أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ ﵀ هَذِهِ الْمَسْأَلَة عِنْدَ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ تَمِيمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) (^١)، فَقَالَ ﵀: "وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ: فَهُمُ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ يَلِي أَمْرَ الأُمَّةِ وَيَقُومُ بِهِ.
وَمِنْ نَصِيحَتِهِمْ: بَذْلُ الطَّاعَةِ لَهُمْ فِي الْمَعْرُوفِ، وَالصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ، وَجِهَادُ الكُفَّارِ مَعَهُمْ، وَأَدَاءُ الصَّدَقَاتِ لَهُمْ، وَتَرْكُ الخُرُوج بِالسَّيْفِ عَلَيْهِمْ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ حَيْفٌ أَوْ سُوءُ سِيرَةٍ، وَتَنْبِيهُهُمْ عِنْدَ الغَفْلَةِ، وَأَنْ يُدْعَى بِالصَّلَاحِ لَهُمْ" (^٢).
وَبَيَّنَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ حَقَّ وَلَاةِ الأُمُورِ عَلَى رَعَايَاهُمْ، مِنْ وُجُوبِ السَّمْعِ لَهُمْ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَعْرُوفِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: (وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ): "أَخْبَرَ أَنَّ طَاعَةَ الخُلَفَاءِ وَالأُمَرَاءِ وَاجِبَةٌ، حَتَّى لَوْ أَمَّرَ الخَلِيفَةُ حَبَشِيًّا، كَانَ عَلَى الرَّعِيَّةِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ" (^٣).
وَأَظْهَرَ الإِمَامُ قِوَامُ السُّنَّةِ هَذَا الاِعْتِقَادَ فِي شَرْحِهِ لِكِتَابِ الجَهَادِ مِنْ صَحِيح مُسْلِم، خَاصَّةً فِي بَابِ الأَمْرِ بِطَاعَةِ الأَمِيرِ إِذَا أَطَاعَ الله وَرَسُولَهُ:
قالَ ﵀: "فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَة ﵁ (^٤): فِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ طَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةٌ فِيمَا شَرَعَ، وَمِن وَلَّاه الأمرَ كَانَتْ طَاعَتُهُ وَاجِبَةٌ.
_________________
(١) علَّقَه البُخاري ﵀، وقد وصَلَه مُسلم في صحيحه، كتاب الإيمان (رقم: ٥٥).
(٢) ينظر (٢/ ١٢٢) من قسم التحقيق.
(٣) ينظر: (٣/ ٣١٣) من قسم التحقيق.
(٤) أخرجه البخاري (رقم: ٧١٣٧)، ومسلم (رقم: ١٨٣٥).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (^١) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ السُّلطَانِ وَاجِبَةٌ إِذَا أَقَامَ كِتَابَ الله وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، فَإِنْ خَالَفَ الكِتَابَ؛ أوْ أَمَرَ بِالْمَعْصِيَةِ فَلَا طَاعَةَ لَهُ في الْمَعْصِيَةِ" (^٢).
وقَالَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ مِنْهُ: "وَفِيهِ الحَثُّ عَلَى طَاعَةِ السُّلْطَانِ؛ وَإِنْ كَانَ ظَلُومًا؛ مَا لم يُفْسِد الدِّينَ" (^٣).
وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، مِنْ وُجُوبِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوُلَاةِ الأُمُورِ، وَتَحْرِيمِ شَقِّ يَدِ الطَّاعَةِ، وَتَحْرِيمِ الخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الجَوْرِ، وَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ بِالصَّلَاحِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَدِلَّةُ الكَثِيرَةُ مِنَ الْقُرْآنِ الكَرِيمِ، وَتَوَاتَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَدَّهُ الأَئِمَّةُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ (^٤)، وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ رِسَالَةٌ إِلَى أَهْلِ الثَّغْرِ.
