الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، إِلَهِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، خَالِقِ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَمُفَضِّلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي العَقْلِ وَالدِّينِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الْمُتَوَالِيَةِ، وَآلَائِهِ الْمُتَكَاثِرَةِ، لَهُ الحَمْدُ عَلَى مَا أَوْلَى وَأَنْعَمَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، خَاتَمُ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَمُبَلِّغُ أَحْكَامِهِ وَأَنْبَائِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ النَّاقِلِينَ أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، فَكَانَتْ أَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ أَحْكَامًا مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، مُبَيِّنَةً لِمَا أُنْزِلَ مِنْ كِتَابِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَتَكَفَّلَ اللهُ بِحِفْظِهَا، إِذْ حِفْظُهَا هُوَ حِفْظٌ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١)، فَبَلَغَ ﷺ كِتَابَ رَبِّهِ أَتمَّ البَلَاغِ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى حَتَّى تَرَكَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ البَيْضَاءِ،
_________________
(١) سورة النحل، الآية: (٤٤).
[ ١ / ٧ ]
وَالطَّرِيقَةِ الغَرَّاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، وَقَامَ صَحَابَتُهُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِهِ بِتَبْلِيغِ سُنَّتِهِ وَأَحْوَالِهِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، رَاغِبِينَ فِي الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، عَامِلِينَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الدِّينِ وَبَيَانِ الكِتَابِ.
ثُمَّ بَرَزَ فِي مَجَالِ حِفْظِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عُلَمَاءُ أَجِلَّاءُ، وَأَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ، رَحَلُوا فِي طَلَبِ الحَدِيثِ إِلَى مُخْتَلَفِ الأَمْصَارِ، وَتَحَمَّلُوا فِي سَبِيلِ ذَلِكَ كُلَّ أَصْنَافِ المَشَقَّةِ، وَصَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ رُغْمَ بُعْدِ الشُّقَّةِ، وَسَافَرُوا لِلظَّفَرِ بِعُلُوِّهِ، وَتَحْصِيلِ مَشْهُورِهِ وَغَرِيبِهِ، وَاجْتَهَدُوا فِي تَدْوِينِ أَخْبَارِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَتَصْنِيفِ آثَارِهَا، وَعَايَنُوا رُوَاتَهَا وَحَمَلَتَهَا، فَتَتَبَّعُوا أَحْوَالَهُمْ وَسَأَلُوا عَنْهُمْ، فَاخْتَبَرُوا عَدَالَتَهُمْ وَامْتَحَنُوا حِفْظَهُمْ، فَلَمَّا اطْمَأَنُّوا إِلَيْهِمْ سَمِعُوا مِنْهُمْ، وَكَتَبُوا نُسَخَهُمْ بَعْدَ مُعَارَضَتِهَا بِالأُصُولِ المُتْقَنَةِ، وَمُقَابَلَتِهَا بِالنُّسَخِ العُتُقِ المُنَقَّحَةِ، وَبَالَغُوا فِي تَصْحِيحِهَا، إِيغَالًا مِنْهُمْ فِي التَّثَبُّتِ، وَإِمْعَانًا فِي التَّحَقُّقِ وَالتَّوَثُّقِ، ثُمَّ شَرَعُوا يُمَيِّزُونَ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَيُبْرِزُونَ غَثَّهَا مِنْ سَمِينهَا حِمَايَةً لَهَا مِنْ كُلِّ دَخِيلٍ، وَقَطْعًا لِلطَّرِيقِ عَلَى كُلِّ مُتَخَرِّصٍ قَاصِدٍ لِلطَّعْنِ فِيهَا بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، فَحَمَى اللهُ بِجُهُودِهِمْ حِيَاصَ الدَّينِ، وَصَانَهُ مِنْ ثَلْبِ القَادِحِينَ، وَتَحْرِيفِ الغَالِينَ، وَانْتِحَالِ المُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الجَاهِلِينَ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ الأَفْذَاذِ، وَالجَهَابِذَةِ النُّقَادِ الَّذِينَ تَجَرَّدُوا لِلْحَدِيثِ، وَنَذَرُوا أَعْمَارَهُمْ لِحِفْظِهِ وَجَمْعِهِ، وَبَذَلُوا أَوْقَاتَهُمْ فِي سَبِيلِ صِيَانَتِهِ وَنَشْرِهِ: أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ، حُجَّةُ الأُمَّةِ وَإِمَامُ الأَئِمَّةِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُغِيرَةِ الجُعْفِيُّ مَوْلَاهُمْ البُخَارِيُّ (ت: ٢٥٦ هـ)، فَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ
[ ١ / ٨ ]
كِتَابَهُ العَظِيمَ الْمَشْهُورَ بِصَحِيحِ البُخَارِيِّ، أَصَحِّ كِتَابٍ بَعْدَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مَكَثَ فِي تَهْذِيبِهِ وَتَنْقِيحِهِ زَمَنًا طَوْيلًا، فَصَارَ كِتَابُهُ أَحْسَنَ كُتُبِ الحَدِيثِ تَصْنِيفًا "وَأَجْوَدَهَا تَأْلِيفًا، وَأَكْثَرِهَا صَوَابًا، وَأَقَلَّهَا خَطَأً، وَأَعَمَّهَا نَفْعًا، وَأَعْوَدَهَا فَائِدَةً، وَأَعْظَمَهَا بَرَكَةً، وَأَيْسَرَهَا مَؤُونَةً، وَأَحْسَنَهَا قَبُولًا عِنْدَ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ، وَأَجَلَّهَا مَوْقِعًا عِنْدَ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ" (^١).
وَقَدِ انْتَصَبَ ﵀ لِتَدْرِيسِهِ وَبَثِّهِ، فَأَخَذَهُ عَنْهُ تَلَامِذَةٌ كَثِيرُونَ، ضَرَبُوا أَكْبَادَ الإِبِلِ لِسَمَاعِهِ عَنْهُ وَالاسْتِفَادَةِ مِنْهُ، فَانْتَشَرَ كِتَابُهُ فِي مُخْتَلَفِ الأَمْصَارِ، وَتَنَافَسَ النَّاسُ فِي تَسْمِيعِهِ وَنَقْلِهِ فِي سَائِرِ الأَقْطَارِ، وَعَوَّلَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ الْمُصَنِّفِينَ فِي الجَوَامِعِ وَالسُّنَنِ وَالمَسَانِيدِ، فَرَوَوا الكَثِيرَ مِنَ المَرْوِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَاسْتَفَادُوا فِي تَهْذِيبِ كُتُبِهِمْ وَانْتِقَاءِ رُوَاتِهَا مِنْ كِتَابِهِ، وَيُعَدُّ جَمْعُهُ هَذَا بِحَقٍّ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي التَّأْلِيفِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُجَرَّدِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَلَمَّا وَقَعَ كِتَابُهُ عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ العَلِيَّةِ، وَالمَرْتَبَةِ السَّنِيَّةِ؛ عَكَفَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الهُدَى شَرْحًا لِأَحَادِيثِهِ وَتَفْسِيرًا لأَخْبَارِهِ، وَاسْتِنْبَاطًا لِفَرَائِدِهِ وَنُكَتِهِ، وَتَدْرِيسًا لِعُلُومِهِ، وَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ جَوَاهِرَ العِلْمِ وَدُرَرَهُ، فَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ عَدِيدَةً دَبَّجَهَا يَرَاعُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَّبِعُوهُمْ مِنَ الخَلَفِ الْمَرْضِيِّينَ، وَكَانَ لَهُمُ الشُّفُوفُ فِي مَنَاهِجِهِمْ وَأَوْضَاعِهِمْ، فَتَبَايَنَتْ فِي هَذِهِ الْمُصَنِّفَاتِ مَسَالِكُهُمْ، وَاخْتَلَفَتْ فِي بَيَانِ مَعَانِيهَا طَرَائِقُهُمْ، وَتَعَدَّدَتْ فِي ذَلِكَ مَشَارِبُهُمْ مَا بَيْنَ مُطَوِّلٍ وَمُخْتَصِرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَدَ إِيضَاحَ الْأَحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ،
_________________
(١) تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ المزي (١/ ١٤٧).
