عِلْمُ الحَدِيثِ هُوَ الفَنُّ الَّذِي بَرَعَ فِيهِ إِمَامُنَا التَّيْمِيُّ ﵀، وَذَاعَ صِيتُهُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ حَلَّاهُ مُتَرْجِمُوهُ بِمَا يَشْهَدُ لَهُ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّمَيُّزِ فِيهِ، فَهُوَ عِنْدَهُمُ الحَافِظُ الْمُحَدِّثُ كَمَا سَبَقَ فِي شَهَادَاتِ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُ كَلَامَهُمْ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
وَبَدَهِيٌّ أَنَّ هَذِهِ الأَلْقَابَ العَزِيزَةَ لَا تُطْلَقُ فِي عُرْفِ العُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ جُزَافًا،
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٠٥).
(٢) المصدر السابق (ص: ١٢٢ - ١٢٣).
(٣) ينظر مثلا (ص: ٦٢ - ٦٣ و٦٤ و٧٣) من المصدر السابق.
(٤) ينظر مثلا (ص: ٨٨٥ - ٨٨٦) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٢٠ ]
وَإِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ حَصَّلَ الرِّوَايَاتِ وَالأَسَانِيدَ، وَمَهَرَ فِي شِقّي الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَصَارَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِطَبَقَاتِ الرُّوَاةِ، وَخِبْرَةٌ بِمَرَاتِبِهِمْ جَرْحًا وَتَعْدِيلًا، حَتَّى تَكُونَ لَهُ مَلَكَةٌ تُؤَهِّلُهُ لِأَنْ يُذْكَرَ فِي صُفُوفِ الْمُحَدِّثِينَ الْمَهَرَةِ، وَالحُفَّاظِ النَّقَدَةِ.
وَيَدُلُّ لِشَغَفِهِ ﵀ بِكُتُبِ السُّنَّةِ، وَحِرْصِهِ عَلَى قِرَاءَتِهَا مَا نَقَلُهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ عَنْ تِلْمِيذِهِ السَّمْعَانِيِّ ﵀ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ التَّيْمِيَّ الحَافِظَ يَقُولُ: قَرَأْتُ المَسَانِيدَ كَـ (مُسْنَدِ العَدَنِيِّ)، وَ(مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ)، وَهِيَ كَالأَنْهَارِ، وَ(مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى) كَالْبَحْرِ يَكُونُ مُجْتَمَعَ الأَنْهَارِ" (^١).
وَعَلَّقَ الذَّهَبِيُّ ﵀ عَلَى هَذِهِ الحِكَايَةِ بِمَا يُوافِقُ قَوْلَ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ، فَقَالَ: "قُلْتُ: صَدَقَ، وَلَا سِيَمَا (مُسْنَدُهُ) الَّذِي عِنْدَ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُقْرِئ عَنْهُ، فَإِنَّهُ كَبِيرٌ جِدًّا، بِخِلَافِ (الْمُسْنَدِ) الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَمْرِو بن حَمْدَانَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مُخْتَصَرٌ" (^٢).
كَمَا كَانَ ﵀ حَرِيصًا عَلَى تَحْصِيلِ الكُتُبِ الْمُؤَلِّفَةِ فِي عُلُومِ الحَدِيثِ وَقَوَانِين الرِّوَايَةِ، وَجَلَسَ لإِقْرَائِهَا وَتَسْمِيعِهَا، فَقَدْ ذَكَرَ الإِمَامُ ابْنُ نُقْطَة فِي تَرْجَمَةِ أَسْعَدَ بن أَبِي الفَضَائِلِ مُحَمَّدٍ العِجْلِيُّ أَنَّهُ "سَمِعَ مَعْرِفَةَ عُلُومِ الحَدِيثِ لِلْحَاكِمِ مِنْ أَبِي القَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ" (^٣).
وَحَكَى الذَّهَبِيُّ نَظِيرَ هَذِهِ الحِكَايَةِ عَنْ تِلْمِيذِهِ الحَافِظِ أَبِي مُوسَى المَدِينِي،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٨٠)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٢٠٠).
(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٨٠).
(٣) التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد (ص: ٢١٤)
[ ١ / ١٢١ ]
فَقَالَ: "وَحَفِظَ (عُلُومَ الحَدِيثِ) لِلْحَاكِمِ، وَعَرَضَهُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ التَّيْمِيِّ" (^١).
وَسَيَأْتِي عِنْدَ الحَدِيثِ عَنْ مَنْهَجٍ قِوَامِ السُّنَّةِ ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح مَزِيدُ أَمْيْلَةٍ تُؤَكِّدُ مُشَارَكَتَهُ فِي عُلُومِ الحَدِيثِ؛ فَقَدِ اسْتَرْسَلَ فِي الكَلَامِ عَنْ بَعْضِ الْمَبَاحِثِ الْمُهِمَّةِ، كَتَفْصِيلِ القَوْلِ فِي طُرُقِ التَّحَمُّلِ، وَرِوَايَةِ الحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَبَيَانِ حُكْم زِيَادَةِ الثِّقَةِ، وَالعِنَايَةِ بِبَيانِ الْمُدْرَجَاتِ فِي مُتُونِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ القَضَايَا.