بَعْدَ الاتِّفَاقِ عَلَى تَقْسِيمِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي إِلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرِ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ القُرْآنُ الكَرِيمُ، وَصَحَّتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ ﵏ في التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا اخْتِلَافًا كَبِيرًا.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ فِي مَشِيئَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِعَدْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَجَاوَزَ عَنْهُ بِمَنِّهِ وَعَفْوِهِ وَفَضْلِهِ، وَقَوْلُهُمْ هَذَا وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ:
مَقَالَةِ الوَعِيدِيَّةِ مِنَ الخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَسْلُبُونَهُ الإِيمَانَ، وَيَقُولُونَ إِنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ.
وَمَقَالَةِ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَهُ مُؤْمِنًا كَامِلَ الإِيمَانِ، وَيَقُولُونَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀: "وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁، وَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ رَدٌّ عَلَى الرَّافِضَةِ وَالخَوَارِجِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَصْحَابُ الكَبَائِرِ يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِهِمْ، قَالَ الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١)، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (^٢)، وَتَرْكُ الْمَثُوبَةِ عَلَى الإِحْسَانِ ظُلْمٌ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ.
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٤٧)، والآية: (١١٦).
(٢) سورة النساء، الآية: (٤٠).
[ ١ / ١٨٨ ]
وَالتَّخْلِيدُ فِي العَذَابِ يَمْنَعُ مِنْ ثَوَابِ الأَعْمَالِ" (^١).
وَهَذَا الَّذِي نَصَرَهُ ﵀ مِنْ مَعِينٍ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ أَقْوَالُهُمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَدِلَّهُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَكَانُوا أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدَّلِيلِ، فَأَخَذُوا بِنُصُوصِ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ وَيَكْفُرُوا بِبَعْضٍ، بَلْ كَانَ حَالُهُمْ كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٢).
قَالَ الحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بن عَبْدِ الْبَرِّ ﵀: "فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ فَمَصِيرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ.
فَإِنْ عَذَّبَهُ فَبِجُرْمِهِ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَهُوَ أَهْلُ العَفْوِ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ، وَإِنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ حُضُورِهِ وَمُعَايَنَتِهِ، وَنَدِمَ وَاعْتَقَدَ أَنْ لَا يَعُودَ وَاسْتَغْفَرَ وَوَجِلَ كَانَ كَمَنْ لَمْ يُذْنِبُ، وَبِهَذَا كُلِّهِ الآثَارُ الصِّحَاحُ عَنِ السَّلَفِ قَدْ جَاءَتْ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ" (^٣).
وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَبْلُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ القَيْرَوَانِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةَ: "وَأَنَّ الله سُبْحَانَهُ ضَاعَفَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الحَسَنَاتِ، وَصَفَحَ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَنْ كَبَائِرِ السَّيِّئَاتِ، وَغَفَرَ لَهُمُ الصَّغَائِرَ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يَتُبْ مِنَ الْكَبَائِرِ صَائِرًا
_________________
(١) (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧) من قسم التحقيق.
(٢) سورة آل عمران، الآية: (٧).
(٣) التمهيد (٤/ ٤٩).
[ ١ / ١٨٩ ]
إِلَى مَشِيئَتِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١) (^٢).
* * *