حديث أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر: وهو شيء يصنع من حديد، يغطي الرأس للوقاية من السيوف والسهام وغيرها.
[ ٢٨ / ١ ]
دخل مكة على هذه الكيفية -﵊- دخلها فاتحًا غازيًا، وهذا من أقوى الأدلة على أن مكة فتحت عنوة، وليست صلحًا، وبهذا قال جمع من أهل العلم، وبعضهم يرى أنها فتحت صلحًا بدليل أن دورها لم تقسم على الغانمين، لكن لا يمنع أن يكون النبي -﵊- فتحها عنوة، ومنّ بالبيوت على أهلها كما منّ عليهم وقال لهم: «أنتم الطلقاء» فلم يأسر أحدًا منهم.
فلما نزعه -نزع المغفر- وانتهى القتال، جاء رجل فقال: ابن خطل، واسمه عبد الله أسلم ثم ارتد، كان اسمه قبل أن يسلم عبد العزى أسلم ثم ارتد، وهجا النبي -﵊- وجعل جواريه يغنين بهجاء النبي -﵊- فأهدر النبي -﵊- دمه.
متعلق بأستار الكعبة: وهذه عادة عند العرب، الإنسان إذا حزبه أمر تعلق بأستار الكعبة.
فقال: «اقتلوه»: فالكعبة لا تجير مثل هذا الذي أهدر النبي -﵊- فعل ما فعل بهجاء النبي -﵊- وهجاء دعوته، وقتله إنما كان في الساعة التي أبيح للنبي -﵊- القتال فيها، هذا قول من يقول إن الحدود والقصاص لا يكون بمكة وإنما من استحق القتل بحد أو قصاص يضيق عليه حتى يخرج فيقام عليه الحد، والذي يقول يقتل مستحق القتل بمكة، والنهي عن سفك الدم إذا لم يكن بحق، أما ما كان بحق فإنه لا يدخل في النهي، يقول: يستدل بهذا، يستدل بمثل هذا الحديث.
قد يقول قائل: النهي عن سفك الدم بغير حق منهي عنه بمكة وغيرها، إذًا فما الخصوصية التي لهذا المكان المعظم، إذا كنتم تقولون المراد بالنهي عن سفك الدم إذا كان بغير حق، أما إذا كان بحق من قصاص أو ارتكاب ما يوجب القتل فإنه يقتل ويحمل الحديث على ما إذا كان بغير حق.
يقول القائل: النهي عن سفك الدم إذا كان بغير حق هذا في كل مكان في مكة وغيرها فما الخصوصية؟ ما هي الخصوصية لمكة، لماذا ينص عن النهي عن سفك الدم بمكة؟ وهو منهي عنه في كل مكان؟
طالب:. . . . . . . . .
لحرمة مكة، إذا قلنا بهذا قلنا ينهى عن سفك الدم بغير حق في مكة، لحرمة مكة إذن يجوز في المدينة؟!.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٢٨ / ٢ ]
يعني ينص عليه زيادة في تعظيم البيت، فيكون القتل فيه أعظم من القتل في غيرها، وهكذا سائر الذنوب والمعاصي تعظم بمكة، وهذا الأمر جعل بعض الصحابة والتابعين ينتقلون من مكة إلى غيرها، ابن عباس انتقل إلى الطائف، ويذكر عنه أنه لهذا السبب، وتفرق الصحابة والتابعون في الأمصار وتركوا مكة والمدينة مع المضاعفة العظيمة للحسنات لماذا؟
قد يكون الباعث لبعضهم هذا -وهو تعظيم الذنوب- على أن الباعث لأكثرهم نشر الدين، ومعلوم أن النفع المتعدي أفضل من النفع اللازم، وإلا قد يقول قائل: كيف يترك الناس مكة والصلاة بمائة ألف صلاة ويسكن البصرة والكوفة ومصر والشام، وهكذا من جاء بعدهم تفرقوا في الأمصار، والآن أهل العلم في كل مكان لا تجد هذه المضاعفة تنهزهم إلى المجاورة لمكة وترك الأمصار الأخرى، لما هم عليه من نفع متعدي، وهذا أعظم أجرًا لمن تأهل لذلك وصلحت نيته.
فقال: «اقتلوه»: حديث عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- دخل مكة من كداء، -بالفتح والمد- من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى، بالضم كُداء كقُرى، هناك موضع آخر يقال له كُديّ، كثني.
يدخل مكة من أعلاها ويخرج من أسفلها: ولذا يقول الفقهاء: يسن دخول مكة من أعلاها -من كَداء- بالفتح- والخروج من أسفلها -من كُداء- بالضم- ويقولون أيضًا: افتح وادخل، واضمم واخرج، تسهيلًا للضبط؛ لأن الضبطين مشتبهان في الرسم، وأهل العلم يضبطون الكلمات بالشكل والحرف والضد والنظير، وغير ذلك.
حرام بن عثمان ضد الحلال، الحكم بن عتيبة بتصغير عتبة الدار، وهكذا لهم طرق في الضبط، وهنا يقولون: افتح وادخل افتح الدخول مناسب للفتح، والمراد بذلك فتح الكاف ما هو بفتح باب، واضمم الكاف من كُداء كقُرى واخرج، يعني عند الخروج.