الإِمَامُ قِوامُ السُّنَّةِ التَّيْمِيُّ ﵀ أَحَدُ الْمُحَدِّثِينَ النَّقَدَةِ؛ مِنْ صَيَارِفَةِ الصِّنَاعَةِ، وَفُرْسَانِ البَرَاعَةِ، وَهُوَ مِنْ جَهَابِذةِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِهِمْ" (^٢)، وَمَعْدُودٌ فِيمَنْ" أَمْلَى وَصَنَّفَ، وَتَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ" (^٣).
وَمِنْ شَوَاهِدِ اعْتِدَادِ العُلَمَاءِ بِكَلامِ الإِمَام قِوَامِ السُّنَّةِ ﵀ فِي التَّصْحِيحِ وَالتَّضْعِيفِ، وَالنَّقْدِ وَالتَّعْلِيلِ مَا نَقَلَهُ شَيْخُ الإِسْلَام ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ عَنْهُ فِي تَضْعِيفِهِ زِيَادَةَ: (نَزَلَ بِذَاتِهِ) فِي حَدِيثِ النُّزُولِ المَشْهُورِ، يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلَام ﵀: "وَرُوِيَ حَدِيثُ مَرْفُوعٌ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ بِشْرٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ عَرْشِهِ نَزَلَ بِذَاتِهِ) (^٤)، قُلْتُ: ضَعَّفَ أَبُو
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٥٥).
(٢) طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (٢/ ٥٩١).
(٣) تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ٥٠).
(٤) أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في ذكر أخبار أصبهان (٢/ ١٩٧) بنَفْسِ السَّنَدِ المذكور، لكن ليس=
[ ١ / ١٢٢ ]
القَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ التَّيْمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الحُفَّاظِ هَذَا اللَّفْظَ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي المَوْضُوعَاتِ، وَقَالَ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ: (يَنْزِلُ) مَعْنَاهُ صَحِيحٌ؛ أَنَا أُقِرُّ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ " (^١)
وَقَدْ حَكَى عَنْهُ هَذَا تِلْمِيذُهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ ﵀ فِي الجُزْءِ الَّذِي خَصَّصَهُ لِمَنَاقِبِ شَيْخِهِ قِوَامِ السُّنَّةِ فِيمَا نَقَلَهُ العَلَّامَةُ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ ﵀: "وَقَالَ الحَافِظُ أَبُو مُوسَى المَدِينِيُّ فِي مَنَاقِبِ الإِمَامِ أَبِي القَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ مُجَدِّدًا لِلدِّين فِي رَأْس المِائَةِ الخَامِسَةِ قَالَ: وَكَانَ مِنِ اعْتِقَادِ الإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ نُزُولَ اللهِ بِالذَّاتِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي مَذْهَبِهِ، وَقَدْ كَتَبَهُ فِي فَتَاوٍ عَدِيدَةٍ، وَأَمْلَى فِيهِ أَمَالِيَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِسْنَادُ حَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ إِسْنَادٌ مَدْخُولُ، وَفِيهِ مَقَالٌ" (^٢).
وَيَشْهَدُ لِمَعْرِفَتِهِ بِالحَدِيثِ إِنْكَارُهُ عَلَى الإِمَامِ الطَّبَرَانِيُّ (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀ فِي جَمْعِهِ لِلْأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَةِ الوَاهِيَة، مَعَ مَا يَلْزَمُ مِنْ إِيْرَادِهَا مِنَ الْمَعَانِي الفَاسِدَةِ، كَثَلْبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵀، يَقُولُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: "وَقَدْ عَابَ عَلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ التَّيْمِيُّ جَمْعَهُ الأَحَادِيثَ بِالإِفْرَادِ، مَعَ مَا فِيهَا مِنَ
_________________
(١) = فيه زيادة (بذاته)، وأورده القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٢٦٥) برقم (٢٦٣)، وعَزَاهُ لإبراهيم بن الجنيد الخُتَّلي في كتاب "العظمة". ولم أقف عليه في الموضوعات لابن الجوزي، لكن أورده ابن عَرَّاق في تنزيه الشريعة (١/ ١٤٧)، وابن القيم في مختصر الصواعق (٤/ ١١١١)، والذهبي في كتاب العرش (٢/ ٤٢٠)، وقال في "العلو للعلي الغفار" (ص: ٩١): "وَلَعَلَّ هَذَا مَوْضُوع".
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٤).
(٣) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٤/ ١١١٠).
[ ١ / ١٢٣ ]
النَّكَارَةِ الشَّدِيدَةِ، وَالمَوْضُوعَاتِ، وَفِي بَعْضِهَا القَدْحُ فِي كَثِيرٍ مِنَ القُدَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ" (^١).
وَكَانَ أَهْلُ العِلْمِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ صِحَّةِ الأَحَادِيثِ وَضَعْفِهَا، أَوْرَدَ الْمُحِبُّ الْمَقْدِسِي فِي كِتَابِهِ "صِفَاتُ رَبِّ العَالَمِينَ" بَعْضَهَا، فَمِنْ ذَلِكَ:
* قال ﵀: "وَقَدْ سُئِلَ أَبُو القَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ، فَقِيلَ لَهُ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله خَلَقَ جَوْهَرَةً، فَوَضَعَهَا عَلَى رَاحَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: امْتَدِّي" صَحِيحٌ هَذَا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: "لَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢).