[ ١ / ٩ ]
وَالمَسَائِلِ الخِلَافِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَامَ بَيَانَ إِعْرَابِهِ وَتَوْضِيحَ مُشْكِلَاتِهِ، وَعَكَفَ آخَرُونَ عَلَى ضَبْطِ أَسْمَاءِ رُوَاتِهِ وَتَمْيِيزِ أَلْقَابِ رِجَالِهِ، وَانْبَرَتْ طَائِفَةٌ لِشَرْحِ مُعْضِلَاتِ تَرَاجِمِ أَبْوَابِهِ، وَاسْتِجْلَاءِ مَقَاصِدِهَا، وَبَيَانِ أَوْجُهِ مُنَاسَبَتِهَا لِمَا يُسَاقُ تَحْتَهَا مِنَ الأَحَادِيثِ، وَوَفَّقَ اللهُ بَعْضَهُمْ فَضَرَبَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِسَهُمٍ وَافِرٍ، وَذَاكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يُعْرَفُ كِتَابٌ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أَلَّفَهَا العُلَمَاءُ اهْتَبَلَ بِهِ الدَّارِسُونَ، وَوَقَفُوا جُهُودَهُمْ عَلَيْهِ، وَنَهَضُوا بِهِ مِثْلَمَا فَعَلُوا بِالجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْإِمَامِ البُخَارِيِّ ﵀ (^١).
وَلَئِنْ يَسَّرَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الوُقُوفَ عَلَى بَعْضٍ هَذِهِ الْمُصَنَّفَاتِ بَعْدَ الطَّفْرَةِ الَّتِي عَرَفَتْهَا وَسَائِلُ الطِّبَاعَةِ، وَتَعَدُّدِ دُورِ النَّشْرِ، وَعُكُوفِ كَثِيرٍ مِنَ الدَّارِسِينَ وَالمُهْتَمِّينَ بِالتُّرَاثِ الإِسْلَامِيِّ عَلَيْهَا تَحْقِيقًا وَتَعْرِيفًا وَإِحْيَاءً وَإِخْرَاجًا، فَلَا تَزَالُ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الكُتُبِ مَحْجُوبَةً عَنِ الْأَنْظَارِ، تَتَغَذَّى عَلَيْهَا الأَرَضَةُ وَتَتَآكَلُ مَعَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ، وَهِيَ دَفِينَةٌ بَيْنَ الرُّفُوفِ فِي مُخْتَلَفِ خَزَائِنِ المَخْطُوطَاتِ فِي شَتَّى أَنْحَاءِ العَالَمِ، مِمَّا يَسْتَدْعِي ضَرُورَةُ الاهْتِمَامِ بِهَا، وَالتَّوَجُّهَ إِلَيْهَا وَالتَّنْقِيبَ عَنْهَا، وَالكَشْفَ عَنْ مَوَاطِنِ حِفْظِهَا وَجَمْعَ نُسَخِهَا، وَإِخْرَاجَ مَكْنُونَاتِهَا، ثُمَّ العَمَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَحْقِيقِهَا تَحْقِيقًا عِلْمِيًّا يَتَنَاسَبُ مَعَ قِيمَتِهَا العِلْمِيَّةِ، وَهَذِهِ المُهِمَّةُ النَّبِيلَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَضْطَلِعَ بِهَا المُؤَسَّسَاتُ الحُكُومِيَّةُ، وَالجَامِعَاتُ وَالمَعَاهِدُ وَالكُلِّيَّاتُ الدَّينِيَّةُ، وَتُولِيهِ مَزِيدَ عِنَايَةٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ "هَذَا الأَمْرُ ضَرِيبَةً عِلْمِيَّةً لَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهَا" (^٢).
