عن عبد الله بن عاصم المازني قال: خرج النبي -ﷺ- يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، وصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، وفي لفظ: أتى المصلى.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: الاستسقاء
والسين والتاء للطلب، يعني طلب السقيا من الله -جل وعلا-، إذا قام السبب من الجدب، القحط، واحتاج الناس إلى نزول المطر يستسقون، والنبي -﵊- استسقى على أوجه: منها ما في هذا الباب، مما يقترن بالصلاة صلاة الاستسقاء، ومنها ما هو في خطبة الجمعة، كما سيأتي في الحديث الثاني، يستسقي في خطبة الجمعة، ومنها: أن النبي -﵊- استسقى عند أحجار الزيت، دعا فسقوا، واستسقى النبي -﵊- بالدعاء في إحدى الغزوات لما سبقهم المشركون إلى الماء وغير ذلك، المقصود أنه -﵊- يُجاب، أجيب في جميع استسقاءاته، ونزل المطر، وزالت الشدة.
[ ١٧ / ٢٧ ]
"عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني" هذا راوي الوضوء، بخلاف عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي حديث الأذان "-﵁- قال: خرج النبي -ﷺ- يستسقي" خرج، فدل على أن صلاة الاستسقاء يُخرج لها عن البلد، وتكون في الصحراء كالعيد "يستسقي فتوجه إلى القبلة" لكن إذا وجد الداعي لئن تصلى في المساجد، إذا وجد الداعي لذلك فلا مانع منه، لكن الأصل أنها يُخرج لها، يعدهم يومًا يستسقون فيه، ثم يخرجون إلى الصحراء.
"خرج النبي -ﷺ- يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة" في بعض الروايات: "كما يصلي في العيد" ولذا يشرع التكبير في أول صلاة الاستسقاء، مثل التكبير لصلاة العيد، المقصود أنه توجه إلى القبلة "ودعا وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" وفي لفظ: أتى المصلى، يعني ثم بعد ذلك "دعا، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين" ثم صلى ركعتين يدل على أن الصلاة بعد الدعاء، وجاء ما يدل على أن الصلاة قبل، وفي الأمر سعة، يعني إن قدم الدعاء قبل الصلاة فلا بأس، وإن أخر عنها فلا بأس، بعضهم يجمع بين ما اختلف من الروايات بأنه يبدأ بدعاء خفيف، ثم يصلي الركعتين، ثم بعد ذلك يخطب الخطبة المتضمنة للدعاء المفصل.
يقول: "ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" فدل على أن صلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة كالجمعة، وإن كانت نهارية، خلافًا لمن يطرد القول بأن صلاة الليل جهر، وصلاة النهار سر، فيفرق بين كسوف الشمس، وخسوف القمر، فالشمس سرية، والقمر جهرية، والخلاف معروف بين أهل العلم، لكن الأدلة دلت على الجهر بهذه الصلوات.
نعم.
[ ١٧ / ٢٨ ]
عن أنس بن مالك أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب، فاستقبل رسول الله -ﷺ- قائمًا، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله -ﷺ- يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله قائم يخطب، فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله -ﷺ- يديه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر» قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس.
قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري.
الضراب: الجبال الصغار، والآكام: جمع أكمة، وهي أعلى من الرابية، ودون الهضبة، ودار القضاء: دار عمر بن الخطاب -﵁-، سميت بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثاني:
"عن أنس بن مالك -﵁- أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب الجمعة" ودار القضاء المتبادر من اللفظ: أنها المكان المعد للقضاء، وفصل الخصومات بين الناس، لكنها ليست كذلك، إنما عرفت بهذا الاسم؛ لأنها كانت لعمر -﵁-، فأوصى بها أن تباع وتقضى ديونه، ويقضى من قيمتها ديونه -﵁ وأرضاه-، وهو الخليفة الراشد، المقصود أن عمر -﵁- كان مديونًا، بيعت داره وسددت الديون منها.
[ ١٧ / ٢٩ ]
"ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب" والجمعة حال، والحال أن رسول الله -ﷺ- قائم يخطب "فاستقبل رسول الله -ﷺ- قائمًا" يعني الرجل استقبل النبي -﵊-، يعني وجهًا لوجه، قائم بإزائه ليراه "ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا" وفي رواية: "يغيثنا" بالياء، هذا الرجل اختلف في اسمه هل هو أبو سفيان أو غيره؟ المقصود أنه لا يترتب على ذكره فائدة.
"هلكت الأموال" من القحط والجدب، وعيشها بالكلأ والعشب، فإذا عدم هذا هلكت الأموال التي هي ذوات الأرواح "وانقطعت السبل" يعني الطرق انقطعت، لماذا؟ لأنها صارت مفاوز مهلكة، لا يوجد فيها ماء للشرب ولا للاستعمال، فيؤدي هذا إلى انقطاعها.
"فادعُ الله يغثنا" وفي رواية: يغيثنا، فإذا كانت بلفظ: "يغثنا" فهي جواب الطلب، ادع الله يغثنا، أو جواب شرط مقدر، ادع الله فإن تدعه يغثنا، وعلى "يغيثنا" إما أن يقال: إنها إشباع، الياء هذه إشباع "إنه من يتقي ويصبر" إشباع، أو يقال كما قيل في: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ [(٥ - ٦) سورة مريم] ما قال: يرثْني، والتوجيه ذكر في التفسير.
"قال: فرفع رسول الله -ﷺ- يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» " ثلاثًا، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا تكلمَ تكلم ثلاثًا، وإذا سلمَ سلم ثلاثًا.
"قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة" لا في سحاب متصل بعضه ببعض، ولا متفرق؛ لأن القزع الأشياء المتفرقة، ومنه القزع في رأس الصبي، وهو حلق بعض شعره وترك بعضه "ليس فيه سحاب ولا قزع، وما بيننا وبين سلع" وهو جبل في المدينة "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار" يستفاد من هذا؟ الفضاء من المسجد إلى سلع، يعني لو كان فيه بيوت يحتمل أن يكون في السماء سحاب لا يرى مما يحول دونه من البيوت، لكن المجال مكشوف، وليس فيه لا سحاب ولا قزع.
"قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس" يعني مثل هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٧ / ٣٠ ]
بقدر المدينة، مثل الترس "فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا" مطر متتابع سبتًا، يعني أسبوع، ويطلق البعض ويراد الكل، وإلا فالسبت اليوم المعروف، يطلق على الأسبوع سبت، ويطلق عليه جمعة، باعتبار أنه جزء من أجزائه.
"فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة" الجمعة الثانية التي تليها دخل رجل ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب بالناس، "فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل"
[ ١٧ / ٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم