مقدمة في صحيح البخاري
الشيخ / عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فلسنا بصدد التعريف بالسنة، وبيان أهمية السنة وحجية السنة، كل هذا مضى الحديث فيه مرارًا ولا حاجة داعية لتكرار ذلك، فالسنة من حيث الاحتجاج بها وكونها وحيًا من عند الله كما في قوله - جل وعلا -: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم٣ - ٤] وأنه لم يخالف في الاحتجاج بها إلا بعض طوائف المبتدعة، وأهل السنة قاطبة على الاحتجاج بها؛ لما ثبت منها ويوافقهم في ذلك بعض أو كثير من طوائف البدع يحتجون بالسنة، كالمعتزلة فتجد كتبهم طافحة بالاستدلال من صحيح البخاري وغيره وإن نازعوا في خبر الواحد مثلًا لكنهم في الجملة يحتجون بما في كتب أهل السنة من نصوص، وكذلك الزيدية، وغيرهم من طوائف المبتدعة.
لكن يخالف في ذلك الغلاة من الخوارج والروافض وغيرهم ولا عبرة بهم، ولا اعتداد بقولهم وفاقًا ولا خلافا، وإذا تقرر هذا فالسنة إذا ثبتت عن المصطفى - ﵊ - فالوحي المفسر للقرآن وهي: البيان الذي جاء النبي - ﵊ - مبينًا لكتاب الله - جل وعلا - بها.
لسنا بحاجة إلى تكرار ذلك، وقد تكلمنا فيه مرارًا في مقدمات الكتب وفي دروس مستقلة، ولكن ما يتعلق بصحيح البخاري الذي نبدأ شرحه إن شاء الله تعالى، أما بالنسبة للإمام البخاري فمعروف لدى الخاص والعام: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزِبه البخاري الجعفي مولاهم، المولود سنة أربع وتسعين ومائة، والمتوفى سنة ست وخمسين ومائتين.
[ ١ ]
أخباره مدونة في كتب التراجم، سواء كان منها المفردة فقد ألف في ترجمته كتب كثيرة، وأدرج ترجمته مطولة في كتب التراجم، وكان له النصيب الأوفر، والحظ الأوفى من هذه الكتب، فلسنا بحاجة أيضًا إلى الإفاضة بذكر ترجمته، ولو ذكرنا جميع ما يتعلق به لضاق المقام عن شرح الكتاب؛ لأنه مدرسة - رحمه الله تعالى - في الحديث وفي الفقه، أما بالنسبة للصحيح "صحيح البخاري " الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله - جل وعلا - عند جماهير الأمة.
أول من صنف في الصحيح محمد وخص بالترجيح
ومسلم بعد وبعض الغرب مع أبي علي فضلوا ذا لو نفع
أول من صنف في الصحيح محمد وخص بالترجيح - يعني على غيره من الكتب -
ومسلم بعد -يعني بعد البخاري- وبعض الغرب** مع أبي علي فضلوا ذا لو نفع
عامة أهل العلم يرجحون البخاري، وهم يتفقون على أن الصحيحين أصح الكتب، لكن البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد.
ومن رجح صحيح مسلم إما لكونه لم يمعن النظر في صحيح البخاري عموم المغاربة وأهل الأندلس عنايتهم بصحيح مسلم ظاهرة، فتجد في كتبهم الاستدلال بأحاديث يعزونها إلى صحيح مسلم وهي موجودة في البخاري، ما يدل على أن عنايتهم بمسلم أكثر؛ لقرب الفائدة منه، مسلم مرتب ترتيبًا واضحًا والأحاديث مجموعة في مكان واضح لا لبس فيها ولا غموض، وأما بالنسبة لصحيح البخاري فاستخراج الأحاديث منه فيه غموض وفيه وعورة، ذلكم أن البخاري - رحمه الله تعالى - يعمد إلى الطريق الأدق في الاستنباط، ويفرق الحديث في مواضع كثيرة من صحيحه تبلغ أحيانًا عشرين موضعًا، - الحديث الواحد يقطعه في عشرين موضعًا-.
[ ٢ ]
وأما بالنسبة لمسلم فإنه يجمعه في موضع واحد ولا يفرقه ويأتي به كاملًا، هذا مما جعل صحيح مسلم أسهل تناولا فجعل الناس يعتنون به أكثر، الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - فاق مسلم في الصحة وفي الإفادة الفقهية والاستنباط الذي هو الغاية من الرواية، فاقه في الصحة لماذا؟؛ لأنه أشد اتصالا كما يقرر أهل العلم وأنظف وأقوى رجالًا، والأحاديث المنتقدة فيه أقل من الأحاديث المنتقدة في صحيح مسلم، كما أن الرجال الرواة من صحيح مسلم ومن صحيح البخاري، الذين تناولهم بعض أهل النقد بضرب من التجريح أقل منهم في صحيح مسلم، وهذا يدل على أن صحيح البخاري أرجح وأقوى، علمًا بان البخاري هو شيخ الإمام مسلم ومعول مسلم عليه، حتى قال الدارقطني: " لولاء البخاري، ما راح مسلم ولا جاء".
انتقد على الصحيحين أحاديث يسيرة انتقدها الدارقطني وغيره، لكن أجاب عنها أهل العلم وأن الراجح والصواب مع الإمامين ضد الإمام الدارقطني، نعم أحاديثهما متفاوتة منها ما يقطع بثبوته، ومنها ما هو صحيح غير قابل للنظر، ومنها ما تكلم فيه وهذا شي يسير، ولذا قال الحافظ بن الصلاح - ﵀ - في مقدمته: " وجميع أحاديث الصحيحين مقطوع بها سوى أحرف يسيرة، تكلم فيها بعض الحفاظ " صحيح البخاري له، الإمام له طريقة دقيقة في الاستنباط، مثل ما ذكرنا أنه يقطع الحديث حسب الفوائد التي تضمنها هذا الحديث، فيورد الحديث الواحد في عشرين موضع، ويستنبط منه عشرين حكمًا، وقد يزيد وقد ينقص، قد يستدل البخاري بلفظ من الحديث يراه الناظر لا دلالة في اللفظ على ما ترجم به، لكن البخاري يؤمي إلى رواية أخرى فيها الدلالة على ما أراده من الترجمة، وهذا لا شك أنه من دقة نظره وشفوفه.
وأحيانا يعمد عن الدليل الظاهر الواضح إلى الدليل الخفي الغامق، كل هذا من أجل أن يشحذ همة طالب العلم للتتبع والاستقراء والاستقصاء للروايات، وقد يترجم بترجمة واضحة قد يقول القارئ من طلاب العلم لا داعي لها.