ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ هَذِهِ المَسْأَلَةَ عِنْدَ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا) الحَدِيثَ (^١).
ثُمَّ قَالَ ﵀: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَذَابَ القَبْرِ حَقٌّ يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ" (^٢).
وَقَالَ ﵀ فِي مَوْطِنٍ ثَانٍ: "وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ عَذَابَ القَبْرِ حَقٌّ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ" (^٣).
وَأَظْهَرَ هَذَا الْمُعْتَقَدَ فِي كِتَابِ الجَنَائِزِ بَابِ: الْمَيِّتِ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ، فَقَالَ ﵀: "وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ عَذَابِ القَبْرِ" (^٤).
وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهُوَ مِنَ العَقَائِدِ الثَّابِتَةِ فِي الدِّينِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، وَقَدْ شَذَّتِ الخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ العَقِيدَةَ الثَّابِتَةَ إِعْمَالًا مِنْهُمْ لِلْعَقْلِ البَشَرِيِّ فِي قَضَايَا الغَيْبِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ قَضَايَا الغَيْبِ - وَمِنْهَا: مَا يَعْرِضُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ - وَالَّتِي وَرَدَتْ بِهَا أَدِلَّةُ الشَّرْعِ الحَنِيفِ، يَجِبُ الإِيمَانُ
_________________
(١) حديث رقم: (٢١٦).
(٢) ينظر: (٢/ ٢٢٦) من قسم التحقيق.
(٣) ينظر: (٣/ ٩٤) من قسم التحقيق.
(٤) ينظر: (٣/ ٢٥٧) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٦٧ ]
بِهَا، وَتَرْكُ الخَوْضِ فِي البَحْثِ عَنْ كَيْفِيَّتِهَا، لِعَجْزِ العَقْلِ البَشَرِيِّ عَنْ ذَلِكَ، وَصِيَانَةً لَهُ مِنْ تَكْذِيبِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَثْبَتَتْهَا.
يَقُولُ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀: "وَاخْتَلَفُوا فِي عَذَابِ القَبْرِ:
فَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالخَوَارِجُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ، وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الإِسْلَامِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الله يُنَعِّمُ الأَرْوَاحَ وَيُؤَلِّمُهَا، فَأَمَّا الأَجْسَادُ الَّتِي فِي قُبُورِهِمْ، فَلَا يَصِلُ ذَلِكَ إِلَيْهَا وَهِيَ فِي القُبُورِ" (^١).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ عَذَابِ القَبْرِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآيَةَ (^٢)، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، وَلَا يَمْتَنعُ فِي العَقْلِ أَنْ يُعِيدَ اللهُ تَعَالَى الحَيَاةَ فِي جُزْءٍ مِنَ الجَسَدِ وَيُعَذِّبَهُ، وَإِذَا لَمْ يَمْنَعُهُ العَقْلُ وَوَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَجَبَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هُنَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ القَبْرِ، وَسَمَاعِ النَّبِيِّ ﷺ صَوْتَ مَنْ يُعَذَّبُ فِيهِ، وَسَمَاعِ الْمَوْتَى قَرْعَ نِعَالِ دَافِنِيهِمْ، وَكَلَامِهِ ﷺ لِأَهْلِ القَلِيبِ، وَقَوْلِهِ: (مَا أَنتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ) (^٣) (^٤).
_________________
(١) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري (ص: ٤٣٠).
(٢) سورة غافر، الآية: (٤٦).
(٣) أخرجه البخاري (رقم: ١٣٧٠)، ومسلم (رقم: ٢٨٧٣)، عن أنس بن مالك ﵁.
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٢٠٠ - ٢٠١).
[ ١ / ١٦٨ ]
ثُمَّ قَالَ: "وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ عَذَابِ القَبْرِ كَمَا ذَكَرْنَا، خِلافًا لِلْخَوَارِجِ وَمُعْظَمِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْمُرْجِئَةِ" (^١).
وَقَالَ شَارِحُ الطَّحَاوِيَّةِ الإِمَامُ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀: "وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثُبُوتِ عَذَابِ القَبْرِ وَنَعَيمِهِ لِمَنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا، وَسُؤَالِ المَلَكَيْنِ، فَيَجِبُ اعْتِقَادُ ثُبُوتِ ذَلِكَ، وَالإِيمَانُ بِهِ، وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي كَيْفِيَّتِهِ، إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ وُقُوفٌ عَلَى كَيْفِيَّتِهِ، لِكَوْنِهِ لَا عَهْدَ لَهُ بِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَالشَّرْعُ لَا يَأْتِي بِمَا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَأْتِي بِمَا تَحَارُ فِيهِ الْعُقُولُ" (^٢).
