الاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ شُبْهَةٌ قَدِيمَةٌ يَعْتَذِرُ بِهَا الْمُشْرِكُونَ فِي تَسْوِيغِ كُفْرِهِمْ، وَتَعْلِيلِ ضَلَالِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ ﷾ أَصْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ البَاطِلَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ
_________________
(١) قَالَهُ هَانِئُ بنُ مَسْعُود الشَّيْبَاني في يَوم ذِي قارٍ مِنْ أَيَّام الجَاهِليَّة كَمَا فِي أَمالي القاري (١/ ١٦٩)، ورُوِيَ بِنَحْوِه مَرْفُوعًا، مِنْ طَرقٍ ضَعِيفَةٍ.
(٢) مجموع فتاوي شيخ الإسلام (٨/ ٥٢٨).
(٣) مدارج السالكين (٣/ ٤٦٠).
[ ١ / ١٧٤ ]
شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ (^١).
وَلَمَّا كَانَ لِكُلِّ صَاحِبِ نِحْلَةٍ قَبِيحَةٍ وَارِثٌ، تَلَقَّفَ أَهْلُ الزَّيْغِ مِنَ الجَبْرِيَّةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ أَتْباعِ جَهْمٍ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، ظَنًّا مِنْهُم أَنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِنَ الوَعِيدِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى فِعْل الْمَعَاصِي، فَأَبْطَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الحُجَّةَ الدَّاحِضَةَ، وَبَيَّنَ أَنَّ لِلْعَبْدِ فِعْلًا خَاصَّا بِهِ يَفْعَلُهُ اخْتِيَارًا، وَلَهُ إِرَادَةٌ وَمَشِيئَةٌ مُسْتَقِلَةٌ كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ نُصُوصُ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ النَّبِوِيَّةِ، مِمَّا يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ.
وَمِنْ جُمَلِ شُبَهِ الْقَوْمِ احْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ احْتِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى ﵉، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَلِذَلِكَ انْبَرَى الإِمَامُ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀ لِرَدِّ هَذَا عِنْدَ شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْفَكُّ مِنْ قَدَرِهِ، مَعَ أَنَّ لَهُ فِعْلًا يَكْسِبُه مُخْتَارًا بِإِرَادَتِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
قَالَ قِوامُ السُّنَّة التَّيْمِيُّ ﵀: وَقَوْلُهُ: (فَحَجَّ آدَمُ ﵇ مُوسَى)، لَا انْفِكَاكَ لِلْعَبْدِ مِنَ القَدَرِ، وَإِتْيَانِهِ مُخْتَارًا لِفِعْلِهِ" (^٢).
وَأَشْبَعَ الْمُصَنِّفُ ﵀ القَوْلَ فِي شَرْحٍ هَذَا الحَدِيثِ فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَقَدْ نَقَلَ عَنِ الإِمَامِ الخَطَّابِيِّ ﵀ (^٣) اخْتِيَارَهُ فِي تَأْوِيلِ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ
_________________
(١) سورة الأنعام الآية: (١٤٨).
(٢) (٥/ ٣٤٨) من قسم التحقيق.
(٣) كلامه في معالم السنن (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤). وقَدْ تَرَاجَعَ عَن هَذَا الاخْتِيار فِي شَرْحِه عَلَى صَحِيح البخاري (٣/ ١٥٥٥ - ١٥٥٦)، فقال ﵀: "وَحَقيقتُه أَنَّه دَفَعَ حُجَّةَ مُوسى التي ألزم بِها اللَّوم، وذَلِك لأنَّ الابتداء بالمسْألَة والاعْتراضَ=
[ ١ / ١٧٥ ]
فَقَالَ: "وَفِي قَوْلِهِ: (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ عِلْمِ اللهِ تَعَالَى بِمَا يَكُونُ مِنْ أَفْعَالِ العِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ، وَصُدُورِهَا عَنْ تَقْدِيرٍ مَنْهُ؛ وَخَلْقٍ لَهَا: خَيْرِهَا وَشَرِّهَا.
