يُعَدُّ الإِمَامُ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀ أَحَدَ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ الْمُبَرَّزِينَ، فَقَدْ أَفْنَى صِبَاهُ فِي تَحْصِيلِ عِلْمِ الْفِقْهِ، وَكَانَ تَفَقُّهُهُ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ الْمُطَّلِبِيّ الشَّافِعِيُّ ﵀ الَّذِي كَانَ سَائِدًا بِبِلَادِهِ آنَذَاكَ، وَلِذَا ذَكَرَهُ الْمُتَرْجِمُونَ فِي طَبَقَاتِ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا مَرَّ، بَلْ عَدُّوهُ أَحَدَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ (^١)، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْحَلْ إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ الإِمَامِ الْمُبَجَّلِ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ ﵀ أَفْضَلُ مِنْهُ (^٢).
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ لِتَمَيُّزِهِ فِي عِلْمِ الفِقْهِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ أَنَّهُ ﵀ كَانَ مُفْتِيًا بِبِلَادِ نَيْسَابُورَ سِنِينَ - وَنَاهِيكَ بِهَذَا الشَّرَفِ البَاذِخِ، وَالْمَجْدِ الرَّاسِخِ - وَهَذَا تِلْمِيذُهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ ﵀ يَشْهَدُ لَهُ بِالنُّبُوغ فِي الفِقْهِ، فَيَقُولُ: "وَأَمَّا عِلْمُ الفِقْهِ؛ فَقَدْ شَهْرَ فَتَاوِيهِ فِي البِلَادِ وَالرَّسَاتِيقِ، بِحَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ فَتَاوِيهِ فِي المَذْهَبِ" (^٣).
_________________
(١) طبقات الفقهاء الشافعيين (٢/ ٥٩١).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٢).
(٣) لسان الميزان (٥/ ١٨٥).
[ ١ / ٢١٠ ]
وَالْمُتَأَمِّلُ فِيمَا سَطَّرَهُ يَرَاعُ هَذَا الإِمَامِ مِنَ الْمَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ الَّتِي ضَمَّنَهَا شَرْحَهُ لأَحَادِيثِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ ﵀ يَقِفُ أَمَامَ حَقِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّهُ ﵀ حَازَ قَصَبَ السَّبْقِ فِي عِلْمِ الفِقْهِ، يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ إِحَاطَتِهِ بِعِلْمِ الخِلَافِ الَّذِي جَعَلَهُ العُلَمَاءُ شَرْطًا لِلتَّصَدُّرِ لِلْفُتْيَا كَمَا قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ (ت: ١١٤ هـ) ﵀: "لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ النَّاسَ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ رَدَّ مِنَ العِلْمِ مَا هُوَ أَوْثَقُ مِنَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ" (^١).
وَيُعَلِّلُ الإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ (ت: ٧٩٠ هـ) ﵀ لِهَذَا بِقَوْلِهِ: "وَبِإِحْكَامِ النَّظَرِ فِي هَذَا المَعْنَى يَتَرَشَّحُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَبْلُغَ دَرَجَةَ الاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَصِيرًا بِمَوَاضِعِ الاخْتِلَافِ، جَدِيرًا بِأَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ تَعْرِضُ لَهُ" (^٢).
كَمَا أَبَانَ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀ عَنْ مَوَاطِنِ الإِجْمَاعِ الَّتِي نَقَلَ فِيهَا اتِّفَاقَ الفُقَهَاءِ، كَيْلَا يَقَعَ اجْتِهَادُهُ شَاذًا، مُجَانِبًا لِمَا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ، وَكَشَفَ فِي شَرْحِهِ هَذَا عَنِ اطِّلَاعِ وَاسِعٌ عَلَى مَذَاهِبِ الأَقْدَمِينَ، وَالعِلْمِ بِأَقْوالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ الأَخْيَارِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ، مَعَ الإِشَارَةِ إِلَى مَدَارِكِهَا الغِزَارِ، وَاسْتِنْبَاطِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الفَوَائِدِ وَالنُّكَتِ النِّضَارِ.
وَلَمْ يَكْتَفِ ﵀ بِمُجَرَّدِ حِكَايَةِ أَقْوَالِهِمْ وَعَرْضِهَا، بَلْ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَوْجِيهِهَا وَمُنَاقَشَتِهَا، مُعْمِلًا فِي ذَلِكَ قَوَاعِدَ عِلْم الأُصُولِ، وَالْمُزَاوَجَةِ بَيْنَ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، وَاسْتَطَاعَ بِمَا وَهَبَه اللهُ تَعَالَى مِنْ سَعَةِ العِلْمِ وَكَفْرَةِ الْمَدَارِكِ
_________________
(١) أسنده عنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٤٦)، وذَكَرَ آثَارًا أُخْرَى تُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنى.
(٢) الموافقات (٥/ ١٢١).
