"هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَشْرَفِ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ وَأَجَلُهَا، وَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي شَمَّرَ إِلَيْهَا الْمُشَمِّرُونَ، وَتَنَافَسَ الْمُتَنَافِسُونَ، وَحُرِمَهَا الَّذِينَ هُمْ عَنْ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ، وَعَنْ بَابِهِ مَرْدُودُونَ" (^١).
وقَدْ تَعَرَّضَ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ شَرْحِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) الحَدِيثَ (^٢).
قال ﵀: "قَوْلُهُ: (لَا تُضَامُّونَ) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، عَلَى تَقْدِيرِ تُفَاعِلُونَ، وَهُوَ مِنَ الانْضِمَامِ، يُرِيدُ أَنَّكُمْ لَا تَخْتَلِفُونَ [إِلَى بَعْضٍ] فِيهِ حَتَّى تَجْتَمِعُوا لِلنَّظَرِ، وَيَنْضَمَّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَقُولُ وَاحِدٌ: هُوَ ذَاكَ، وَيَقُولُ الآخَرُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الهِلَالِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَرُوِيَ: (لَا تُضَامُونَ) بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَضِيمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِأَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ، أَوْ [يَسْتَأْثِرَ] بِهِ دُونَهُ.
قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: أَيْ: لَا يَقَعُ لَكُمْ فِي الرُّؤْيَةِ ضَيْمٌ، وَهُوَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ، وَهُوَ مِنَ الفِعْلِ (يَفْعَلُونَ)، وَأَصْلُهُ يَضِيمُونَ، فَأُلْقِيَتْ فَتْحَةُ اليَاءِ عَلَى الضَّادِ، فَصَارَتِ اليَاءُ أَلِفًا لانْفِتَاحَ مَا قَبْلَهَا" (^٣).
_________________
(١) شرح ابن أبي العز الحنفي على العقيدة الطحاوية (ص: ١٥٣).
(٢) حديث (رقم: (٥٥٤).
(٣) (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٥٢ ]
وَقَالَ فِي مُنَاسَبَةٍ أُخْرَى: "وَفِي الحَدِيثِ: إِثْبَاتُ الرُّؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى نَصًّا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^١) أَيْ: مُبْصِرَةٌ" (^٢).
فَأَثْبَتَ ﵀ مَا عَلَيْهِ آيَاتُ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَتَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنِ الصَّادِقِ الأَمِينِ ﷺ، وَاسْتَفَاضَتْ بِهِ أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الْمَرْضِيِّينَ مِنْ إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ كَرَامَتِهِ فِي الجَنَّةِ بِالإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الكَرِيمِ، فَيَرَوْنَهُ بِأَبْصَارِهِمْ عِيَانًا بِلَا حُجُبٍ، لَا يَتَضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ.
وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَة يَطُولُ، وَقَدْ بَسَطَ فِيهَا الأَئِمَّةُ الكَلَامَ فِي تَصَانِيفِهِمْ فِي بَابِ الاِعْتِقَادِ، كَمَا أَنَّهُمْ أَفْرَدُوها بِمُؤَلَّفَاتٍ خَاصَّةٍ، حَشَدُوا فِيهَا أَدِلَّةَ هَذِهِ العَقِيدَةِ الأثرِيَّةِ، وَفَنَّدُوا فِيهَا شُبَهَ أَهْلِ الزَّيْعِ وَالْبدَعِ الرَّدِيَّةِ (^٣).
_________________
(١) سورة القيامة، الآية (٢٢ - ٢٣).
(٢) (٢/ ٦١٥) من قسم التحقيق.
(٣) ممن أفْرَد مَسْأَلَة الرُّؤْيَةِ بِالتَّأْلِيفِ مِن أَئِمَّةِ السُّنَّةِ: * ابن وَضَّاح القُرطبي (ت: ٢٨٦ هـ) في: "كتابٌ فِيهِ مَا جَاءَ مِنَ الحَدِيث فِي النَّظَرِ إِلَى اللَّهُ تَعَالَى"، نَسَبَه له الزركلي في الأعلام (٧/ ١٣٣). * أبو الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤ هـ) في: "العُمَدُ في الرُّؤية، وَجَوَازُ رُؤْيَةِ اللَّهِ الأَبْصار"، نسبه له ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص: ١٢٨). * أبو بكر الآجُرِّي (ت: ٣٦٠ هـ) في كتابه: "التَّصْدِيقُ بالنَّظَر إِلَى اللَّهِ تَعَالَى"، وَهُو مَطْبُوعٌ. * الحافظ أبو الحسن الدارقطني (ت: ٣٨٥ هـ)، في كِتَابِهِ: "رُؤْيَةُ اللهِ ﷿"، وهو مَطْبُوعٌ. * عبد الرحمن بن عمر النَّحَّاس (ت: ٤١٦ هـ) في: "كتابٌ فِي رُؤْيَةِ اللهِ ﵎"، وَهُوَ مَطْبُوعٌ. * أبو شامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) في كتابه: "ضَوْءُ السَّارِي إلى مَعْرِفَة رُؤيَة البَارِي ﷿"، وَهُو مَطْبُوعٌ.
[ ١ / ١٥٣ ]