أَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِندَ شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (قَالَ اللهُ ﷿: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الأَمْرُ) (^١).
قَالَ ﵀: "قِيلَ: يَعْنِي صَاحِبَ الدَّهْرِ، وَمُدَبِّرَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا [إِلَى الدَّهْرِ]، فَإِذَا سَبَّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَاعِلُ هَذِهِ [الْأُمُورِ] عَادَ سَبُّهُ إِلَيَّ، لأَنِّي فَاعِلُهَا، وَإِنَّمَا الدَّهْرُ زَمَانٌ وَوَقْتٌ جَعَلْتُهُ ظَرْفًا لِمَوَاقِعِ الْأُمُورِ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَصَابَهُمْ شِدَّةٌ مِنَ الزَّمَانِ أَوْ مَكْرُوهٌ مِنَ الْأَمْرِ أَضَافُوهُ إِلَى الدَّهْرِ، وَسَبُّوهُ، فَقَالُوا: بُؤْسًا لِلدَّهْرِ، وَتَبًّا لِلدَّهْرِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ.
وَقَدْ حَكَى اللهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ حِينَ قَالُوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^٢)، فَأَعْلَمَ اللهُ أَنَّ الدَّهْرَ لَا فِعْلَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ زَمَانٌ، يُقَلِّبُهُ اللهُ بَيْنَ لَيْلٍ وَنَهَارٍ" (^٣).
وَنَقَلَ فِي شَرْحٍ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ كَلَامَ الإِمَامِ أَبِي عُبيدٍ فِي تَفْسِيرٍ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ ﵀: "وَقَالَ أَبُو عَبَيْدٍ (^٤): هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَنْ يَجْهَلَ وَجْهَهُ، لأَنَّ أَهْلَ التَّعْطِيلِ يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِين، وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ نَتَّهِمُ
_________________
(١) حديث رقم: (٤٨٢٦).
(٢) سورة الجاثية، الآية: (٢٤).
(٣) ينظر: (٤/ ٦٠٧ - ٦٠٨) من قسم التحقيق.
(٤) غريب الحديث: (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
[ ١ / ١٥٤ ]
بِالزَّنْدَقَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ يَحْتَجُّ بِهَذَا الحَدِيثِ، يَقُولُ: أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: (فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ)؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ كَانَ أَحَدٌ يَسُبُّ الله فِي آبَادِ الدَّهْرِ؟! قَدْ قَالَ الْأَعْشَى: [مِنَ الْمُنْسَرِحِ]
اسْتَأْثَرَ اللهُ بِالْوَفَاءِ وبالْـ … ـحَمْدِ وَوَلَّى الْمَلامَةَ الرَّجُلا (^١)
وَإِنَّمَا تَأْوِيلُهُ عِنْدِي - وَاللهُ أَعْلَمُ -: أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَذُمَّ الدَّهْرَ وَتَسُبَّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهَا؛ مِنْ مَوْتٍ، أَوْ هَرَمٍ، أَوْ تَلَفِ مَالٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُمْ فَوَارعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرُ، فَيَجْعَلُونَهُ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ فَيَذُمُّونَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرُوهُ فِي أَشْعَارِهِمْ …
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ كَذَّبَهُمْ بِقَوْلِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^٢)، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ) عَلَى تَأْوِيلِ: لَا تَسُبُّوا الَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ هَذِهِ الأَشْيَاءَ، وَيُصِيبُكُمْ بِهَذِهِ الْمَصَائِبِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَهَا فَإِنَّمَا يَقَعُ السَّبُّ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الفَاعِلُ لَهَا لَا الدَّهْرُ، فَهَذَا وَجْهُ الحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا غَيْرَهُ.
ثُمَّ قَالَ قِوَامُ السُّنَّةِ التَّيْمِيُّ ﵀: قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: الدَّهْرُ مُرُورُ الأَيَّامِ، وَلَا فِعِلَ لَهُ عَلَى الحَقِيقَةِ، إِنَّمَا الفِعْلُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الدَّهْرَ، وَقَدْ ذَمَّ اللهُ مَنْ أَثْبَتَ للدَّهْرِ فِعلًا.
وَفِي الحَدِيثِ دَلَالَةٌ أَنَّ الَّذِي يَخْلُقُ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُغْنِي هُوَ اللهُ ﷿" (^٣).