[ ١ / ٢١١ ]
أَنْ يُوَظِّفُهَا فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ، وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الآرَاءِ عِنْدَ الاخْتِلَافِ، سَالِكًا فِي ذَلِكَ طَرِيقَ الإِنْصَافِ، مُجَانِبًا لِلتَّعَصُّبِ وَالاعْتِسَافِ.
وَكَانَ ﵀ يُدْلِي بِدَلْوِهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، فَلَا تَرَاهُ يُحْجِمُ عَنْ تَأْكِيدِ اخْتِيَارَاتِهِ، وَتَقْدِيمِ قَنَاعَاتِهِ؛ شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ شَأْنُ العَالِمِ الْوَاثِقِ مِنْ سَدَادِ آرَائِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَصِّبًا لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي نَشَأَ عَلَيْهِ؛ بَلْ كَانَ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ حَيْثُ دَارَ كَمَا سَتَأْتِي الإِشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ الحَدِيثِ عَنْ مَنْهَجِهِ فِي كِتَابِهِ.
وَيَكْفِي لِبَيَانِ مُشَارَكَتِهِ فِي عِلْمٍ أُصُولِ الفِقْهِ، وَالتَّأْكِيدِ عَلَى قُوَّةِ عَارِضَتِهِ فِيهِ، بَحْثٌ نَفِيسٌ ذَكَرَهُ ﵀ فِي أَوَّلِ كِتَابِ البُيُوعِ فِي شَرْحِهِ لِأَحَادِيثِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ عِنْدَ كَلَامِهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^١)، فَقَدِ اسْتَطْرَدَ ﵀ فِي بَيَانِ مَا تَضَمَّنَتُهُ الآيَةُ مِنْ مَبَاحِثِ عِلْمِ الأُصُولِ.
وَفِيمَا يَلِي نَصُّ ذَلِكَ البَحْثِ أَسُوقُهُ - عَلَى طُولِهِ - لِأَهَمِّيتِهِ فِي تَقْرِيرِ تَمَكُّنِ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ ﵀ مِنْ قَضَايَا الدَّرْسِ الأُصُولِيِّ، قَالَ ﵀: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢)، فَنَهَى عَنْ أَكْلِ المَالِ بِالبَاطِلِ وَاسْتَثْنَى التَّجَارَةَ، فَثَبَتَ جَوَازُهَا.
وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ مَا لَيْسَ بِغَرَرٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^٣) أَحَلَّ كُلَّ بَيْعٍ تَبَايَعَهُ المُتَبَايِعَانِ جَائِزَا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (٢٧٥).
(٢) سورة النساء، الآية: (٢٩).
(٣) سورة البقرة، الآية: (٢٧٥)
[ ١ / ٢١٢ ]
الْأَمْرِ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: أَحَلَّ كُلَّ بَيْعٍ مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ[الْمُبَيِّنُ عَنِ اللهِ] تَعَالَى مَا أَرَادَ، فَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي أَكَّدَّ اللهُ فَرْضَهُ فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَ كَيْفِيَتَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَوْ يَكُونُ مِنَ العَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: وَأَيُّ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَلْزَمَ اللهُ خَلْقَهُ طَاعَةَ نَبِيِّهِ ﷺ، فَمَنْ قَبِلَ مِنْهُ فَمِنَ اللهِ قَبِلَ، فَلَمَّا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بُيُوعٍ تَرَاضَى بِهَا الْمُتَبَايِعَانِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ كُلَّ بَيْعٍ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، أَوْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
فَالآيَةٌ تَحْتَمِلُ خَمْسَةَ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: العُمُومُ.
وَالثَّانِي: الإِجْمَالُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا تَحْتَمِلُ الإِجْمَالَ، وَتَحْتَمِلُ العُمُومَ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
وَالخَامِسُ: أَنَّهُ أَبَاحَ كُلَّ بَيْعٍ إِلَّا مَا سَيُحَرِّمُهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي [التَّالِي] (^١).
فَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فَدَخَلَ عَلَى جَوَازِ كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّ الله تَعَالَى أَبَاحَ الْبَيْعَ، وَذَكَرَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تَدْخُلَانِ فِي الْكَلِمَةِ إِمَّا لِلْجِنْسِ، أَوْ لِلْعَهْدِ، وَلَا مَعْهُودَ دَخَلَتِ الْأَلِفُ
_________________
(١) في المخطوط: (الثاني)، ولعَلَّ الْمُثبَتَ هُو الصَّوابُ المَوَافِق لِسِيَاق الكَلام.
[ ١ / ٢١٣ ]
وَاللَّام لأَجْلِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا جِنْسُ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الجِنْسَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ العَهْدُ، وَالعَهْدُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الجِنْسُ.
أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا أَنَّ هَذَا أَظْهَرُ الْمَعَانِي مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالصِّيغَةُ، لِأَنَّ صِيغَةَ اللَّفْظِ صِيغَةُ الْعُمُومِ وَاسْتِغْرَاقُ الْجِنْسِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا اخْتِيَارًا لِهَذَا القِسْمِ.
وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي: فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ، وَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي أَكَّدَ اللهُ فَرْضَهَا فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَ كَيْفِيَتَهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى إِجْمَالِهَا: تَعَارُضُ اللَّفْظِ فِي الآيَةِ، وَتَعَارُضُ الآيَةِ لِلسُّنَّةِ؛ فَأَمَّا التَّعَارُضُ فِي الآيَةِ، فَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^١)، وَهَذَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ كُلِّ بَيْعٍ سَوَاءً كَانَ البَدَلَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ مُتَفَاضِلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٢)، وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْبَيْعِ عِنْدَ تَفَاضُلِ الْعِوَضَيْنِ، فَتَعَارَضَ اللَّفْظَانِ، وَاحْتَاجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى بَيَانٍ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى العُمُومِ، لأَنَّا نُحِلُّ بُيُوعًا يَتَفَاضَلُ فِيهَا الْبَدَلَانِ، وَنُحَرِّمُ بُيُوعًا يَتَسَاوَى فِيهَا الْبَدَلَانِ.
وَأَمَّا مُعَارَضَةُ الآيَةِ لِلسُّنَّةِ، فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ بُيُوعًا مِثْلَ بُيُوعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ وَرَدَتِ الآيَةُ بِإِبَاحَةِ كُلِّ بَيْعٍ؛ فَحَصَلَتْ مُعَارَضَةُ الْآيَةِ لِلسُّنَّةِ، فَاحْتَاجَ أَنْ تُبَيَّنَ البُيُوعُ الَّتِي اقْتَضَتِ الآيَةُ إِبَاحَتَهَا مِنَ الْبُيُوعِ الَّتِي حَرَّمَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَتُخَصَّ مِنْهَا.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (٢٧٥).
(٢) سورة البقرة، الآية: (٢٧٥).
[ ١ / ٢١٤ ]
وَالشَّافِعِيُّ يُسَمِّي مَا كَانَ مِنْ هَذَا الجِنْسِ: الآيَةَ الْمُرَاقِبَةَ عَلَى السُنَّةِ.
وَأَمَّا الاحْتِمَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَامًّا أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَرِدَ لَفْظٌ عَامٌّ، وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ.
وَهَلْ هَذَا مُجْمَلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ؟ أَوْ مُجْمَلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى؟ وَهَذَا أَشْبَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُجْمَلٌ هُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَاحْتَاجَ إِلَى بَيَانٍ كَانَ مُجْمَلًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^١)، لأَنَّ الْمُجْمَلَ مَا لَوْ خُلِّينَا وَظَاهِرَهُ أَمْكَنَ التَّعْلِيقُ بِهِ.
وَقِيلَ: الْمُجْمَلُ: مَا احْتَاجَ إِلَى بَيَانٍ لِيُعْلَمَ بِهِ اللَّفْظُ، وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ لِيُعْلَمَ بِهِ مَا لَمْ يُرَدْ بِهِ اللَّفْظُ يَكُونُ عَامًّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا.
وَأَمَّا الاحْتِمَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ الآيَةَ تَحَتِمِلُ الإِجْمَالَ، وَتَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
وَأَمَّا الخَامِسُ: فَذَكَرَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَاحَ كُلَّ بَيْعٍ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَصُورَةُ هَذَا أَنْ تَكُونَ الآيَةُ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً فِي الإِبَاحَةِ، وَلَكِنَّ المُرَادَ بِهِ إِبَاحَةُ كُلِّ بَيْعٍ إِلَّا مَا يَلْزَمُهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّانِي، فَيُخَصُّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَتِهَا" (^٢).
فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الكَلَامُ كَثِيرًا مِنْ قَضَايَا عِلْمٍ أُصُولِ الفِقْهِ، أُجْمِلُهَا فِي
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: (١٤١).
(٢) ينظر: (٤/ ٥٩ - ٦٢) من قسم التحقيق.
[ ١ / ٢١٥ ]
العَنَاصِرِ الآتية:
- احْتِجَاجُهُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
- تَأْكِيدُهُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ.
- تَمْثِيلُهُ لِبَعْضِ الصِّيَغِ الدَّالَّةِ عَلَى العُمُومِ.
- نَصُّهُ عَلَى افْتِقَارِ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ لِلْبَيَانِ.
- بَيَانُهُ صُورَةَ اللَّفْظِ العَامِّ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الخُصُوصُ.
- تَحْدِيدُهُ مَفْهُومَ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ.
- بَيَانُهُ الفَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظِ العَامِّ وَاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ (^١).
وَقَدْ أَظْهَرَ الإِمَامُ قُوَّةَ عَارِضَتِهِ الأُصُولِيَّةِ فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ، ﵀، وَكَانَتْ إِشَارَاتُهُ دَقِيقَةً، وَاخْتِيَارَاتُهُ مُقْتَضَبَةً، تَدُلُّ عَلَى مُشَارَكَتِهِ فِي هَذَا العِلْمِ الدَّقِيقِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَثَلًا: