ذَكَرَ البُخَارِيُّ ﵀ حَدِيثَ عُمَرَ ﵁ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَأَخْبَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِنُ
_________________
(١) نص على تواتر أحاديث عذاب القبر: شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٨/ ٥١)، وابن القيم في الروح (١/ ١٥٠)، وفي مفتاح دار السعادة (١/ ١١٨)، والسيوطي في قطف الأزهار المتناثرة (ص: ٢٩٤)، والكتاني في نظم المتناثر (ص: ٨٢).
[ ١ / ١٧١ ]
الجَرَّاحِ ﵄ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ، فَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ ﵃، فَأَمَرُهُمْ عُمَرُ بِالاِنْصِرَافِ عَنْهَا، وَقَالَ: (إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا)، فَلَمَّا قَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ؛ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ.
فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ عَوْفٍ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ - فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ).
قَالَ قِوامُ السُّنَّةِ ﵀: "وَاسْتَعْمَلُ عُمَرُ ﵁ فِي ذَلِكَ الحَذَرَ، وَأَثْبَتَ القَدَر، وَهُوَ نَهْجُ السَّلَفِ الصَّالِحِ" (^١).
وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "وَفِي قَوْلِ عُمَرَ ﵁ إِثْبَاتٌ لِلْقَدَرِ؛ إِذْ رَأَى تَصَرُّفَ الأَحْوَالِ كُلِّهَا بِقَدَرِ اللهِ" (^٢).
وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ الإِمَامُ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀ مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ آيَاتُ القُرْآنِ، وَأَحَادِيثُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَنُقِلَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مِنْ إِثْبَاتِ قَدَرَ اللهِ، وَالتَّسْلِيمِ بِهِ، وَاعْتِقَادِ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا لَا تَخْرُجُ عَمَّا قَضَاهُ اللهُ وَقَدَّرَهُ.
قَالَ طَاوُسٌ: "أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ
_________________
(١) (٥/ ٢٥٩) من قسم التحقيق.
(٢) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ٥٣١).
[ ١ / ١٧٢ ]
بِقَدَرٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى العَجْزُ وَالْكِيسُ، أَوِ الكِيسُ وَالْعَجْزُ) ".
قَالَ ابن أَبِي زَيْدٍ القَيْرَوَانِيُّ ﵀: "وَالإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنَا، وَمَقَادِيرُ الأُمُور بِيَدِهِ، وَمَصْدَرُهَا عَنْ قَضَائِهِ، عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ كَوْنِهِ؛ فَجَرَى عَلَى قَدَرِهِ، لَا يَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ إِلَّا وَقَدْ قَضَاهُ وَسَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^١) ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) فَيَخْذُلُهُ بِعَدْلِهِ، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) فَيُوَفِّقُهُ بِفَضْلِهِ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ بِتَيْسِيرِهِ إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ مِنْ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، تَعَالَى أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ، أَوْ يَكُونَ لِأَحَدٍ عَنْهُ غِنًى، أَوْ يَكُونَ خَالِقٌ لِشَيْءٍ إِلَّا هُوَ رَبُّ العِبَادِ، وَرَبُّ أَعْمَالِهِمْ، وَالْمُقَدِّرُ لِحَرَكَاتِهِمْ وَآجَالِهِمْ" (^٤).
وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي زَمَنْين: "وَمِنْ قَوْلِ أَهِلِ السُّنَّةِ: أَنَّ المَقَادِيرَ كُلَّهَا خَيْرِهَا وشَرَّهَا، حُلْوَهَا وَمُرَّهَا مِنَ الله ﷿ فَإِنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ وَقَدْ عَلِمَ مَا يَعْمَلُونَ وَمَا إِلَيهِ يَصِيرُونَ، فَلَا مَانِعَ لما أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لما مَنَعَ" (^٥)، ثُمَّ ذَكَرَ ﵀ الآيَاتِ الدَّالَة علَى هَذَا.
ولَيْس مَعْنَى هَذَا تَرْكَ الالْتِفَاتِ إِلَى العَمَلِ، والتَّوَاكُل المذْمُومِ، فَإِنَّ سُنَّةَ الله
_________________
(١) سورة الملك، الآية: (١٤).
(٢) سورة النحل، الآية: (٩٣).
(٣) سورة النحل، الآية: (٩٣).
(٤) مقدمة ابن أبي زيد القيرواني (ص: ٥٧).
(٥) أصول السنة (ص: ١٩٧).
[ ١ / ١٧٣ ]
سُبْحَانَهُ اقْتَضَتْ أَنْ تَرْتَبِطَ الأَسْبَابُ بِمُسَبِّبَاتهَا، ولِذَلِكَ شُرِعَ لِلعَبدِ اسْتِعْمَالُهَا مَعَ التَّوَكُّلِ علَى الله، وَاعْتِقَاد أنَّ هذا الأمْرَ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ سَبَبًا، ولا أَثَرَ لَهُ إِلَّا بمشِيئَةِ الله سُبْحَانَهُ.
وَمِنْ مَشْهُورِ كَلَامِهِمْ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الحَذَرَ لَا يُنْجِي مِنَ الْقَدَرِ (^١).
قال شَيْخُ الإِسْلامِ ابن تَيْمِيَّةَ ﵀: "فالالِتِفَاتُ إِلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوُ الأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ، وَالإِعْرَاضُ عَنِ الأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ؛ فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُعْتَمِدًا عَلَى اللهِ؛ لَا عَلَى سَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ، وَاللهُ يُيَسِّرُ لَهُ مِنَ الأَسْبَابِ مَا يُصْلِحُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (^٢).
وَنَقَلَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ ابن القَيِّمِ ﵀ فِيمَنْ يَتْرُكُ مُبَاشَرَةَ الأَسْبَابِ قَوْلَهُ: "وَهَذَا الْأَصْلُ الفَاسِدُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ، بَلْ وَمُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ" (^٣).