُ حَقِيقَةً كَحَقِيقَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَنَفَى حَقِيقَتَهُ وَأَضَافَ مَا يَقَعُ مِنْهُ إِلَى خَيَالَاتٍ بَاطِلَةٍ لَا حَقَائِقَ لَهَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِمَّا يُتَعَلَّمُ، وَذَكَرَ مَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مِمَّا يُكَفَّرُ بِهِ، وَأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ" (^٣).
وَقَدْ عَقَدَ الإِمَامُ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِهِ "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ" فَضْلًا فِي سِيَاقِ مَا رُوِيَ أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ (^٤).
وَعَقَدَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا - قِوَامُ السُّنَّةِ التَّيْمِيُّ ﵀ فَصْلًا مَاتِعًا فِي كِتَابِهِ: "الحُجَّةُ فِي بَيَانِ المَحَجَّةِ" فِي بَيَانِ أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَلَيْسَ بِتَخَيُّلٍ (^٥)، أَوْرَدَ فِيهِ أَدِلَّةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيم وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَآثَارِ سَلَفِ الأُمَّةِ.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١٠٢).
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني (ص: ٢٩٦).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٧٤).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٧/ ١٢٠٩) فما بعدها.
(٥) الحُجَّة في بَيانِ المحَجَّة لأبي القَاسِمِ التَّيمي (١/ ٤٨١) فما بعدها.
[ ١ / ١٩٢ ]