احْتَفَى الْمُحَدِّثُونَ بِعُلُومِ العَرَبِيَّةِ: نَحْوًا، وَصَرْفًا، وَبَلَاغَةٌ، وَأَدَبًا، وَشِعْرًا، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ: عِنَايَتُهُمْ بِاسْتِعْمَالِ العَرَبِ الْمُتَّبَعِ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُحَادَثَاتِهِمْ فِي مَنْثُورِ كَلَامِهِمْ وَشِعْرِهِمْ؛ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ العَرَبِيَّةِ، وَمَعْرِفَتَهَا سَبِيلٌ لِضَبْطِ السُّنَّةِ وَحِفْظِهَا مِنْ كُلِّ أَشْكَالِ الضَّيَاع، وَلَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ قَصَصٌ مَشْهُورَةٌ، وَأَحْدَاثٌ مَعْلُومَةٌ، عَكْسَ مَا يُرَوِّجُ لَهُ البَعْضُ مِنْ عَدَمِ اهْتِمَامِ أَهْلِ الحَدِيثِ بِعُلُومِ العَرَبِيَّةِ.
وَيَكْفِي الرُّجُوعُ إِلَى كُتُبِ عُلُومِ الحَدِيثِ لاسْتِجْلَاءِ هَذَا الاهْتِمَامِ، وَمَعْرِفَةِ حَجْمِ هَذَا الاحْتِفَاءِ؛ فَقَدْ عَقَدَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ ﵀ مَثَلًا بَابًا فِي كِتَابِهِ: الجَامِعُ لأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِع سَمَّاهُ: "التَّرْغِيبُ فِي تَعَلُّم النَّحْوِ وَالعَرَبِيَّةِ لِأَدَاءِ الحَدِيثِ بِالعِبَارَةِ السَّوِيَّةِ" (^٢)، أَوْرَدَ فِيهِ ﵀ كَثِيرًا مِنَ الْأَخْبَارِ الشَّاهِدَةِ عَلَى
_________________
(١) التحرير شرح صحيح مسلم (ص: ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٤).
[ ١ / ٢٢٠ ]
عِنَايَتِهِمْ بِهَا، وَاشْتِرَاطِهِمُ الْمَعْرِفَةَ بِهَا قَبْلَ طَلَبِ الحَدِيثِ، لِأَنَّهَا عَاصِمَةٌ مِنَ الزَّلَلِ فِي فَهْمِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَقْلِهَا وَرِوَايَتِهَا.
وَكَانَ إِمَامُنَا قِوامُ السُّنَّةِ ﵀، عَالِمًا بِالعَرَبِيَّةِ وَعُلُومِهَا، مُجْتَهِدًا فِي تَحْصِيلِ فُنُونِهَا، حَتَّى بَزَّ أَقْرَانَهُ، وَظَهَرَ فَضْلُهُ فِي مَعْرِفَتِهَا كَمَا تَزْخَرُ بِهَا شَهَادَاتُهُمْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُسْتَغْرَبٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي "إِعْرَابِ القُرْآنِ"، وَلَهَجَ العُلَمَاءُ بَعْدَهُ بِنَقْلِ كَلَامِهِ فِي تَفْسِيرِ غَرِيبِ الحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، بَلْ إِنَّهُ ﵀ مُتَرْجَمٌ فِي كُتُب اللُّغَوِيِّينَ، مَعْدُودٌ فِي طَبَقاتِ النُّحَاةِ (^١).
وَهَكَذَا؛ فَقَدْ وَصَفُوهُ ﵀ بِأَنَّهُ: "كَانَ يُجِيدُ النَّحْوَ، وَلَهُ فِي النَّحْوِ يَدٌ بَيْضَاءُ" (^٢)، وَشَهِدُوا لَهُ بِالإِمَامَةِ فِي اللُّغَةِ (^٣)، وَأَثْنَوا عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِالأَدَبِ (^٤)، وَأَشَادُوا بِعِلْمِهِ بِالبَلَاغَةِ (^٥).
ومِنْ شَوَاهِدِ اهْتِمَامِهِ بِإِبْرَازِ بَعْضِ القَضَايَا الصَّرْفِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، يَقُولُ ﵀: "قَالَ أَهْلُ النَّحْوِ: الجَمْعُ جَمْعَانِ: قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ.
وَالْقَلِيلُ: مَا دُونَ العَشَرَةِ، وَالْكَثِيرُ: مَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ، وَسُمِّيَ الأَوَّلُ الجَمْعَ القَلِيلَ، وَيُسَمَّى أَدْنَى الْعَدَدِ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ: أَفْعُل كَأَوْسُقٍ فِي جَمْعَ وَسَق،
_________________
(١) بُغْيَة الوُعَاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (١/ ٤٥٥).
(٢) تاريخ الإسلام للذهبي (١١/ ٦٢٦).
(٣) السير للذهبي (٢٠/ ٨٥)، البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٢٨)، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٥/ ٢٦٧).
(٤) اللباب لابن الأثير (١/ ٣٠٩)، الوافي بالوفيات للصفدي (٩/ ٢٠٩)
(٥) التدوين في أخبار قزوين (٢/ ٣٠٢).