* وقَالَ أَيْضًا: "وَفِي مَسَائِلَ سُئِلَ عَنهَا أَبُو القَاسِم إِسْمَاعِيلُ بنُ مُحَمَّدٍ التَّيمِي:
مَسْأَلَة: زَعَمَ أَقْوَامٌ أَنَّ الخَبَرَ مُسنَدٌ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ: "إِنَّ العَبدَ إِذَا سَجَدَ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ قَدَم الرَّحمَنِ ﷿، أَوردَهُ الحُمَيْدِيُّ فِي مُسنَدِهِ، صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: هَذَا صَحِيحٌ، يُروَى مَرْفُوعًا، وَيُروَى مَوقُوفًا، وُهُو مِن جُملَةِ الأَحَادِيثِ الَّتِي نُؤْمِنُ بِهَا وَتُتَلَقَّى بِالتَّسْلِيمِ، وَلَا نُجَادِلُ فِيهِ وَلَا نُخَاصِمُ، وَنَتَرُكُ الخَوضَ فِيهِ التَّفَكُّرَ فِيهِ بِالعُقولِ، آمَنَّا بما قَالَ رَسُولُ الله، عَلَى مُرَادِ رَسُولِ الله ﷺ (^٣).
* وقَالَ أَيْضًا: "سُئِلَ الحافِظ أبو القَاسِم إِسْمَاعِيلُ بنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ فَقِيلَ
_________________
(١) لسان الميزان لابن حجر (٤/ ١٢٨).
(٢) صفات رب العالمين، لابن المحب المقدسي (١/ ٨٧٩).
(٣) المصدر السابق (١/ ٩١٥).
[ ١ / ١٢٤ ]
لهُ: زَعَمَ أَقْوَامٌ أَنَّ الله خَلَقَ جِبْرِيلَ بِيَدِهِ، فَأَجَابَ: وَرَدَ فِيهِ أَثَرٌ غَرِيبٌ" (^١).
وَسَيَأْتِي عِنْدَ الكَلَامِ عَنْ مَنْهَجِهِ ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ مَزِيدُ أَمْثِلَةٍ تَشْهَدُ بِبَرَاعَتِهِ ﵀ فِي التَّصْحِيحِ وَالتَّضْعِيفِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ صِنَاعَةِ النَّقْدِ وَالتَّعْلِيلِ، مَعَ مَعْرِفَةٍ وَاطِّلَاعٍ كَبِيرَيْنِ عَلَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ النُّقَّادِ قَبْلَهُ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَالإِحَاطَةِ بِأَوْهَامِ النُّسَّاخِ، وَعِنَايَتِهِ بِإِصْلَاحِ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ الوَاقِعَيْن فِي الْمُتُونِ وَالأَسَانِيدِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الرُّوَاةِ.
وَفِي شِقِّ الدِّرَايَةِ - الَّذِي هُوَ مَدَارُ ثَمَرَةٍ عِلْمِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ - كَانَ إِمَامُنَا التَّيْمِيُّ ﵀ عَلَى دَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الإِتْقَانِ، وَتَصَدِّيهِ لِشَرْحِ أَحَادِيثِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ أَبْرَزُ مَظَاهِرِ عِنَايَتِهِ بِذَلِكَ، وَتَجَلَّتْ عَبْقَرِيَّتُهُ فِي فِقْهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نَهَضَ لِشَرْحِهَا، فَذَكَرَ شَوَارِدَهَا، وَقَيَّدَ أَوَابِدَهَا، وَأَبَانَ ﵀ عَنْ قَدَمٍ رَاسِخِ فِي اسْتِنْبَاطِ المَعَانِي، وَاسْتِخْرَاجِ الفَوَائِدِ.
وَقَدْ رَضِيَ الأَئِمَّةُ قَوْلَهُ فِي شَرْحِ الحَدِيثِ، وَقَبِلُوا كَلَامَهُ فِيهِ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ نُقُولِهِمْ مِنْ كُتُبِهِ، وَعِنَايَتِهِمْ بِتَقْيِيدِ فَوَائِدِهِ فِيهِ، فَهَذَا ابْنُ الْمُحِبِّ الْمَقْدِسِيُّ ﵀ يَنْقُلُ عَنْهُ جَمْعَهُ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ، قَالَ ﵀: " قَالَ إِسْمَاعِيلُ بنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ الحَافِظُ: "وَوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ خَبَرِ ابن مَسْعُودٍ وَبَيْنَ خَبَرٍ حُذَيْفَةَ: أَنَّ التَّصْوِيرَ يَكُونُ عِنْدَ انْقِضَاءِ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَنَفْخَ الرُّوحِ يَكُونُ بَيْنَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ وُقُوعِ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ" (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٣٦٤).
(٢) صفات رب العالمين، لابن المحب المقدسي (١/ ٢٩٨)
[ ١ / ١٢٥ ]
وَلَنْ أُطِيلَ هُنَا، وَحَسْبِي أَنْ أُحِيلَ القَارِئَ عَلَى الْمَبْحَثِ الأَوَّلِ مِنَ الفَصْلِ الثَّانِي الَّذِي خَصَّصْتُهُ لِلْحَدِيثِ عَنْ مَنْهَجِهِ ﵀ فِي شَرْحِهِ لِأَحَادِيثِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ.