أَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ إِلَى مَسْأَلَةِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى فِي مَوَاطِنَ مِنَ كِتَابِهِ، مِنْهَا:
* المَوْطِنُ الأَوَّلُ: عِنْدَ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (جَاءَ حَبْرٌ مِنَ أَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْمَاءَ عَلَى أُصْبُعٍ …) الحَدِيثَ.
قال ﵀: ذَكَرَهُ الخَطَّابِيُّ، وَتَكَلَّفَ القَوْلَ فِيهِ، وَأَتَى فِي مَعْنَاهُ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ السَّلَفُ، وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ: إِجْرَاؤُهُ عَلَى مَا أَجْرَاهُ السَّلَفُ، وَسَنَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا طَرِيقَةَ السَّلَفِ فِي الكَلَام عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَمِنْ ذَلِكَ: مَا رَوَى البُخَارِيُّ أَيْضًا فِي سُورَةِ ق: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (^١)، وَمَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ ن فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^٢)، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ ن" (^٣).
* المَوْطِنُ الثَّانِي: عِنْدَ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ مَرْفُوعًا: (لَا تَزَالُ
_________________
(١) سورة ق، الآية: (٣٠).
(٢) سورة ن، الآية: (٤٢).
(٣) ينظر: (٤/ ٦٠٤) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٤٣ ]
جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا أَهْلُهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ ﷿ رِجْلَهُ فِيهَا، فَتَقُولَ: قَط قَطْ).
قال ﵀: ذَكَرَ الخَطَّابِيُّ لِهَذَا الحَدِيثِ تَأْوِيلًا، وَمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رِجْلَهُ) يُبْطِلُ تَأْوِيلَهُ، فَيَبْقَى الإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قَدَمُ الإِسْلَامِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا عَلَى قَنْطَرَةِ التَّسْلِيمِ" (^١).
وَأَفَاضَ ﵁ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ مِنَ النَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الإِيمَانِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَإِثْبَاتِهَا كَمَا نَطَقَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، دُونَ اعْتِقَادِ تَشْبِيهٍ أَوْ تَمْثِيلٍ، كَمَا قَالَ اللهُ ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).
وَهَكَذَا فَقَدْ نَقَلَ ﵀ قَوْلَ الإِمَامِ شَرِيكِ بن عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ لَمَّا سَأَلَهُ عَبَّادُ بنُ العَوَّام ﵀: "إِنَّ قَوْمًا عِنْدَنَا يُنْكِرُونَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ: إِنَّ الله ﷿ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمَا أَشْبَهَهَا فَقَالَ: وَمَا يُنْكِرُونَ؟! إِنَّمَا جَاءَ بِهَذِهِ مَنْ جَاءَنَا بِالصَّلَاةِ وَالسُّنَنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (^٣).
وَنَقَلَ عَنِ الإِمَامِ أَبِي عُبَيْدِ القَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ ﵀ قَوْلَهُ: "هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تُرْوَى: (ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ)، (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رَبُّكَ قَدَمَهُ فِيهَا)، وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا الرُّؤْيَةُ هِيَ عِنْدَنَا حَقٌّ، حَمَلَهَا الثِّقَاتُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَنَحْنُ إِذَا سُئِلْنَا عَنْ تَفْسِيرِهَا لَا نُفَسِّرُهَا، وَمَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا يُفَسِّرُهَا" (^٤).
_________________
(١) ينظر: (٤/ ٦١٩).
(٢) سورة الشورى، الآية: (١١).
(٣) ينظر: (٤/ ٦١٧ - ٦١٨) من قسم التحقيق.
(٤) ينظر: (٤/ ٦١٨ - ٦١٩) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٤٤ ]
ثُمَّ نَقَلَ فَضْلًا مَاتِعًا عَنِ الإِمَامِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِي فِي كِتَابِهِ: "عَقِيدَةُ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ"، بَيَّنَ فِيهِ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَحَذَرَ فِيهِ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالبِدْعَةِ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ.
قَالَ ﵀ (^١): "إِنَّ أَصْحَابَ الحَدِيثِ حَفِظَ اللَّهُ أَحْيَاءَهُمْ، وَرَحِمَ أَمْوَاتَهُمْ، يَشْهَدُونَ اللهِ بِالوَحْدَانِيَّةِ، وَلِلرَّسُولِ ﷺ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَيَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ بِصِفَاتِهِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا وَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، أَوْ شَهِدَ لَهُ بِهَا رَسُولُهُ ﷺ، عَلَى مَا وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ الصِّحَاحُ بِهِ، وَنَقَلَتِ العُدُولُ الثِّقَاتُ عَنْهُ، يُثْبِتُونَ لَهُ الله جلا جلاله مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَلَا يَعْتَقِدُونَ تَشْبِيهًا لِصِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، كَمَا نَصَّ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﷿ مِنْ قَائِلٍ: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٢)، وَلَا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، بِحَمْلِ اليَدَيْنِ عَلَى النِّعْمَتَيْنِ، أَوِ القُوَّتَيْنِ، تَحْرِيفَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالجَهْمِيَّةِ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ، وَتَشْبِيهِهَا بِأَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ، تَشْبِيهَ الْمُشَبِّهَةِ خَذَلَهُمُ الله.
وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ السُّنَّةِ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّكْيِيفِ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّفْهِيمِ، حَتَّى سَلَكُوا سَبِيلَ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ، وَتَرَكُوا القَوْلَ بِالتَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ، وَاتَّبَعُوا قَوْلَ اللهِ ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣)، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ الَّتِي نَزَلَ بِذِكْرِهَا الْقُرْآنُ، وَوَرَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ
_________________
(١) ينظر: (٤/ ٦٢٠ - ٦٢١) من قسم التَّحقيق، والكَلامُ بِطُولِه في كتابِ أبي عُثْمان الصَّابوني: "عقيدةُ السَّلف وأَصْحابِ الحدِيث" (ص: ١٦٠ - ١٦١ - ١٦٢).
(٢) سورة ص، (الآية: ٧٥).
(٣) سورة الشورى، الآية: (١١).
[ ١ / ١٤٥ ]
الصِّحَاحُ مِنَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالعَيْنِ، وَالوَجْهٍ، وَالعِلْمِ، وَالقُوَّةِ، وَالعِزَّةِ، وَالعَظَمَةِ، وَالإِرَادَةِ، وَالمَشِيئَةِ، وَالقَوْلِ، وَالكَلَامِ، وَالرَّضَى، وَالسُّخْطِ، وَالحُبِّ وَالبُغْضِ وَالفَرَحِ، وَالضَّحِكِ، مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ [بِصِفَاتِ] الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ، بَلْ يَنْتَهُونَ فِيهَا إِلَى مَا قَالَ اللهُ ﷿، وَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ، وَلَا إِضَافَةٍ إِلَيْهِ، وَلَا تَكْيِيفٍ لَهُ، وَلَا تَشْبِيهٍ، وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَبْدِيلٍ وَلَا تَغْيِيرٍ، وَلَا إِزَالَةٍ لِلفْظِ الخَبَرِ عَمَّا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وَتَضَعُهُ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ مُسْتَنْكَرٍ، وَيُجْرُونَهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَيَكِلُونَ عِلْمَهُ إِلَى اللهِ، وَيُقِرُّونَ بِأَنَّ تَأْوِيلَهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ " (^١).
ثُمَّ أَسْنَدَ ﵀ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ إِمَامٍ دَارِ الهِجْرَةِ - قَوْلَهُ: "إِيَّاكُمْ وَالبِدَعَ، قِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَمَا البِدَعُ؟ قَالَ: أَهْلُ البِدَع الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَكَلَامِهِ وِعِلْمِهْ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَسْكُتُونُ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ" (^٢).
وَذَكَرَ بَعْدَهُ قَوْلَ الإِمَامِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: "سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانَ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ وَالرُّؤْيَةِ، فَقَالُوا: أَمِرُوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفِيَّةٍ" (^٣).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (٠٧).
(٢) ينظر: (٤/ ٦٢٣) من قسم التحقيق.
(٣) ينظر: (٤/ ٦٢٤) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٤٦ ]
وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ هُوَ الاعْتِقَادُ السَّلِيمُ، وَالْمَنْهَجُ القُوِيمُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ ﵀، وَكَفَى بِصَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهُمُ القُدْوَةُ، وَلَنَا فِيهِمْ أُسْوةٌ، وَهُمْ ﵃ كَانُوا أَقْدَرَ النَّاسِ عَلَى البَيَانِ، وَأَعْلَمَ الخَلْقِ بِالسُّنةِ وَاللَّسَانِ، لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ خَاصَ فِي ذَلِكَ بِنَوْعِ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوِ التَّحْرِيفِ، وَلَا أَبَاحَ فِيهِ القَالَ وَالقِيلَ، فَحَسْبُنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ، وَنَهْتَدِيَ بِهَدْيِهِمْ، وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ ﷾ لَا تُشَبَّهُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.