_________________
(١) لمعرفة جُهُود العُلمَاء عَلى الجَامِع الصَّحيح للإمَام البُخَاري يرجع إلى: "إتحافُ القَارِي بمعْرِفَة جُهُود وأَعْمَالَ العُلَمَاء عَلَى صَحِيح البُخَاري" لمحمد عصام عرار.
(٢) تحقيقُ النُّصُوص ونشرُها للأُستاذ عبد السَّلام هارون: (ص: ٦)
[ ١ / ١٠ ]
وَكَانَ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوحِ، شَرْحُ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ أَبِي القَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ التَّيْمِيِّ الأَصْبَهَانِيِّ (ت: ٥٣٥ هـ) ﵀، وَالَّذِي صَارَ أَحَدَ مَوَارِدِ العُلَمَاءِ البَارِزِينَ مِمَّنْ جَاؤُوا بَعْدَهُ كَالكِرْمَانِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالعَيْنِيِّ، وَغَيْرِهِمْ ﵏.
وَذَلِكَ إِقْرَارٌ مِنْهُمْ بِقِيمَةِ هَذَا الكِتَابِ العَظِيمِ، وَتَنْوِيهٌ بِمَنْهَجٍ مُؤَلِّفِهِ فِيهِ، وَالَّذِي سَارَ عَلَى طَرِيقَةِ المُحَقِّقِينَ مِنَ العُلَمَاءِ، الَّذِينَ لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى أَقْوَالِ مَذَاهِبِهِمْ فِي تَحْقِيقِ المَسَائِلِ، بَلْ تَوَسَّعَ ﵀ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا، حَتَّى شَمِل جُلَّ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ ذِكْرًا، وَأَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِيرَادًا وَخُبْرًا، مَعَ بَيَانِ أَدِلَّةِ كُلٍّ، وَمُنَاقَشَتِهَا عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ الصَّنْعَةِ وَالتَّحْقِيقِ، مُسْتَرْشِدًا بِقَوَاعِدِ أَهْلِ الأُصُولِ وَالتَّدْقِيقِ، فَرَدَّ المَسَائِلَ إِلَى أُصُولِهَا، وَأَلْحَقَ الأَشْبَاه بِنَظَائِرِهَا، حَتَّى لَكَأَنَّكَ أَمَامَ كِتَابِ فِقْهٍ مُقَارَنٍ.
وَإِذَا انْتَقَلَ ﵀ إِلَى شَرْحِ غَرِيبِ الحَدِيثِ، وَتَفْسِيرِ غَامِضِهِ وَمُعْضَلِهِ تَجِدُهُ يَسْتَطْرِدُ فِيهِ، وَيُنَكِّتُ عَلَيْهِ بِالنُّكَتِ اللُّغَوِيَّةِ، وَالَّتِي ضَرَبَ فِيهَا بِسَهُمٍ وَافِرٍ، وَأَخَذَ مِنْهَا بِحَظٍّ فَاخِرٍ، فَتَرَاهُ مُسْتَوْعِبًا كَلَامَ مُتَقَدِّمِيهِ مِنَ العُلَمَاءِ، ثُمَّ يُدْلِي بِدَلْوِهِ بِمَا يُوَافِقُ حِسَّ العَالِمِ الأَلْمَعِيِّ، وَالأَدِيبِ اللَّوْذَعِيِّ.
وَلَا تَخْفَى مَكَانَةُ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ التَّيْمِيِّ ﵀ فِي الحَدِيثِ وَعُلُومِهِ، فَهُوَ مَعْدُودٌ فِي طَبَقَةِ كِبَارِ المُحَدِّثِينَ، وَالنَّقَدَةِ الْمُتقِنِينَ، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ هَذَا؛ فَضَمَّنَهُ كَثِيرًا مِنَ القَوَاعِدِ الحَدِيثِيَّةِ، وَاللَّطَائِفِ الإِسْنَادِيَّةِ بِمَا يَشْهَدُ لِعُلُوِّ كَعْبِهِ، وَرُسُوخِ قَدَمِهِ.