وَلَيْسَ مَعْنَى الْقَدَرِ مِنَ اللَّهِ إِجْبَارٌ وَقَهْرٌ لِلْعَبْدِ عَلَى مَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ.
وَالْقَدَرُ اسْمٌ لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عَنْ فِعْلِ القَادِرِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَرَاءِ عِلْمِ اللهِ تَعَالَى فِيهِمْ أَفْعَالُهُمْ وَأَكْسَابُهُمْ، وَمُبَاشَرَتُهُمْ تِلْكَ الأُمُور، وَمُلَابَسَتُهُمْ إِيَّاهَا عَنْ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ، وَتَقْدِيم إِرَادَةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَالحُجَّةُ إِنَّمَا تَلْزَمُ بِهَا.
وَجُمْلَةُ القَوْلِ: إِنَّهُمَا أَمْرَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الأَسَاسِ، وَالآخَرَ بِمَنْزِلَةِ البِنَاءِ، فَمَنْ رَامَ الفَضْلَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ رَامَ هَدْمَ البِنَاءِ وَنَقْضَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مَوْضِعُ الحُجَّةِ لَازِمًا عَلَى مُوسَى أَنَّ الله سُبْحَانَهُ إِذَا كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنْ آدَمَ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الشَّجَرَةَ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرُدَّ عِلْمَ اللهِ فِيهِ؟ وَأَنْ يُبْطِلَهُ بِضِدِّ ذَلِكَ؟!
وَإِنَّمَا أَدْلَى آدَمُ بِالحُجَّةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَدَفَعَ لَائِمَةَ مُوسَى عَنْ نَفْسِهِ بِهَذَا الوَجْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ الَّلوْمُ عَنْهُ أَصْلًا، قِيلَ: اللَّوْمُ سَاقِطٌ عَنْهُ
_________________
(١) = إِنَّما كانَ من مُوسى، وَلَم يَكُن مِن آدَمَ إنكارٌ لِمَا اقْتَرَفَه مِن الذَّنب، إِنَّمَا عَارَضَه بِأَمْرٍ كَانَ فِيهِ دَفْعُ اللَّوم، فَكَانَ أَصْوَبُ الرَّأْيَيْن مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ آدَمُ بِقَضِيَّةِ الْمُصْطَفَى ﷺ. وَكُنَّا قَدْ تَأَوَّلنا هَذَا الحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ هَذا المُعنَى فِي كِتَابِ معالم السُّنَنِ، وَهَذَا أَوْلَى الوَجْهَيْنِ، والله أعلم".
[ ١ / ١٧٦ ]
مِنْ قِبَلِ مُوسَى ﵇، إِذْ لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُعَيِّرَ أَحَدًا بِذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ، لأَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ تَحْتَ العُبُودِيَّةِ سَوَاء وَقَدْ رُوِيَ: (لَا تَنْظُرُوا إِلَى ذُنُوبِ العِبَادِ كَأَنَّكُم أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا إِلَيْهِم كَأَنَّكُم عَبِيدٌ) (^١).
وَلَكِنَّ اللَّوْمَ لَازِمٌ لَآدَمَ ﵇ مِنْ قِبَلِ اللهِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَخَرَجَ إِلَى مَعْصِيَتِهِ، وَبَاشَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، وَللهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ ﷾ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَقَوْلُ مُوسَى ﵇ وَإِنْ كَانَ مِنْهُ فِي النُّفُوسِ شُبْهَةٌ، وَفِي ظَاهِرِهِ مُتَعَلَّقٌ، لاحْتِجَاجِهِ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي قَدْ جُعِلَ أَمَارَةَ خُرُوجِهِ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَوْلُ آدَمَ ﵇ فِي تَعَلُّقِهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الأَصْلِ أَرْجَعُ" (^٢).