تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَاخْتَارَ ﵀ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا إِذَا وَرَدَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
قال ﵀: "وَأَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ لَيْسَتْ مِنَ الإِيمَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ تَرْتِيبٍ وَتَفْصِيلٍ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ اسْمُ الإِيمَانِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَإِخْلَاصٍ، أَلَا تَرَى كَيْفَ فَسَّرَ الإِحْسَانَ بِالْإِخْلَاصِ فِي العِبَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَعْنَى خَارِجًا عَنِ الجَوَابَيْنِ الأَوَّلَيْنِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ [حَدِيثُ] وَفْدِ عَبدِ القَيْسِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: (تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٥).
[ ١ / ١٣٦ ]
الخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ) (^١)، فَجَعَلَ هَذِهِ الأَعْمَالَ كُلَّهَا إِيمَانًا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ [أَنَّ] الإِسْلَامَ مِنَ الإِيمَانِ، وَأَنَّ العَمَلَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الاسْمِ (^٢).
وهذا صَرِيحٌ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَهُمَا.
وتَقَدَّمَ قَرِيبًا اسْتِشْهَادُ شَيْخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ بِكَلامِ قِوَامِ السُّنَّةِ وَابْنِهِ أَبِي عَبْدِ اللهِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ.
وَالحَقُّ أَنَّ ابْنَ التَّيْمِيِّ ﵀ أَفَاضَ فِي التَّفْصِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الجُزْءِ الَّذِي تَوَلَّى شَرْحَهُ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَأَرَى مِنَ الْمُنَاسِبِ هُنَا إِبْرَادَ كَلَامِهِ كَامِلًا لِنَفَاسَتِهِ.
يَقُولُ ﵀: وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِسْلَامِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُو مُؤْمِنٌ) الخَبَرَ.
قَالَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا قَولَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: أَرَادَ نَفْيَ كَمَالِ الإِيمَانِ، كَمَا يُقَالُ: لَا فَتىً إِلَّا عَلِيٌّ، وَلَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الفَقَارِ، وَلَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ.
وَيُرَادُ بِهِ نَفْيُّ الوَصْفِ، لَا نَفْيُّ الأَصْلِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا زَنَا خَرَجَ مِنَ الإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ وَأَضْيقُ، إِلَى الإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ وَأَوْسَعُ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٨٧).
(٢) ينظر (٢/ ١١٥) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٣٧ ]
وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى وُقُوعِ الفَرْقِ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَا ابْتِدَاءٌ خِلَّيْنِ، وَيَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ صَاحِبِهِ قَوْلُهُ ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^١)، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢)، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الفُقَهَاءِ.
وَالإِسْلَامُ: الدُّخُولُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالإِيمَانُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ أَخَصَّ، وَالإِسْلَامُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ.
وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِ لَمَّا لَاحَتْ لَهُ الأَدِلَّهُ، وَزَالَتْ عَنْ قَلْبِهِ الشُّبُهَاتُ فِي وَقْتِ حُضُورِ الْمَوْتِ الَّذِي لَا تَنْفَعُ عِنْدَه تَوْبَةٌ، قَالَ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ (^٣) أَيْ: أَخْلَصْتُ، ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٤) أَيْ: مِنَ الْمُسْتَسْلِمِينَ، وَالدَّاخِلِينَ فِي شَرِيعَةِ الحَقِّ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ ﷾: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٥)، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا لاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِ طَرَفَةً: [مِنَ الطَّوِيلِ]
فَمَا لِي أَرَانِي وَابْنَ عَمِّيَ مَالِكًا … مَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ
فَنَسَقَ يَبْعُدُ عَلَى يَنْأَ، وَقَالَ آخَرُ: [مِنَ الطَّوِيلِ]
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: (١٤).
(٢) سورة الأحزاب، الآية: (٣٥).
(٣) سورة يونس، الآية (٩٠).
(٤) سورة يونس، الآية: (٩٠).
(٥) سورة الأحزاب، الآية: (٣٥).
[ ١ / ١٣٨ ]
… وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالبُعْدُ
وَقَالَ: [مِنَ الوَافِرِ]
فَإِنْ تَكُنِ الْمَنِيَّةُ أَقْصَدَتْهُ … وَحَمَّ عَلَيْهِ بِالتَّلَفِ القَضَاءُ
فَقَدْ أَوْدَى بِهِ كَرَمٌ وَخَيْرٌ … وَعَوْدٌ بِالفَضَائِلِ وَابْتِدَاءُ
وَالخَيْرُ: الكَرَمُ.