_________________
(١) ديوان الأعشى (ص: ٢٣٣)، والرواية فيه (استأثر الله بالوفاء وبالعدل …).
(٢) سورة الجاثية الآية (٢٤).
(٣) التحرير (ص: ٥٣٨ - ٥٣٩).
[ ١ / ١٥٥ ]
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ هُوَ اعْتِقَادُ السَّلَفِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ ﵏، فَإِنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ الدَّهْرِ فِي أَسْمَائِهِ الحُسْنَى سُبْحَانَهُ، خِلَافًا لِمَنْ أَجْرَى الحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^١)، بِقَوْلِهِ: "قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَئِمَّةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﵇: (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ): كَانَتِ العَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ إِذَا أَصَابَهُمْ شِدَّةٌ أَوْ بَلَاءٌ أَوْ نَكْبَةٌ، قَالُوا: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَيُسْنِدُونَ تِلْكَ الأَفْعَالَ إِلَى الدَّهْرِ وَيَسُبُّونَهُ، وَإِنَّمَا فَاعِلُهَا هُوَ اللهُ ﷿، فَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَبُّوا الله ﷿، لأنَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ فِي الحَقِيقَةِ، فَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ بِهَذَا الاعْتِبَارِ، لِأَنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعْنُونَهُ، وَيُسْنِدُونَ إِلَيْهِ تِلْكَ الْأَفْعَالَ.
هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ غَلِطَ ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ فِي عَدِّهِمُ الدَّهْرَ مِنَ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى أَخْذًا مِنْ هَذَا الحَدِيثِ" (^٢).
وَنَقَلَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الحَدِيثِ، فَذَكَرَ القَوْلَ الأَوَّلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ سَابِقًا، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ وَكَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "وَالقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، وَطَائِفَةٍ مَعَهُ: أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ، وَمَعْنَاهُ: القَدِيمُ الأَزَلِيُّ، ثُمَّ قَالَ:
_________________
(١) سورة الجاثية، الآية: (٢٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ١ / ١٥٦ ]
"وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، لأَنَّ الله تَعَالَى هُوَ الأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَلَكِنْ لَا يُسَمَّى بِالدَّهْرِ الَّذِي هُوَ الزَّمَانُ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى الزَّمَانِ" (^١).
وَلِتِلْمِيذِهِ العَلَّامَةِ ابن قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ كَلامٌ نَفِيسٌ فِي بَيَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَسْمِيَةِ الله ﷿ بِالدَّهْرِ مِنَ الْمَحَاذِيرِ، وَمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِد.
يَقُولُ ﵀: "فِي هَذَا ثَلَاثُ مَفَاسِدَ عَظِيمَةٌ.
* إِحْدَاهَا: سَبُّهُ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَبَّ، فَإِنَّ الدَّهْرَ خَلْقٌ مُسَخَّرٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ، مُنْقَادٌ لأَمْرِهِ مُذَلَّلٌ لِتَسْخِيرِهِ، فَسَابُّهُ أَوْلَى بِالذَّمِّ وَالسَّبِّ مِنْهُ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ سَبَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلشَّرْكِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا سَبَّهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ظَالِمٌ قَدْ ضَرَّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الضَّرَرَ، وَأَعْطَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَطَاءَ، وَرَفَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الرِّفْعَةَ، وَحَرَمَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْحِرْمَانَ، وَهُوَ عِنْدَ شَاتِمِيهِ مِنْ أَظْلَمِ الظَّلَمَةِ، وَأَشْعَارُ هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ الْخَوَنَةِ فِي سَبِّهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ يُصَرِّحُ بِلَعْنِهِ وَتَقْبِيحِهِ.
* الثَّالِثَةُ: أَنَّ السَّبَّ مِنْهُمْ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ فِيهَا أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَإِذَا وَقَعَتْ أَهْوَاؤُهُمْ حَمِدُوا الدَّهْرَ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ.
وَفِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، فَرَبُّ الدَّهْرِ تَعَالَى هُوَ الْمُعْطِي الْمَانِعُ، الْخَافِضُ الرَّافِعُ،
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤).
[ ١ / ١٥٧ ]
الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ، وَالدَّهْرُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَمَسَبَّتُهُمْ لِلدَّهْرِ مَسَبَّةٌ لِلهِ ﷿، وَلِهَذَا كَانَتْ مُؤذِيَةً لِلرَّبِّ تَعَالَى، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ" (^١).
* * *