* المَوْطِنُ الثَّالِثُ: ذَكَرَهُ عِنْدَ شَرْح حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: (يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ)، فَقَدْ نَقَلَ كَلَامَ الإِمَامِ الخَطَّابِي ﵀ وَتَعَقَّبَهُ، قَالَ: "قَالَ الخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ التَّجَلِّيَ لَهُمْ، وَكَشْفَ الحُجُبِ، حَتَّى إِذَا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلَسْتُ أَقْطَعُ بِهِ القَوْلَ، وَلَا أَرَاهُ وَاجِبًا فِيمَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَسْأَلُ الله تَعَالَى أَنْ يَعْصِمَنَا مِنَ القَوْلِ بِمَا لَا عِلْمَ لَنَا بِهِ.
مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ، التَّسْلِيمُ وَتَرْكُ الخَوْضِ فِيهِ، وَتَصْدِيقُ اللَّهِ فِي خَبَرِهِ، وَإِطْلَاقُ مَا أَطْلَقَهُ، يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَكِلُونَ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُونَ: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^١)، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَرَضِيَهُ مِنْهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ" (^٢).
وَقَالَ ﵀: وَذَكَرَ الخَطَّابِيُّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: (جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: (٠٧).
(٢) ينظر: (٤/ ٦٣٢) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٤٧ ]
الله يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ)، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي الْكِتَابِ، وَضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ".
قَالَ الخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ضَحِكَ تَعَجُّبًا وَإِنْكَارًا.
ثُمَّ تَعَقَّبَهُ ﵀ بِقَوْلِهِ: "وَالصَّحَابَةُ كَانُوا أَعْلَمَ بِذَلِكَ، فَرَوَوْهُ تَصْدِيقًا، وَالرُّوَاةُ الثِّقَاتُ رَوَوْهُ وَأَخْرَجُوهُ فِي بَابِ الصِّفَاتِ، فَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ: سَبِيلُهُ الإِيمَانُ مَعَ نَفْيِ التَّشْبيهِ فِيهِ" (^١).
وَهَكَذَا، فَقَدِ الْتَزَمَ ﵀ مَا سَبَقَ أَنْ قَرَّرَهُ، مِنَ الإِيمَانِ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الصِّحَاحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ دُونَ خَوْضٍ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّمْثِيلِ، أَوِ التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي عَقِيدَةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
* المَوْطِنُ الرَّابِعُ: ذَكَرَ حَدِيثَ النَّوَّاسِ بن سَمْعَانَ ﵁: (مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ)، فَأَشَارَ ﵀ إِلَى أَنَّهُ ثَبَتَ بِأَسَانِيدَ ثَابِتَةٍ، قَبِلَهَا الأَئِمَّةُ، وَأَخْرَجُوهَا فِي الكُتُبِ، وَرَوَوْهَا عَلَى سَبِيلِ الوَصْفِ عَلَى مَا جَاءَتْ، وَامْتَنَعُوا عَنْ تَأْوِيلِهَا وَتَفْسِيرَهَا (^٢).
وَإِنَّمَا عَنَى بِتَرْكِ التَّفْسِيرِ هُنَا: تَرْكَ تَفْسِيرِ الجَهْمِيَّةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي الرِّسَالَةِ الحَمَوِيَّةِ (^٣).
أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ: تَفْسِيرَ الكَيْفِيَّةِ، وَإِلَّا فَالسَّلَفُ مُجْمِعُونَ عَلَى إِثْبَاتِ مَا دَلَّتْ
_________________
(١) ينظر: (٤/ ٦٣٣) من قسم التحقيق.
(٢) ينظر: (٤/ ٦٣٤ - ٦٣٥) من قسم التحقيق.
(٣) (ص: ٣٣٢).
[ ١ / ١٤٨ ]
عَلَيْهِ هَذِهِ الأَحَادِيثُ مِنْ مَعَانِي الكَمَالِ الَّتِي وَصَفَهُ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ أَعْلَمُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ ﷿ وَقَاعِدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ: مَا ذَكَرَهُ إِمَامُ دَارِ الهِجْرَةِ مَالِكٌ النَّجْمُ: "الاسْتِوَاء مَعْلُومٌ، وَالكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ".
والدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْرِيرِ عِنْدَ كَلَامِهِ عَنْ حَدِيثِ: (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِن طَيِّبٍ) (^١)، قَالَ ﵀: وَقَوْلُهُ: (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) مَا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَيُتْرَكُ التَّعَرُّضُ لِتَأْوِيلِهِ" (^٢).
فَالإِيمَانُ بِهِ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مَعْرُوفٌ، وَلَمْ يُخَاطِبْنَا اللهُ سُبْحَانَهُ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ بِالأَلْغَازِ وَلَا الأَحَاجِي الَّتِي لَا نَفْقَهُ مَعَانِيهَا!