يَقُولُ ﵀: "وَأَجْمَعُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِهِمْ عَنْ رِضًى أَوْ غَلَبَةٍ، وَامْتَدَّتْ طَاعَتُهُ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ لَا يَلْزَمُ الخُرُوجُ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ جَارَ أَوْ عَدَلَ وَعَلَى أَنْ يَغْزُوا مَعَهُمُ العَدُوَّ، وَيَحُجَّ مَعَهُمُ البَيْتَ، وَيَدْفَعَ إِلَيْهِمُ الصَّدَقَاتِ إِذَا طَلَبُوهَا وَيُصَلِّيَ خَلْفَهُمُ الجُمَعَ وَالأَعْيَادَ" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٢٩٥٥)، ومسلم (رقم: ١٨٣٩).
(٢) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ٤٣٢ - ٤٣٣).
(٣) المصدر السابق (ص: ٤٣٧).
(٤) أصول السنة للإمام أحمد (ص: ٤٢).
(٥) رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري (ص: ٢٩٦).
[ ١ / ٢٠٧ ]
وَقَرِيبٌ مِنْ عِبَارَتِهِ ﵀ قَوْلُ الإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ ﵀ فِي عَقِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ: "وَلَا نَرَى الخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ ﷿ فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُوا لَهُمْ بِالصَّلَاح وَالْمُعَافَاةِ" (^١).
وَهَذِهِ العَقِيدَةُ السَّلَفِيَّةُ أَصْلٌ أَصِيلٌ مَيَّزَ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ طَوَائِفِ البِدَعِ؛ بَلْ لَا يَكَادُ يَخْلُو مُصَنَّفٌ فِي أَبْوَابِ الْاِعْتِقَادِ مِنْ تَقْرِيرِهِ وَبَيَانِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَهَمَّيتِهِ وَخَطَرِهِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ الإِسْلَامِ الكُلِّيَةِ أَنَّهُ لَا دِينَ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ، وَلَا جَمَاعَةَ إِلَّا بِإِمَامَةٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ الإِمَامَةِ إِلَّا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَبِصَلَاحِ الأُمَرَاءِ وَطَاعَتِهِمْ صَلَاحُ العِبَادِ وَالبِلادِ، وَبِالطَّعْنِ فِيهِمْ، وَالاِفْتِيَاتِ عَلَيْهِمْ فَسَادُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعًا.
وَإِنَّمَا أَوْجَبَتِ الشَّرِيعَةُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، وَنَهَتْ عَنِ الخُرُوج عَلَيْهِمْ سَدًّا لِذَرِيعَةِ اسْتِشْرَاءِ الفَسَادِ، وَحَقْنًا لِدِمَاءِ الأَبْرِيَاءِ الْمَعْصُومِينَ، وَصَوْنًا لِأَعْرَاضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَقُولُ العَلَامَةُ ابْنُ القَيِّمِ: "نَهْيُهُ عَنْ قِتَالِ الْأُمَرَاءِ وَالخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ - وَإِنْ ظَلَمُوا أَوْ جَارُوا - مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ، سَدًّا لِذَرِيعَةِ الفَسَادِ العَظِيمِ، والشَّرِّ الكَثِيرِ بِقِتَالِهِمْ كَمَا هُوَ الوَاقِعُ؛ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ قِتَالِهِمْ وَالخُرُوجِ عَلَيْهِمْ مِنَ الشُّرُورِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَالأُمَّةُ فِي بَقَايَا تِلْكَ الشَّرُورِ إِلَى الآنَ" (^٢).
وَرَحِمَ اللهُ ذَهَبِيَّ العَصْرِ الشَّيْخَ الْمُعَلَّمِيَّ اليَمَانِي إِذْ يَقُولُ ﵀: "وَقَدْ جَرَّبَ
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص: ٣٧١).
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٥/ ٦٤).