[ ١ / ٢٢١ ]
وَأَفْعَال كَأَوْسَاق، وَأَفْعِلَةٌ كَأَجْرِبَةٍ فِي جَمْع جَرِيبٍ، وَفِعْلَةٍ كَصِبْيَةٍ فِي جَمْعِ صَبِيِّ.
فَأَمَّا أَفْعُلٌ وَأَفْعَالٌ فَالثُّلَاثِي، وَأَفْعِلَةٌ وَفِعْلَةٌ لِمَا زَادَ عَلَى الثُّلاثِي، وَلَيْسَ فِي أَدْنَى العَدَدِ أَخَفُّ مِنْ أَفْعُل، فجُعل (^١) ذَلِكَ لِجَمْع فَعْلٍ؛ لأَنَّ فَعْلًا أَخَفُّ الأَبْنِيَةِ الثُّلَاثِيَّةِ، وَجُعِلَ أَفْعَال لِسَائِرِ الأَبْنِيَةِ الثُّلاثِيَّةِ، وَأَفْعِلَةٌ وَفِعْلَةٌ ثَقِيلَان؛ لِمَكَانِ حَرْفِ التَّأْنِيثِ فِيهِمَا، فَجُعِلَا لِمَا زَادَ عَلَى الثُّلاثِي" (^٢).
وَالحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ أَهْلَتِ الإِمَامَ قِوَامَ السُّنَّةِ ﵀ لِحُسْنِ شَرْحِ الحَدِيثِ، فَتَرَاهُ يُدْلِي بِدَلْوِهِ فِي إِعْرَابِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَيَسْتَعِينُ بِهَا فِي جَلَاءِ الْمُرَادِ، وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَ الوُجُوهِ وَالرَّوَايَاتِ، وَلَمْ يُخْلِ شَرْحَهُ هَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضٍ القَضَايَا النَّحْوِيَّةِ، مَعَ الاِسْتِعَانَةِ بِنَقْل كَلَامِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الْمُبَرَّزِينَ (^٣).
أَمَّا الشَّعْرُ العَرَبِيُّ فَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ إِمَامُنَا قِوَامُ السُّنَّةِ بِحَظٍّ وَافِرٍ؛ وَاعْتَنَى بِهِ عِنَايَةً فَائِقَةً، وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ، فَقَدِ اشْتَهَرَ أَنَّ الشِّعْرَ دِيوَانُ العَرَبِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَعْرِفَةِ اللِّسَانِ العَرَبِيِّ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ عَنِ الْمُرَادِ إِلَّا بِالجَهْلِ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ، وَرَحِمَ اللهُ الإِمَامَ الْمُطَّلِبِيَّ مُحَمَّدَ بنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ إِذْ يَقُولُ: "لَا يَعْلَمُ مِنْ إِيضَاحِ جُمَلِ عِلْمِ الكِتَابِ أَحَدٌ، جَهِلَ سَعَةَ لِسَانِ العَرَبِ، وَكَثْرَةَ وُجُوهِهِ، وَجِمَاعَ مَعَانِيهِ، وَتَفَرُّقَهَا، وَمَنْ عَلِمَهُ انْتَفَتْ عَنْهُ الشُّبَهُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى مَنْ جَهِلَ لِسَانَهَا" (^٤).
_________________
(١) في مخطوط التحرير: (فجمع)، وهو تصحيف من الناسخ، والصواب ما أثبته.
(٢) التحرير (ص: ١١٧).
(٣) ينظر ما كتبته في الباب الثاني.
(٤) الرسالة (ص: ٥٠)
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَتَنَوَّعَتْ مَوَارِدُ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ ﵀ الشِّعْرِيَّةُ، فَنَقَلَ عَنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ الْمُحْتَجِّ بِهِمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ، وَسَمَّى طَائِفَةً مِنْهُمْ كَالنَّابِغَةِ، وَالْأَعْشَى، وَأَبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ، وَلَبِيدٍ، وَحُمَيْدِ بن ثَوْرٍ، وَزُهَيْرٍ، وَالرَّاعِي، وَقَيْسِ الرُّقَيَّاتِ، وَقَيْسِ بن الخَطِيمِ، وَالنَّمِرِ بن تَوْلَبٍ، وَالحُطَيْئَةِ، وَذِي الرُّمَّةِ، وَجَرِيرٍ، وَالفَرَزْدَقِ، وَعَلْقَمَةَ الفَحْلِ، وَطَرَفَةَ بن العَبْدِ، وَحَسَّانَ بن ثَابِتٍ ﵁، وَغَيْرِهِمْ كَثِيرٌ كَثِيرٌ.
وَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ نَاقِلِ لِمَا فِي دَوَاوِينِهِمْ، بَلْ كَانَ حَافِظًا لَهُ، مُسْتَحْضِرًا مَحَلَّ الشَّاهِدِ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ يَسْتَرْسِلُ ﵀ فِي مَوَاطِنَ فِي شَرْحِ الشَّوَاهِدِ الَّتِي يُورِدُهَا.
وَتَكْفِي نَظْرَةٌ سَرِيعَةٌ فِي فِهْرِسِ الأَبْيَاتِ الشِّعْرِيَّةِ فِي آخِرِ هَذَا الكِتَابِ لِيُدْرِكَ القَارِئُ عُلُوَّ كَعْبِهِ فِيهِ، وَكَثْرَةَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ.
[ ١ / ٢٢٣ ]