مَسْأَلَةُ الكَلَام هِيَ إِحْدَى الْمَسَائِلِ العَظِيمَةِ الَّتِي يَتَمَحَّصُ بِهَا الاعْتِقَادُ الصَّحِيحُ، إِضَافَةً إِلَى صِفَةِ الاسْتِوَاءِ، وَرُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَلْ صَارَ قَوْلُ الشَّخْصِ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ الثَّلَاثِ مِعْيارًا يُعْرَفُ بِهِ انْتِمَاؤُهُ لِلسُّنَّةِ، أَوْ بُعْدُهُ عَنْهَا.
وَقَدْ تَعَدَّدَتْ مَقَالَاتُ أَهْلِ الزَّيْغِ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ الثَّابِتَةِ للهِ ﷾، تَبَعًا لِفَسَادِ أُصُولِ المُتَكَلِّمِينَ بِهَا، حَتَّى إِنَّ العَلَّامَةَ ابْنَ القَيِّمِ ﵀ عَدَّ فِيهَا ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ (^٢)، وَزَادَ ابْنُ أَبِي العِزِّ شَارِحُ الطَّحَاوِيَّةِ ﵀ عَلَيْهِ قَوْلًا، فَبَلَغَ بِهَا تِسْعَةَ أَقْوَالٍ (^٣).
وَاشْتَهَرَ الخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ، وَبَيْنَ الجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مِنْ جِهَةٍ؛ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الكُلَّابِيَّةِ وَالأَشَاعِرَةِ مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ.
فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كَلَامُ اللهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ، وَكَلَامُهُ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ مَسْمُوعٍ، وَهُوَ يَتَفَاضَلُ
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤).
(٢) مختصر الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٠٢ - ١٣١٤).
(٣) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (١/ ١٧٢ - ١٧٤).
[ ١ / ١٥٨ ]
وَيَتَبَعَّضُ وَيَتَجَزَّأُ.
وَالجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: كَلَامُ اللهِ مُخْلُوقٌ فِي غَيْرِهِ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي المُتَكَلِّمِ بِهِ؟ هَلْ هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَمْ غَيْرُهُ؟.
وَقَالَ أَهْلُ الكَلَامِ مِنَ الكُلَّابِيَّةِ وَالأَشْعَرِيَّةِ: كَلَامُ اللهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَلَا إِرَادَتِهِ، وَأَنَّه لَا يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَأَنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ وَالأَصْوَاتَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِهِ - كَمَا يَقُولُهُ الأَشَاعِرَةُ - وَهِيَ حِكَايَةٌ عَنْهُ - كَمَا يَقُولُهُ الكُلَّابِيَّةُ - وَأَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ، لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَجَزَّأُ، وَلَا يَتَفَاضَلُ، وَابْتَدَعُوا بِدْعَةَ الكَلَامِ النَّفْسِيِّ!! (^١).
وَلَيْسَ الْغَرَضِ هُنَا الرَّدُّ عَلَى أَصْحَابِ هَذِهِ المَقَالَاتِ، وَلَا الاسْتِرْسَالُ فِي ذِكْرِ شُبَهِهَا، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ بَيَانُ تَقْرِيرِ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ ﵀ لِهَذِهِ الصِّفَةِ - وَلَوْ إِجْمَالًا - حَسَبَ طَبِيعَةِ شَرْحِهِ لِأَحَادِيثِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ الَّتِي تَوخَّى فِيهَا الاخْتِصَارَ، مَعَ بَيَانِ مُوَافَقَتِهِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِيهَا.
فَقَدْ أَفْصَحَ ﵀ عَنْ هَذَا عِنْدَ شَرْحِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: (إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ …) الحَدِيثَ (^٢).
قَالَ ﵀: "وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ كَلَامَ اللهِ قَوْلٌ يُسْمَعُ" (^٣).
_________________
(١) ينظر: مختصر الصواعق لابن القيم (٤/ ١٣٠٢ فما بعدها) شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٧٢ - ١٧٤).
(٢) حديث (رقم: ٤٧٠١).
(٣) (٤/ ٥٨٦) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٥٩ ]
وَقَوْلُهُ هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَرَّرَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ القَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، وَحُكِي فِيهِ الإِجْمَاعُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ نُقِلَ تَصْرِيحًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ تِلْمِيذِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَالبُخَارِيَّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي نَصْرٍ السِّجْزِيِّ، وَشَيْخِ الإِسْلَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الهَرَوِيِّ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ ﵏ جَمِيعًا (^١).
فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى: "رُوِيَ فِي إِثْبَاتِ الحَرْفِ وَالصَّوْتِ أَحَادِيثُ تَزِيدُ عَنْ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا؛ بَعْضُهَا صِحَاحٌ، وَبَعْضُهَا حِسَانٌ" (^٢).
وَهَذَا الإِمَامُ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ قَالَ: "سَأَلْتُ أَبِي ﵀ عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ: لَمَّا كَلَّمَ اللهُ ﷿ مُوسَى لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ فَقَالَ: بَلَى، إِنَّ رَبَّكَ ﷿ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ، هَذِهِ الأَحَادِيثُ نَرْوِيهَا كَمَا جَاءَتْ" (^٣).
وَقَالَ البُخَارِيُّ ﵀: "وَإِنَّ الله ﷿ يُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ ومَنْ قَرُبَ، فَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ اللهِ ﷿ ذِكْرُهُ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ صَوْتَ اللهِ لَا يُشْبِهُ وأَصْوَاتَ الخَلْقِ، لأَنَّ صَوْتَ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ يُسْمَعُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يُسْمَعُ مِنْ قُرْبٍ، وَأَنَّ المَلَائِكَةَ يُصْعَقُونَ مِنْ صَوْتِهِ … " (^٤).
وَحَكَى السِّجْزِيُّ إِجْمَاعَ الأُمَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللهِ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ قَبْلَ ظُهُورِ
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٨٩ - ١٣٩٣).
(٢) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، أحمد بن عيسى (١/ ٢٢٩).
(٣) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٢٨٠).
(٤) خلق أفعال العباد، للبخاري (ص: ٩٨).
[ ١ / ١٦٠ ]
ابن كُلَّابٍ وَمَنْ تَبِعَهُ، فَقَالَ ﵀: "اعْلَمُوا - أَرْشَدَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خِلَافٌ بَيْنَ الخَلْقِ، عَلَى اخْتِلَافِ نِحَلِهِمْ مِنْ أَوَّلِ الزَّمَانِ إِلَى الوَقْتِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ ابْنُ كُلَّابٍ، وَالقَلَانِسِيُّ، وَالأَشْعَرِيُّ، وَأَقْرَانُهُمُ الَّذِينَ يَتَظَاهَرُونَ بِالرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُمْ مَعَهُمْ، بَلْ أَخَسُّ حَالًا مِنْهُمْ فِي البَاطِنِ! مِنْ أَنَّ الكَلَامَ لَا يَكُونُ إِلَّا حَرْفًا وَصَوْتًا، ذَا تَأْلِيفٍ وَاتِّسَاقٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِهِ اللُّغَاتُ، … " إِلَى أَنْ قَالَ: "فَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ بَيْنَ العُقَلَاءِ عَلَى كَوْنِ الكَلَامِ حَرْفًا وَصَوْتًا" (^١).
* * *