[ ١ / ٢٠٨ ]
الْمُسْلِمُونَ الخُرُوجَ، فَلَمْ يَرَوا مِنْهُ إِلَّا الشَّرَّ، خَرَجَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الحَقَّ، ثُمَّ خَرَجَ أَهْلُ الجَمَلِ يَرَى رُؤَسَاؤُهُمْ وَمُعْظَمُهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَطْلُبُونَ الحَقَّ، فَكَانَتْ ثَمَرَةُ ذَلِكَ بَعْدَ اللُّتَيَّا وَالَّتِي أَنِ انْقَطَعَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ، وَتَأَسَّسَتْ دَوْلَهُ بَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَ اضْطَرَّ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى مَا اضْطَرَّ إِلَيْهِ، فَكَانَتْ تِلْكَ المَأَسَاةُ، ثُمَّ خَرَجَ أَهْلُ المَدِينَةِ فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ، ثُمَّ خَرَجَ القُرَّاءُ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ فَمَاذَا كَانَ؟ .. " (^١).
وَعِلَاوَةً عَلَى هَذِهِ التَّقْرِيرَاتِ البَدِيعَاتِ، فَإِنَّهُ ﵀ لَمْ يُخْلِ كِتَابَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ التَّعَقُبَاتِ الرَّضِيَّةِ عَلَى أَرْبَابِ الْمَقَالَاتِ الرَّدِيَّةِ، فَتَجِدُهُ يُشِيرُ إِلَى مُخَالَفَاتِهِمْ، وَيُبَيِّنُ وَجْهَ رَدِّهَا مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَشْرَحُهَا، فَذَكَرَ الرَّدَّ عَلَى الإِبَاضِيَّةِ (^٢)، وَالخَوَارِجِ (^٣)، وَالشِّيعَةِ (^٤)، وَالرَّافِضَةِ (^٥)، وَالْمُشَبِّهَةِ (^٦)، وَالحَرُورِيَّة (^٧)، وَالْمُعْتَزِلَةِ (^٨)، وَالجَهْمِيَّة (^٩).
هَذَا آخِرُ مَا يُمْكِنُ تَلْخِيصُهُ مِنَ الْمَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الإِمَامُ قِوَامُ السُّنَّةِ التَّيْمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ هَذَا، وَهِيَ تُبَيِّنُ بِمَا لَا يَتْرُكُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّهُ ﵀ كَانَ عَلَى
_________________
(١) التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل (١/ ٢٨٨).
(٢) (٢/ ٢١٣).
(٣) (٢/ ٢١٣ و٣٠٠)، (٣/ ٥٥٠).
(٤) (٢/ ٢١٤).
(٥) (٣/ ٢٠٦).
(٦) (٤/ ٦٢٠).
(٧) (٢/ ٣١٩)، (٣/ ١٩٦).
(٨) (٤/ ٦٢٠).
(٩) (٤/ ٦٢٠).
[ ١ / ٢٠٩ ]
مَنْهَج السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي بَابِ الاِعْتِقَادِ، مُتَّبِعًا لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَتَمَيَّزَتْ تَقْرِيرَاتُهُ بِدِقَّةٍ بَالِغَةٍ، وبِأَدَقِّ إِشَارَةٍ وَأَوْجَزِ عِبَارَةٍ، لأَنَّ الْمَقَامِ فِي هَذَا الْكِتَابِ لَا يَسْمَحُ بِالإِطَالَةِ، فَضْلًا عَمَّا أَوْدَعَهُ فِي كِتَابِهِ الْمَاتِعِ "الحُجَّةُ فِي بَيَانِ الْمَحَجَّةِ" مِنْ مَزِيدِ بَيَانٍ لِمَبَاحِثِ هَذَا العِلْمِ الشَّرِيفِ، فَرَحِمَهُ اللهُ، وَأَجْزَلَ مَثْوبَتَهُ، وَجَعَلَ أَعَالِيَ الجَنَّةِ مَسْكَنَهُ.