مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مُوَالَاةُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ ﵃، وَمَحَبَّتُهُمْ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، وَإِظْهَارُ فَضَائِلِهِمْ، وَالتَّحَدُّثُ بِمَنَاقِبِهِمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الآيَاتُ القُرْآنِيَّةُ، وَأَحَادِيثُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَفَضْلُهُمْ ﵃ تَابِعٌ لِفَضْلِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَكَمَا أَنَّهُ خَيْرُ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فَصَحَابَتُهُ ﵃ خَيْرُ صَحْبٍ.
وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ بِمَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، وَالْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الجَمَلِ وَصِفِّينَ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: "فَحُبُّهُمْ سُنَّةٌ، وَالدُّعَاءُ لَهُمْ قُرْبَةٌ، وَالاِقْتِدَاءُ بِهِمْ وَسِيلَةٌ، وَالْأَخْذُ بِآثَارِهِمْ فَضِيلَةٌ" (^١).
وَكُلُّ مَنْ جَحَدَ فَضَائِلَهُمْ، وَوَلَغَ فِي أَعْرَاضِهِمْ بِالثَّلْبِ، وَتَطَاوَلَ عَلَى مَقَامِهِمْ بِالْعَيْبِ، وَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِمُجَابَهَتِهِمْ بِالسَّبِّ فَلازِمُ مَقَالَتِهِ اتِّهَامُ النَّبِيِّ ﷺ بِالخِيَانَةِ، وَإِضَاعَةِ الأَمَانَةِ؛ إذْ كَيْفَ يَعْهَدُ لِمَنْ بَعْدَهُ بِتَوَلِّي مَنْ يُغَيِّرُ الدِّينَ؟!
وَرَحِمَ اللهُ الإِمَامَ أَبَا جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ حِينَمَا قَالَ مُبَيِّنًا عَقِيدَةَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّحَابَةِ الكِرَام: "وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا نُفْرِطُ فِي حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُمْ، وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُمْ، وَلَا تَذْكُرُهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَحُبُّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَبُغْضُهُمْ
_________________
(١) مَسَائِلُ أَبي العَبَّاس أحمد بن جعفر الاصطرخي ضمن طبقات الحنابلة لأبي يعلى (١/ ٦٣ - ٦٤)، وينظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة للدكتور عبد الله بن سليمان الأحمدي (١/ ٣٩٧).
[ ١ / ١٩٣ ]
كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ" (^١).
وَمِثْلُهُ كَلَامُ الحَافِظِ ابن عَبْدِ البَرِّ ﵀: "جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ - وَهُمْ أَهْلُ الفِقْهِ وَالآثَارِ - عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَتَوَلِّي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذِكْرِ مَحَاسِنِهِمْ، وَنَشْرِ فَضَائِلِهِمْ، وَالاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافُهُ، وَالحَمْدُ للهِ" (^٢).
وَالنَّاظِرُ فِي هَذَا الكِتَابِ يَجِدُ الإِمَامَ قِوَامَ السُّنَّةِ ﵀ مُوَفَّقًا فِي بَيَانِ عَقِيدَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ في الصَّحَابَةِ ﵃، فَنَوَّهَ بِفَضَائِلِهِمْ، وَتَحَدَّثَ بِمَنَاقِبِهِمْ، وَذَكَّرَ بِمَحَاسِنِهِمْ، وَذَبَّ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ، وَاعْتَذَرَ لَهُمْ عَمَّا بَدَرَ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلٍ وَاجْتِهَادٍ سَائِغٍ ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ أَظْهَرَ هَذَا الاعْتِقَادَ الصَّحِيحَ فِي مُنَاسَبَاتٍ، أَكْثَرُهَا فِي شَرِحِهِ لأَحَادِيثِ صَحِيحِ مُسْلِم، خَاصَّةً فِي كِتَابِ المَنَاقِبِ مِنْهُ (^٣)، حَيْثُ ذَكَرَ فَضَائِلَ الصَّحَابَةَ مِنَ الأَنْصَارِ والمُهَاجِرِينَ، وَأُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ ﵃ أَجمعِين، ومِن أَقْوَالِهِ فِي بَيَانِ فَضْلِهِمْ جُمْلَةٌ قَولِهِ: "وَفِيهِ أَنَّ لَهُمْ فَضْلًا عَلَى سَائِرِ النَّاسِ" (^٤)
وقال أيضًا: "فِي حَدِيثِ (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) وَعِيدٌ شَدِيدٌ لمنْ يُبْغِضُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ، وفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى عِظَم أَقْدَارِهِم؛ إِذْ كَانُوا يُؤْجرُونَ هَذَا الْأَجْرَ
_________________
(١) العقيدة الطحاوية (ص: ٨١).
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (٥/ ١١٠).
(٣) التحرير في شرح مسلم (ص: ٥٤٣ - ٥٧٨).
(٤) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ٥٧٦).
[ ١ / ١٩٤ ]
حَتَّى لَا يُدرِكَ غَيْرَهُمْ مِدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه" (^١).
وَحَلَّى بِهِذه الشَّهَادَاتِ شَرْحَهُ أَحَادِيثَ الجَامِعِ الصَّحِيحِ، وَقَدِ انْتَخَبْتُ مِنْ ذلِكَ جُمَلًا جَعَلْتُهَا فِي عَنَاصِرَ تَبعًا لاخْتِلَافِ مَضَامِينِهَا كَالآتي: