ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ اخْتِلَافَ العُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، فَقَالَ: "لِلنَّاسِ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ خِلَافٌ، وَعَامَّةُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: هُمْ فِي الآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (^٢)، هُمْ أَطْفَالُ الكُفَّارِ، وَقَالُوا: إِنَّ اسْمَ الوِلْدَانِ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِلَادَةِ، وَلَا وِلَادَةَ فِي الجَنَّةِ، فَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَالَتْهُمُ الوِلَادَةُ في الدُّنْيَا" (^٣).
وَهَذَانِ القَوْلَانِ اللَّذَانِ حَكَاهُمَا الإِمَامُ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ ﵀ مِنْ جُمْلَةِ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَثَمَّةَ أَقْوَالٌ أُخْرَى لَهُمْ فِيهَا حَكَاهَا الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ في تَفْسِيرِهِ بِقَوْلِهِ:
"فَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّوَقُّفِ فِيهِمْ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ لَهُمْ بِالجَنَّةِ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّهُ ﵇ قَالَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ الْمَنَامِ حِينَ مَرَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَحَوْلَهُ وِلْدَانٌ، فَقَالَ لَهُ
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٧)، وينظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٩٦)، وتهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٨٣)، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٩١).
(٢) سورة الإنسان، الآية: (١٩).
(٣) ينظر: (٥/ ٣٩٣ - ٣٩٤) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٨٤ ]
جِبْرِيلُ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَهُوَلَاءِ أَوْلَادُ المُسْلِمِينَ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ).
وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ لَهُمْ بِالنَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي العَرَصَاتِ، فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِمْ بِسَابِقِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ دَاخِرًا، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللهِ فِيهِ بِسَابِقِ الشَّقَاوَةِ.
وَهَذَا القَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُتَعَاضِدَةُ الشَّاهِدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَهَذَا القَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ ﵀ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الاعْتِقَادِ"، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي العُلَمَاءِ، وَالحُفَّاظِ النُّقَّادِ" (^١).
وحَكَى الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمَسْأَلَةِ: قَوْلٌ بِأَنَّهُمْ فِي النَّارِ، وَقَوْلٌ ثَانٍ بِالتَّوَقُفِ فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: "وَالثَّالِثُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ" (^٢).
وَلَمْ يَجْزِمْ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلٍ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى إِيرَادِ قَوْلَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ مَقَالَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيهَا.
_________________
(١) ينظر: تفسير الحافظ ابن كثير (٥/ ٥٧ - ٥٨). وما حكاه عن الأشعري مُثْبتٌ في كتابه الإبانة (ص: ٣٤)، وينظر أيضا: الاعتقاد للبيهقي (ص: ١٩٦)، التَّمْهِيد لابنِ عبد البَرِّ (١٨/ ١١٦) فما بعدها، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٣١١ - ٣١٣).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٨).
[ ١ / ١٨٥ ]
لَكِنَّهُ اخْتَارَ فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: أَنَّ صِبْيَانَ الكُفَّارِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ (^١).
وَالقَضِيَّةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الاِعْتِقَادِ، وَالخِلافُ فِيهَا شَدِيدٌ، وَالَّذِي تَعْضُدُهُ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ وَنُصُوصُهَا العَامَّةُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ أَخِيرًا، وَنَسَبَهُ إِلَى جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ الإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَمَّنْ لَمْ تَبْلُغُهُ الحُجَّةُ، وَلَمْ تَصِلْهُ طَرِيقُ الْمَحَجَّةِ، وَرَبُّنَا سُبْحَانَهُ عَدْلٌ كَرِيمٌ، لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْهُ.
وصَحَّ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﵁ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ الرُّؤْيَا: (وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ) (^٢).
قَالَ العَلَّامَةُ ابن القَيِّمِ ﵀: "فَهَذَا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُم فِي الجَنَّةِ، وَرُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ" (^٣).