قُلْتُ: وَمِمَّنْ نَقَلَ إِجْمَاعَ السَّلَفِ الصَّالِح مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ المَرْضِيِّينَ عَلَى هَذِهِ العَقِيدَة: الإِمَامُ المُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي "الرِّسَالَةِ" (^٣)، وَالإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀ فِي كِتَابَيْهِ: "الإِبَانَةُ عَنْ أُصُولِ الدِّيَانَةِ" (^٤) - وَاسْتَعْرَضَ فِيهِ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ عَلَى وُقُوعِهِ - وَفِي كِتَابِهِ الآخَرِ: "رِسَالَةٌ إِلَى أَهْلِ الثَّغْرِ" (^٥)، وَالحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي "الاسْتِذْكَارِ" (^٦)، وَالعَلَّامَةُ ابْنُ القَطَّانِ الفَاسِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الإِقْنَاعُ فِي مَسَائِلِ الإِجْمَاعِ" (^٧)، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ الإِمَامُ ابن أَبِي زَمَنَيْنِ الْمَالِكِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ ﵀ مُقَرِّرًا مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٢٠٠ - ٢٠١).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص: ٣٩٥).
(٣) الرسالة للشافعي (ص: ٢٧٩).
(٤) الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص: ١٥).
(٥) رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري (ص: ٢٧٩) فما بعدها.
(٦) الاستذكار للحافظ ابن عبد البر (٧/ ١١٥).
(٧) الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان الفاسي (١/ ٤٩).
[ ١ / ١٦٩ ]
وَالجَمَاعَةِ فِي إِثْبَاتِ هَذِهِ العَقِيدَةِ: "وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُؤْمِنُونَ بِعَذَابِ القَبْرِ، أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ ﷿: ﴿لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (^١)، وَقَالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (^٢) " (^٣).
وَقَدْ عَقَدَ الْمُصَنِّفُ الإِمَامُ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ ﵀ فَضْلًا فِي كِتَابِهِ "الحُجَّةُ فِي بَيَانِ الْمَحَجَّةِ" (^٤) فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ القَبْرِ، حَشَدَ فِيهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ فِي بَيَانِ هَذِهِ العَقِيدَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ سَلَكَ اللهُ بِنَا سَبِيلَهُمْ (^٥).
وعَرَضَ الْمُصَنِّفُ ﵀ لِبَيانِ هَذِهِ العَقِيدَة فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسلِم، فقَالَ: "وَفِي الأَحَادِيثِ تَثْبِيتُ عَذَابِ القَبْرِ، وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ المُؤْمِنَ مُثابٌ فِي الآخِرَةِ، والكَافِرَ مُعَذَّبٌ، ودَلَالَةٌ أَنَّ الله تَعَالَى يُعَذِّبُ الْمُجْرِمَ بِمَا شَاءَ مِن أَنْوَاعِ عَذَابِهِ فِي القَبرِ؛ وخَارِجَ القَبرِ، وإِنْ شَاءَ رَدَّ الرُّوحَ إِلَى الجَسَدِ فَعَذَّبَهُمَا مَعًا، وإِنْ شَاءَ عَذَّبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مُفْرَدًا، والإيمَانُ بِذَلِكَ كلِّه وَاجِبٌ" (^٦).
_________________
(١) سورة طه، الآية (١٢٤).
(٢) سورة التوبة، الآية (١٠١).
(٣) شرح السنة لابن أبي زمنين الأندلسي (ص: ١٠١).
(٤) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي (١/ ٤٨٦) فما بعدها.
(٥) بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه أبوابا كثيرة لبيان هذه العقيدة الثابتة، فمن ذلك "باب: عذاب القبر من الغيبة والبول" و"باب: التعوذ من عذاب القبر" وينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٦/ ١١٢٧) وتفسير ابن جرير (١٨/ ٣٩٣) والشريعة للآجري (٣/ ١٢٧٢) فما بعدها، والروح لابن القيم.
(٦) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ٦٥٦).
[ ١ / ١٧٠ ]
والقَصْدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قِوَامَ السُّنَّةِ ﵀ الْتَزَمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَقِيدَةَ السَّلَفِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ كَمَا شَهِدَ بِذَلِكَ القُرْآنُ الكَرِيمُ، وَوَرَدَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ عَنِ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ ﷺ، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الحَقِّ قَاطِبَةً، وَلَا يُعْبَأُ فِي مِثْلِ هَذَا بِمُخَالَفَةِ شِرْذِمَةٍ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ قَدَّمُوا عُقُولَهُمُ السَّقِيمَةَ، وَنَبَذُوا آيَ القُرْآنِ، وَأَحَادِيثَ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَة (^١) وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ.
* * *