[ ١٧ / ١٩ ]
عن عائشة -﵂- قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ- فقام فصلى رسول الله -ﷺ- بالناس فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا» ثم قال: «يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله سبحانه من أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» وفي لفظ: فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات.
نعم يقول المؤلف -رحمة الله عليه- في الحديث الثالث:
[ ١٧ / ٢٠ ]
"عن عائشة -﵂- قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ-" العلماء يقررون أن الشمس لم تنكسف إلا مرة واحدة في عهد النبي -﵊-، مقترنة بموت إبراهيم، وفي كلام شيخ الإسلام -﵀- تصريح بذلك، والتعريض بمن يقول: إن صلاة الكسوف تعددت، ولذا جاءت على صفات متعددة، هي ركعتان في كل ركعة ركوعان، وهذا المتفق عليه، وجاء ثلاثة ركوعات، وأربعة ركوعات في مسلم، وخمسة ركوعات في غيره، فمنهم من يحكم بما اتفق عليه الشيخان هو المحفوظ، وما عداه يكون شاذًا، ومنهم من يحمل التعدد في الصفات على تعدد وقوع القصة، يريد أن يحفظ ثقة الرواة من أن تخدش بالوهم أو بالخطأ، حماية لجنابهم، نقول: بعض العلماء عندهم من الجرأة المبنية على الإطلاع على نصوص الشريعة وقواعدها، تحمله هذه الجرأة على أن يحكم بتوهيم الرواة وإن كانوا ثقات، ومنهم من يجبن عن هذا، فيحتاط للرواة من أن يحكم عليهم بالخطأ والوهم، ما داموا ثقات، فلا مانع أن تتعدد القصة وش المانع؟ ما دامت الرواية في الصحيح فما المانع أن تثبت القصص كلها التي دلت الأدلة الصحيحة على اختلاف صورها؟ وبعضهم يتوسع في هذا حتى يجعل ما مرده إلى اختلاف الرواة في ألفاظهم التي لا يترتب عليها اختلاف في الحكم، فيقول بتعدد القصة.
شيخ الإسلام -﵀- يقول: ما حدث الخسوف إلا مرة واحدة، وما مات إبراهيم إلا مرة واحدة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
مبالغة في النفي، النووي وغيره ما عندهم مانع أن تتعدد القصة صيانة لجناب الرواة الثقات من أن يحكم عليهم بالوهم.
[ ١٧ / ٢١ ]
"خسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ- فقام فصلى رسول الله -ﷺ- بالناس فأطال القيام" وفي حديث ابن عباس: نحوًا من سورة البقرة، وجاء أنه قرأ فيها سورة البقرة، فقوله: "نحوًا" يستدل به من يقول: إن صلاة الكسوف سرية وليست جهرية، إذ لو كانت جهرية ما قال: نحوًا من سورة البقرة، لقال: قرأ سورة البقرة، لكن جزم بذلك، فدل على أنها جهرية، وكون ابن عباس لم يتبين القراءة إما لبعده، أو لمؤثر آخر جعله لم يتبين القراءة، المقصود أن من أثبت مقدم على من لم يثبت سواء كان نافيًا أو غير نافٍ.
"فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع" قام قيامًا طويلًا "ثم ركع فأطال الركوع" ركع ركوعًا طويلًا "ثم قام فأطال القيام وهو دون قيام الليل" أطال القيام بعد ركوعه، والاتفاق حاصل على أن القيام الأول يقرأ فيه الفاتحة وسورة طويلة، القيام الثاني بعد الركوع يقرأ فيه القرآن؛ لأنه تابع للقيام الأول، لكن هل تقرأ الفاتحة أو لا؟ الجمهور على أنها تقرأ في القيام الأول، وبعض أصحاب مالك يقولون: يُكتفى بقراءة الفاتحة في القيام الأول؛ لأنه تابع له، تابع للقيام الأول.
"فأطال القيام وهو دون القيام الأول" القيام الأول أولية مطلقة "ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد" يعني ثم رفع من ركوعه، ولم يتعرض فيه هل هو قيام طويل بعد الركوع الثاني أو لا؟ "ثم سجد" القيام الأول والركوع الأول هما ركنا الركعة الأولى، والقيام الثاني مع ركوعه قدر زائد على أصل الصلاة، فلا تدرك بهما الركعة، يعني إذا جاء المسبوق والإمام يقرأ في القيام الثاني من الركعة الأولى أدرك الركعة وإلا ما أدرك؟ ما أدرك، حتى يدرك الركوع الأول.
[ ١٧ / ٢٢ ]
"ركع ركوعين في الركعة الأولى" بهذا قال الجمهور، أكثر أهل العلم على أن في كل ركعة ركوعين، والحنفية يقولون: تصلى صلاة الكسوف ركعتين لا صفة لهما زائدة، يعني مثل ما تصلى النوافل، ومثل ما تصلى الصبح، لا صفة لهما زائدة، ركعتان بركوعين وأربع سجدات، استدل لهم بحديث: «فإذا رأيتم ذلك فصلوهما كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة» ثم يقولون: ركعتان، لا صفة لهما زائدة، والذي حصل في وقت النبي -﵊- في وقت الضحى، وأحدث صلاة من المكتوبة هي صلاة الصبح، فيصلي ركعتين، لا صفة لهما زائدة، لكن ماذا عما لو كان الخسوف بعد الظهر؟ يلزم على قولهم: إن يصلوا صلاة الكسوف أربع ركعات، أو بعد العصر، أو بعد العشاء؟ على هذا الحديث، لكن الحديث لا يقاوم ما ثبت في الصحيحين وغيره.
يجيبون عن هذه الأحاديث بأجوبة لا أدري كيف تمشي على عالم؟ هنا الركوع الثاني هو راكع الرسول -﵊- ركوع طويل، ثم يرفع لينظر هل أنجلى الكسوف، ثم يرجع إلى ركوعه، هذا هو الرفع الذي حصل، هل يتصور أنه جاء في مثله ..، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول هذا مجرد رفع لينظر فقط؟ المقصود أن مثل هذا الجواب يثبت لرد مثل هذه النصوص أو لمعارضة مثل هذا؟ لا يمكن.
"ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود" أطال السجود، المعروف عند الشافعية أن السجود لا يطال، وكأنه لم يثبت عندهم، والشافعي لم يذكره في الأم، وتبعوه على هذا، لكن الحق أحق أن يتبع، والعبرة بما جاء عن النبي -ﷺ-، ولذا قال بعض الشافعية: بأنه يطال طردًا لقول الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقد صح بذلك.
"ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى" نعم في بعض الروايات: ثم قام قيامًا طويلًا للركعة الثانية، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجودًا طويلًا، وهو دون السجود الأول إلى آخره.
[ ١٧ / ٢٣ ]
وهنا يأتي البحث في الأولية هنا هل هي أولية نسبية أو نسبية مطلقة؟ إذا قلنا: أولية مطلقة قلنا: إن القيام في المواضع الثلاثة متساوي، في الثاني والثالث والرابع، هذا القيام متساوٍ، يعني إذا قرأ في القيام الأول سورة البقرة، فيقرأ في الثاني آل عمران، وفي الثالث الأعراف؛ لأنها بقدرها، بقدر آل عمران، ثم للقيام الرابع سورة بقدر، أو يجمع بين سورتين بقدر آل عمران والأعراف، تكون متساوية، لكنها يشملها وصف واحد وهي دون القيام الأول.
وإذا قلنا: إن الأولية نسبية، قلنا: الأول طويل جدًا، الذي يليه طويل، لكنه دونه، والثالث يلي الثاني، لكنه دونه، والرابع يلي الثالث لكنه دونه، فيكون الأول بالنسبة لما قبله، الأول أولية مطلقة هو الذي لم يتقدمه شيء، الثاني تقدمه الأول، لكنه أول بالنسبة للثالث، والثالث تقدمه اثنان، لكنه أول بالنسبة للرابع وهكذا، وعلى هذا يكون القيام الأول طويل جدًا، يليه الثاني ثم الثالث ثم الرابع وهكذا.
"ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد تجلت الشمس" إذا قرأ في القيام الأول سورة البقرة، وسورة بنحو آل عمران في الثانية وهكذا، زمن طويل، نعم زمن طويل مع ركوعه الطويل وسجوده الطويل "وقد تجلت الشمس" لكن لو أنصرف ولم تتجل الشمس؟ يعيدون الصلاة؟ لا، الصلاة ما تعاد، وإنما يكثرون من الذكر والدعاء.
طالب:. . . . . . . . .
في مكانهم أو إذا انصرفوا ما في ما يمنع.
"ثم أنصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه" أستدل بهذا من يقول: إن صلاة الكسوف لها خطبة، وهو صريح في الدلالة على ذلك، خطب الناس، والصحابي يعرف معنى الخطبة.
[ ١٧ / ٢٤ ]
"فحمد الله، وأثنى عليه" مقومات الخطبة "ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك» " إلى آخر الحديث، فدل على أن صلاة الكسوف لها خطبة أخذًا من هذا الحديث، ويخالف جمع من أهل العلم ويقولون: إنها ليس لها خطبة راتبة، وإنما قد يوجد ما يدعو إلى موعظة، أو دفع إشكال أو شبهة، أو تنبيه على مخالفة، إذا وجد مثل هذا، كما وجد في عصره -﵊- أنهم قالوا: كسفت لموت إبراهيم، فأراد النبي -﵊- كشف هذه الشبهة، ولم يرد الخطبة.
«فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا» لا شك أن الصدقة على ما تقدم في باب صلاة العيد تدفع مثل هذه الأمور المخوفة، وتطفئ غضب الرب، فهي مناسبة جدًا مع الذكر والدعاء، والإكثار من الاستغفار "ثم، قال: «يا أمة محمد، والله ما من أحد أغيرَ» " أو أغيرُ؟ «والله ما من أحد» (من) هذه زائدة لتأكيد النفي، و(أحد) مجرور لفظًا مرفوع محلًا، اسم (ما) وخبرها (أغير) فإن كانت حجازية قلنا: أغيرَ، تعمل عمل ليس، وإن كانت تميمية قلنا: أغيرُ «من الله -﷾-» ويوصف الله -جل وعلا- بالغيرة على ما يليق بجلاله وعظمته «أن يزني عبده أو تزني أمته» الزنا الفاحشة أمرها عظيم، وشأنها خطير من كبائر الذنوب، بإجماع أهل العلم، فالله -جل وعلا- يغار، فلا بد من وضع ..، وقد وضع الشرع الاحتياطات الكفيلة بمنع هذه الفاحشة «أو تزني أمته».
«يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم» يعني ما عند الله -جل وعلا- من العذاب للعصاة والمخالفين «لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا» ولو علم الناس ما عند الله من العذاب والانتقام ما طمع في رحمته أحد، ولو علم ما عنده من سعة الرحمة والنعيم المقيم ما أيس من رحمته أحد، المقصود أنه لا بد أن يجمع الإنسان بين المقامين مقام الخوف ومقام الرجاء.
[ ١٧ / ٢٥ ]
«والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا» مع الأسف أن مجالس الناس ومحافلهم معمورة بالطرائف والنكت، وهذا ديدن كثير من الناس، منهم من ينقل ويؤثر عن غيره، ومنهم من يبتدع ويختلق القصص، وينسب إلى بعض الناس، أو إلى بعض الجهات، ويلصق بهم ما ليس فيهم، وهذا شأنه عظيم، وقد جاء في الخبر، ويل لمضحك القوم.
«ولبكيتم كثيرًا» وفي لفظ: "فأستكمل أربع ركعات وأربع سجدات" لا بد من السرعة في الشرح على شان الباقي كثير جدًا.
نعم.
عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: خسفت الشمس على زمان رسول الله -ﷺ- فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد فقام فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: «إن هذه الآيات التي يرسلها الله تعالى لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئًا فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره».
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الرابع من باب صلاة الكسوف:
"وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري -رضي الله تعالى عنه- قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ- فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة" جاءه ما ذهله، وإلا فالساعة مسبوقة بعلامات لم تحصل، فكيف يخشى -﵊- مع أن العلامات التي أخبر هو بها لم تحصل؟ هذا أمر بالنسبة لأرباب العقول والألباب والقلوب الحية السلمية لا شك أنه مذهل، لكن إذا ماتت القلوب فلا فائدة.
خرج -﵊- "قام فزعًا يخشى أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد فقام فصلى بأطول قيام" وعرفنا أنه نحو من سورة البقرة، وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاته قط لطوله "ثم قال: «إن هذه الآيات» ومنها الشمس والقمر «التي يرسلها الله تعالى لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده» " كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [(٥٩) سورة الإسراء].
[ ١٧ / ٢٦ ]
«فإذا رأيتم منها شيئًا» (شيئًا) نكرة في جواب الشرط فتعم «فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره» ولذا يقول جمع من أهل العلم: إن الآيات كلها يصلى لها مثل صلاة الكسوف، زلزلة مثلًا، أو ظلمة في النهار، أو ضوء شديد في الليل، أو تساقط نجوم، أو ما أشبه ذلك من الآيات المخوفة يصلى لها، وقد صلى بعض الصحابة للزلزلة، لكن لم يثبت بشيء منها ما يدل على أنه يصلى لها إلا مثل هذا العموم.
«إن مثل هذه الآيات التي يرسلها الله تعالى لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئًا فافزعوا إلى ذكره وإلى دعائه واستغفاره» لا شك أن مثل هذه الآيات مخوفة، ولو لم يرد فيها نص يدل على الصلاة من أجلها على هذه الصفة، لكن قوله: «فافزعوا إلى ذكر الله وإلى دعائه واستغفاره» بما يدفع به مثل هذا الأمر المخوف من الذكر والدعاء والاستغفار والندم والتوبة والإقلاع والصدقة، وغير ذلك مما يستدفع به البلاء، هذا متجه، أما الصلاة فهي خاصة بالشمس والقمر.