وَقَالَ عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ: [مِنَ الوَافِرِ]
وَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْهِ … وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا
وَهَذَا غَيْرُ مُحَصَّلٍ عِنْدِي، لأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ ﷾ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْغَى فِيهِ حَرْفٌ مِنَ الفَائِدَةِ مَعَ إِمْكَانِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ كُلِّ لَفْظٍ عَلَى مَعْنًى مُجَرَّدٍ.
وَقَالُوا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^١) مَعْنَاهُ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ القَتْلِ.
وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ لَهُ حَاصِلٌ؛ لِأَنَّهُ سَوَاءٌ أَسْلَمُوا خَوْفًا مِنَ القَتْلِ، أَوْ مِنْ إِخْلَاصِ القَلْبِ، فَإِنَّا نُوقِعُ عَلَيْهِمُ اسْمَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا نُخَاطِبُهُمْ بِأُصُولِ الإِسْلَامِ وَفُرُوعِهِ.
وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، لأَنَّا لَا نَقُولُ: آمَنَ إِلَّا إِذَا كَانَ مُخْلِصًا لِوَجْهِ الله ﷾، وَنَقُولُ: أَسْلَمَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ خَالِصٍ، وَكَلِمَةُ الإِسْلَامِ تَجْمَعُ
_________________
(١) سورة الحُجُرَاتِ، الآية: (١٤).
[ ١ / ١٣٩ ]
الْمُخْلِصَ فِي الظَاهِرِ.
وَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، يَحْمِلُ قَوْلَهُ ﷺ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، أَيْ: إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ إِذَا اعْتَقَدَ تحْلِيلَ الزِّنَا، وَكَذَلِكَ السَّارِقُ وَالشَّارِبُ، وَالصَّحِيحُ القَوْلُ الأَوَّلُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ مُفَارِقٌ لِلإِيمَانِ: إِفْرَادُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ فِي حَالِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ.
وَيُحْتَجُ أَيْضًا بِقَوْلِ الأَئِمَّةِ: الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: "الإِسْلَامُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ" (^١)، انْتَهَى كَلامُهُ ﵀.
وَجِمَاعُ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَال:
* فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمَا اسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُمْ هَذَا القَوْلُ: البُخَارِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ (^٢)، وَابْنُ مَنْدَه (^٣)، وابن حَزْمٍ (^٤).
قَالَ ابن عَبْدِ البَرِّ ﵀: "وَعَلَى القَوْلِ بِأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ الإِسْلَامُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلٌ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالنَّظَرِ الْمُتَّبِعِينَ لِلسَّلَفِ وَالأَثَرِ" (^٥).
_________________
(١) (٢/ ٦٤ - ٦٧) من قسم التحقيق.
(٢) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٠٦) فما بعدها.
(٣) الإيمان لابن منده (١/ ٣١١ - ٣٢٦).
(٤) الفصل في الملل والنحل (٣/ ١٢٥) فما بعدها.
(٥) التمهيد (٩/ ٢٥٠).
[ ١ / ١٤٠ ]
* وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَمُخْتَلِفَانِ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، والحَسَنِ البَصْرِي، وَمُحَمَّدِ بن سِيرِينَ، حَكَاهُ عَنْهُمُ الحَافِظ ابن مَنْدَه (^١).
وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الزُّهْرِيُّ (^٢)، وَحَكَاهُ اللَّالكائيُّ (^٣) عَنْ حَمَّادِ بن زيدٍ، وابنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَحْمَدَ، وانْتَصَرَ لِهَذَا القَوْلِ الإِمَامُ الخَطَّابي (^٤)، وَالإِمَامُ البَغَوِيُّ (^٥)، والحَافِظُ ابن رَجَبٍ الحَبْلِيُّ (^٦)، وابنُ كَثِيرٍ (^٧)، وجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّة.
* وَالْقَوْلُ الوَسَطُ: إِنَّ الإِسْلامَ وَالإِيمَانَ إِذَا أُفْرِدَا اتَّحَدَ مَعْنَاهُمَا، وَإِذَا اقْتَرَنَا وَذُكِرَا جَمِيعًا اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٨)، فَإِذَا ذُكِرَ الإِيمَانُ وَالإِسْلَامُ كَانَ الْمُرَادُ بِالإِسْلَامِ الأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ، وبالإيمانِ اعْتِقَادَ القَلْبِ، وَلِهَذَا فَرَّقَ ﷺ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنِ الإِسْلَامِ فَسَّرَهُ بِأُصُولِ الأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ أَرْكَانُ الإِسْلَامِ، وَعِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ الإِيمَانِ فَسَّرَهُ لَهُ بِأُصُولِ الاِعْتِقَادِ، وَهِيَ الأُصُول السِّتَّةُ.
وَقَرَّرَ قِوامُ السُّنَّةِ ﵀ هَذَا القَوْلَ عِنْدَ شَرْحِهِ لحَدِيثِ سَعْدٍ بن أَبِي وَقَاصٍ ﵁:
_________________
(١) كتاب الإيمان (١/ ٣١١).
(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣٥١)، وشرح أصول الاعتقاد (٤/ ٨٩٢).
(٣) شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٨٩٢).
(٤) ينظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١/ ١٦٠)، ومعالم السنن (٤/ ٣١٥).
(٥) شرح السنة (١/ ١٠ - ١١).
(٦) جامع العلوم والحكم.
(٧) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٣٨٩).
(٨) سورة الأحزاب: الآية: (٣٥).
[ ١ / ١٤١ ]
(أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، فَتَرَكَ رَجُلًا فِيهِمْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ …) الحَدِيثَ.
قَالَ ﵀: قِيلَ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (أَوْ مُسْلِمًا) يُوجِبُ الفَرْقَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قَالُوا: إِنَّ الإِيمَانَ وَالإِسْلَامَ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي مَوَاضِعَ، فَيُقَالُ لِلْمُسْلِمِ مُؤْمِنٌ، وَلِلْمُؤْمِنِ مُسْلِمٌ، وَيَفْتَرِفَانِ فِي مَوَاضِعَ، فَلَا يُقَالُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٌ، وَيُقَالُ لِكُلِّ مُؤْمِن مُسْلِمٌ.
فَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَّفِقَـ[ـانِ] فِيهِ هُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ الظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَتَّفِقَانِ فِيهِ: أَنْ لَا يَسْتَوِيَا، وَيُقَالُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: مُسْلِمٌ أَيْ: مُسْتَسْلِمٌ، وَهُوَ مَعْنَى مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: (أَوْ مُسْلِمًا)، وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^١) أَيْ: اسْتَسْلَمْنَا.
وَفِي الإِسْلَامِ بِمَعْنَى الإِسْتِسْلَامِ: قَوْلٌ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بن نُفَيْلٍ: [مِنَ الْمُتَقَارِب]
أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ … لَهُ الْأَرْضِ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا" (^٢)
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَا قَرَّرَهُ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ حَيْثُ يَقُولُ: "وقَالَ مِنْهُم: إِنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالإِسْلَامَ فِعْلُ مَا فُرِضَ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ، إِذَا ذُكِرَ كُلُّ اسْمٍ مَضْمُومًا إِلَى الْآخَرِ، فَقِيلَ: الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مُفْرَدَيْنِ أُرِيدَ بِأَحَدِهِمَا مَعْنَى لَمْ يُرَدْ بِالآخَرِ، وَإِنْ ذُكِرَ أَحَدُ الإِسْمَيْنِ شَمِلَ الْكُلَّ وَعَمَّهُم" (^٣).
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية (١٤).
(٢) (٣/ ٣٧٣) من قسم التحقيق.
(٣) اعتقاد أئمة الحديث (ص: ٦٧).
[ ١ / ١٤٢ ]
وَاخْتِيَارُ الإِمَام قِوام السُّنَّةِ ﵀ فِيهِ غَايَةُ التَّوْفِيقِ، وَيُظَهَرُ أَنَّهُ القَوْلُ الرَّاجِعُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الجَمْع بَيْنَ الأدِلّةِ كُلِّهَا، وَالْأَخْذِ بِجَمِيعِهَا، وَالتَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ إِعْمَالَ هَذِهِ القَوَاعِدِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ، وَاللهُ أَعْلَم.
* * *