وَهَكَذَا فَقَدْ جَاءَ شَرْحُهُ هَذَا غَنِيًّا وَمُتَنَوِّعًا فِي مَادَّتِهِ العِلْمِيَّةِ.
[ ١ / ١١ ]
وَلَقَدْ أَكْرَمَنِي الْمَوْلَى ﷿ بِالوُقُوفِ عَلَى نُسْخَةٍ خَطِّيَّةٍ فَرِيدَةٍ لِهَذَا الشَّرْحِ العَظِيمِ، فَاسْتَخَرْتُ الله ﷿ فِي الاشْتِغَالِ عَلَيْهَا، وَإِخْرَاجِهَا إِخْرَاجًا عِلْمِيًّا كَمَا أَرَادَ مُصَنِّفُهَا ﵀، وَلَقَدْ كَانَ الفَضْلُ فِي إِرْشَادِي إِلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ إِلَى الدُّكْتُورِ مُحَمَّدٍ السَّرَارِ حَفِظَهُ اللهُ، إِذْ دَلَّنِي عَلَى مَكَانِ وُجُودِهَا، وَأَخْبَرَنِي بِأَهَمَّيَتِهَا.
بَيْدَ أَنَّهُ نَبَّهَنِي إِلَى صُعُوبَةِ تَحْقِيقِ نِسْبَةِ هَذَا المَخْطُوطِ لِمُؤلِّفِهِ، إِذِ المُثْبَتُ عَلَى لَوْحَةِ عُنْوَانِهِ أَنَّهُ لِتَقِيِّ الدَّينِ السُّبْكِيِّ ﵀.
وَسُرْعَان مَا وَقَعَ تَوْجِيهُهُ هَذَا فِي قَلْبِي، فَقَرَّرْتُ أَنْ أَقُومَ بِهَذَا العَمَلِ لِنَيْلِ أُطْرُوحَةِ الدُّكْتُورَاه مِنْ كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ بِجَامِعَةِ القَرَوِيِّينَ بِفَاسِ حَرَسَهَا اللهُ، فَجَلَسْتُ قُرَابَةَ سَنَةٍ وَأَنَا أَبْحَثُ فِي صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذَا الكِتَابِ لِلْإِمَامِ السُّبْكِيِّ ﵀، حَتَّى اهْتَدَيْتُ أَخِيرًا - وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ - إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ هَذِهِ النِّسْبَةِ لَهُ، وَإِثْبَاتِهَا لِلْإِمَامِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ ﵀ لِأَسْبَابٍ وَأَدِلَّةٍ شَرَحْتُهَا بِتَفْصِيلٍ فِي قِسْمِ الدِّرَاسَةِ.
وَقَدْ كَانَ لِتَشْجِيعِ أُسْتَاذِي الدُّكْتُورِ إِدْرِيسَ الخَرْشَافِي حَفِظَهُ المَوْلَى، أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي إِقْدَامِي وَمُتَابَعَةِ سَيْرِي فِي هَذَا البَحْثِ، بِمَا قَدَّمَهُ لِي مِنْ مُسَاعَدَاتٍ وَمُلَاحَظَاتٍ عِلْمِيَّةٍ وَإِدَارِيَّةٍ، بِصَدْرٍ رَحْبٍ، وَوَجْهٍ طَلْقٍ، وَخُلُقٍ رَفِيعٍ، مِمَّا جَعَلَ كَثِيرًا مِنْ صُعُوبَاتِ هَذَا البَحْثِ تَتَذَلَّلُ، فَاللهَ أَسْأَلُ أَنْ يُبَارِكَ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ.
[ ١ / ١٢ ]