وَلشَيْخِنَا الدُّكْتُورِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ابْنِ شَيْخِنَا العَلَّامَةِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ العَبَّادِ البَدْرِ رِسَالَةٌ جَلِيلَةٌ فِي تَخْرِيج هَذَا الأَثَرِ، وَتَفْسِيرِهِ، مَعَ مَسَائِلَ مُهِمَّاتٍ سَمَّاهَا: "الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنِ الإِمَام مَالِكٍ فِي صِفَةِ الاسْتِوَاء: دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ"، وَهُوَ فِي غَايَةِ النفاسة.
* المَوْطِنُ الخَامِسُ: أَشَارَ إِلَيْهِ ﵀ عِنْدَ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ مَرْفُوعًا: (خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) الحَدِيثَ (^٣).
قالَ ﵀: "قَدْ تَكَلَّمَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَالصَّوَابُ تَسْلِيمُ الخَبَرِ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (رقم: (١٤١٠)، ومسلم (رقم: ١٠١٤).
(٢) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ١٤٣).
(٣) حديث رقم: (٦٢٢٧).
[ ١ / ١٤٩ ]
وَالإِيمَانُ بِهِ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (^١).
* المَوْطِنُ السَّادِسُ: أَشَارَ إِلَيْهِ ﵀ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فِي النَّجْوَى، وَفِيهِ: (حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ).
قالَ ﵀: سَبِيلُ هَذَا الحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ أَنْ يُؤْمَنَ بِهِ وَيُسَلَّمَ، وَلَا يُتَعَرَّضَ لَهُ بِالتَّأْوِيلِ وَلَا بِالتَّمْثِيلِ" (^٢).
* المَوْطِنُ السَّابِعُ: أَشَارَ إِلَيْهِ ﵀ عِنْدَ الكَلَامِ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ).
قالَ ﵀: "جَحَدَ أَهْلُ البِدَع هَذَا الحَدِيثَ وَقَالُوا: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ، وَلَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا صَحِيحًا، وَقَدْ وَرَدَ القُرْآنُ بِمِثْلِ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (^٣)، وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (^٤)، وَسُئِلَ الأَوْزَاعِيُّ ﵀ عَنْ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ فَقَالَ: "يَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ" (^٥).
وَهَذَا الْمَوْقِفُ مِنَ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ التَّيْمِيِّ ﵀ مَصِيرُ مِنْهُ إِلَى الإِقْرَارِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الخَبَرُ المُتَوَاتِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي إِثْبَاتِ نُزُولِ اللَّهِ وعزَّ وجلَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، خِلَافَ مَا عَلَيْهِ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ مِنْ
_________________
(١) ينظر: (٥/ ٣١٩) من قسم التحقيق.
(٢) ينظر: (٥/ ٣٠١) من قسم التحقيق.
(٣) سورة الفجر، الآية: (٢٢).
(٤) سورة البقرة، الآية: (٢١٠).
(٥) ينظر: (٣/ ١٥٣ - ١٥٤) من قسم التحقيق، وينظر تخريجُ أثر الأَوْزَاعي هُناك.
[ ١ / ١٥٠ ]
إِنْكَارِ هَذِهِ العَقِيدَةِ الثَّابِتَةِ بِصَرِيحِ السُّنَّةِ الْمُتَواتِرَةِ، إِعْمَالًا مِنْهُمْ لِلْعَقْلِ البَشَرِيِّ الفَاسِدِ، وَقِيَاسِهِمْ نُزُولَ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ عَلَى نُزُولِ المَخْلُوقِينَ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَقَدْ جَمَعَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ جَمِيعَ شُبَهِ نُفَاةِ هَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ فَنَّدَهَا شُبْهَةً شُبْهَةً فِي كِتَابِهِ: "شَرْحُ حَدِيثِ النُّزُولِ"، وَأَلَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ كِتَابًا خَاصًّا جَمَعَ فِيهِ طُرُقَ حَدِيثِ النُّزُولِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ الآجُرِّيُّ ﵀ فِي "الشَّرِيعَةِ": "وَأَمَّا أَهْلُ الحَقِّ، فَيَقُولُونَ: الإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ بِلَا كَيْفٍ، لأَنَّ الأَخْبَارَ قَدْ صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الله يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَالَّذِينَ نَقَلُوا إِلَيْنَا هَذِهِ الأَخْبَارَ هُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا إِلَيْنَا الأَحْكَامَ مِنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَعِلْمَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ" (^١).
وَهَكَذَا، فَقَدْ سَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْهَجٍ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي الإِيمَانِ بِهَا، وَإِثْبَاتِهَا كَمَا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّكْيِيفِ، أَوِ التَّعْطِيلِ وَالتَّحْرِيفِ، كَمَا قَرَّرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِيمَا سَبَقَ النَّقْلُ عَنْهُمْ.
_________________
(١) كتاب الشريعة للآجري (٣/ ١١٢٦ - ١١٢٧)
[ ١ / ١٥١ ]