عن أبي هريرة -﵁-: "أن رسول الله -ﷺ- لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة، فقال: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس».
نعم، الباب باب الغسل من الجنابة:
الموجب للغسل هو الجنابة، وما في حكمها مما يكون سببًا لخروج المني من مخرجه المعتاد بلذة.
[ ٣ / ٢٥ ]
يقول: "عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب" جنب: متلبس بالجنابة، متلبس بجنابة موجبة للغسل، قال أبو هريرة: "فانخنست منه" انسللت، خنس تأخر، ولذا جاء في وصف الشيطان أنه وسواس خناس، يوسوس لمن غفل عن ذكر الله -﷿- ويخنس ويتأخر عمن يذكر الله -﷿- "فانخنست منه فذهبت" انخنس لئلا يجالس النبي -﵊- على غير طهارة، وهو متصف بالحدث الأكبر، فاغتسل، رفع الحدث، ثم جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» لماذا تخلفت؟ لماذا تأخرت؟ لماذا انخنست؟ قال: "كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك" وهذا من احترام الصحابة للنبي -﵊-، لكن الجنب طاهر ليس بنجس، طاهر من الخبث لكنه غير طاهر من الحدث؛ لأن الطهارة إما أن تكون عن خبث أو تكون عن حدث، فيمكن أن يقال: إن الجنب طاهر غير طاهر، طاهر باعتبار أنه ليس بنجس، والمسلم لا ينجس، وهو أيضًا غير طاهر يعني غير متطهر، متلبس بالحدث، فالجهة منفكة، ما يقال: وصفان متناقضان، لا يمكن أن يطلقا على ذات واحدة في آن واحد، يمكن أن يطلقا على ذات واحدة في آن واحد؛ لأن الجهة منفكة.
" «أين كنت يا أبا هريرة؟» " قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة" كلام صحيح، هو على غير طهارة؛ لأنه محدث، "فقال النبي -﵊-: «سبحان الله» تعجب، «إن المسلم لا ينجس» وقد جاء في قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [(٢٨) سورة التوبة] والمسلم لا ينجس، والكفار والمشركون نجس، ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [(٢٨) سورة التوبة] وهي نجاسة معنوية عند جمهور أهل العلم، وإن حملها بعضهم على أنها نجاسة حسية، والمسلم لا ينجس ولو تلبس بما يوجب الغسل، ففي هذا دليل على طهارة الجنب، طهارة سؤره إذا شرب من شيء طاهر، طهارة عرق الجنب، يجالس يؤاكل، لا بأس، جميع تصرفاته صحيحة، ولا تمنعه الجنابة إلا من مزاولة ما يفترض له الغسل، نعم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
[ ٣ / ٢٦ ]
وعن عائشة -﵂- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد، نغترف منه جميعًا".
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"عن عائشة -﵂- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- إذا اغتسل من الجنابة" يعني إذا شرع في غسله من الجنابة غسل يديه، كما أنه إذا أراد أو شرع في الوضوء غسل يديه ثلاثًا، وهنا: يغسل يديه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، قبل ذلك بعد أن يغسل يديه يغسل فرجه وما لوثه، يغسل اليدين ثم الفرج وما تلوث، ثم بعد ذلك ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، وضوءًا كاملًا، وقد يؤخر غسل الرجلين إلى ما بعد الغسل والانتقال من المكان لا سيما إذا كان المكان غير نظيف، يعني محل الطين ونحوه، فينتقل منه إلى مكان آخر فيغسل رجليه، بعد أن يعمم بدنه بالماء.
تقول: "كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة" مقتضى ذلك أنه يغسل رجليه، وجاء في بعض الروايات: أنه يؤخر غسل الرجلين، ولا يمنع أن يتوضأ وضوءه للصلاة كاملًا بما في ذلك غسل الرجلين، ثم يغتسل يعمم بدنه بالماء، ثم إذا خرج من المكان الملوث بالماء والطين يغسل رجليه، وبهذا تجتمع النصوص.
"ثم يغتسل" ثم شرح هذا الغسل بأن يخلل بيديه شعره، يفيض الماء على رأسه ثلاثًا، ثم يغسل شقه الأيمن ثلاثًا، ثم الأيسر ثلاثًا، "ثم يخلل بيديه شعره" ليصل الماء إلى أصول الشعر، التخليل بأن يدخل الأصابع في خلل الشعر فيتخلل فيصل الماء إلى أصول هذا الشعر، وعلى هذا إذا وجد ما يمنع من وصول الماء إلى الشعر مما يوضع على الرأس من دهن بحيث ينبو الماء عن الشعر، ولا يصل إلى أصوله يزال إذا لُبد على الرأس علاج مثلًا له جرم يمنع من وصول الماء إليه، أو حناء أو ما أشبه ذلك يزال، فيخلل بيديه شعره "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات" أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات، "ثم غسل سائر جسده".
[ ٣ / ٢٧ ]
الغسل المجزئ تعميم البدن بالماء على أي وجه يكون، إذا عمم البدن بالماء ارتفعت الجنابة، لكن السنة أن يفعل هكذا يغسل يديه، يغسل فرجه وما لوثه، يخلل شعره بيديه، يفيض الماء على رأسه ثلاثًا، يغسل شقه الأيمن ثلاثًا، ثم الأيسر ثلاثًا، هذا غسل كامل، "ثم غسل سائر جسده" يعني الباقي، والسائر هو الباقي، باقي الجسد.
"وكانت تقول: "كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد، نغترف منه جميعًا".
"كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ-" (أنا) هذه جيء بها للفصل بين الضمير المرفوع وما عطف عليه، "كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد" فدل على أنه لا مانع من أن يغتسل الرجل والمرأة جميعًا، يغترفان جميعًا، تغرف منه ويغرف، وكان كثيرًا ما يقول: «دعي لي» وكثيرًا ما تقول: "دع لي" تختلف أيديهما في الإناء.
وجاء النهي عن أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، جاء النهي عن أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والعكس، لكن ثبت أن النبي -﵊- اغتسل وتوضأ بفضل ميمونة، واغتسل مع عائشة، وكان الرجال والنساء يتوضئون في عهد النبي -﵊- جميعًا فلا مانع من أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، والحديث الذي ذكر فيه كلام لأهل العلم، وأصرح منه وأصح أن النبي -﵊- اغتسل بفضل بعض نسائه.
"نغترف منه جميعًا" تختلف أيديهم فيه، حتى يقول: «دعي لي» اتركي لي، وتقول: "دع لي" يعني اترك لي، نعم.
وعن ميمونة بنت الحارث زوج النبي -ﷺ- قالت: "وضعت لرسول الله -ﷺ- وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين -أو ثلاثًا- ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض، أو الحائط، مرتين -أو ثلاثًا- ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ثم تنحى، فغسل رجليه، فأتيته بخرقة فلم يردَّها"
يُردْها، فلم يُردْها.
"فلم يُردْها، فجعل ينفض الماء بيديه".
[ ٣ / ٢٨ ]
عن ميمونة بنت الحارث -﵂- أم المؤمنين زوج النبي -﵊- أنها قالت: "وضعت لرسول الله -ﷺ-"، وأمهات المؤمنين أعرف الناس بهذه الأمور الخاصة من النبي -﵊-، قالت: "وضعت لرسول الله -ﷺ- وضوء الجنابة" يعني الماء الذي يغتسل منه عن الجنابة وغيرها، الماء الذي يتوضأ به وضوء، الماء الذي يغتسل به وضوء، المقصود أنه ماء، "وضعت لرسول الله -ﷺ- وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين -أو ثلاثًا-" وجاء بدون شك أنه غسل يديه ثلاثًا، "مرتين أو ثلاثًا، ثم غسل فرجه" نعم لا بد من غسل ما على الفرج مما تلوث بسبب الجنابة، سواءً كانت من احتلام أو من زوجة، "ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالحائط" نعم بالأرض، أو الحائط، من أجل أن تتنظف، فركها بالأرض، فركها بالحائط، وكذا لو استنجى من غير جنابة، من بول أو غائط يضرب بيده على الأرض، يمسح بها الأرض ليزول الأثر، "ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين -أو ثلاثًا-" على الشك، "ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء" يعني توضأ وضوءًا غير كامل، توضأ غسل وجهه وذراعيه، يعني بعد أن تمضمض واستنشق غسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، وهنا لم يذكر مسح الرأس، بينما أُخر غسل الرجلين، وتقدم البحث فيه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل سائر جسده، غسل باقي الجسد، ثم تنحى، يعني انتقل من مكانه الذي هو فيه انتقل، إما لما في الأرض من أوساخ تسببت عن اختلاط الماء بالتراب، لا يتصور أن أماكن الغسل عندهم مبلطة، فيها ما يمنع من اختلاط الماء بغيره، لا، "ثم تنحى، فغسل رجليه، فأتيته بخرقة" منديل، لكي يمسح أثر الغسل "فلم يردْها، فجعل ينفض الماء بيديه" لم يردها، ما استعمل المنديل -﵊- هنا؛ لأن من توضأ ومثله من اغتسل تخرج ذنوبه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، ولذا ينبغي أن لا يحرص الإنسان على التمسيح إلا إذا كان هناك حاجة، يعني إذا كان الجو بارد يتمسح، يتمندل، لا بأس، لكن إذا كان الجو طيب أو حار يترك الماء لتخرج ذنوبه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، جعل ينفض الماء بيديه،
[ ٣ / ٢٩ ]
يعني ينفضه عن يديه لينزل منها الماء، والله المستعان، نعم.
وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد».
عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: يا رسول الله أيرقد؟ -يعني أينام؟ - أحدنا وهو جنب؟ " متلبس بالجنابة، قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد».
الأصل أن يغتسل ليبرأ من عهدة هذا الواجب، ويسارع إلى إبراء ذمته؛ لأنه ما يدري ما يطرؤ عليه، وهو أيضًا الجنب ..، البيت الذي فيه جنب جاء الخبر أنه لا تدخله الملائكة، فعلى الإنسان أن يحرص على دخول الملائكة إلى بيته، إن لم يستطع أو عجز أو كسل عن الغسل لرفع هذا الحدث يتوضأ، وأيضًا الوضوء على سبيل الاستحباب عند جماهير أهل العلم.
أيرقد أحدنا وهو جنب؟ ينام أحدنا وهو جنب؟ يسألون النبي -﵊-، قال: «نعم» ينام أحدكم وهو جنب، ولا يلزم أن يغتسل، لكن إن خفف هذه الجنابة ولو بالوضوء كان أولى، نعم.
وعن أم سلمة زوج النبي -ﷺ- قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «نعم، إذا رأت الماء».
[ ٣ / ٣٠ ]
وعن أم سلمة -﵁- أم المؤمنين زوج النبي -﵊- أنها قالت، مقدمة بين يدي سؤالها؛ لأن السؤال مما يستحيا منه غالبًا، تستحيي منه النساء، فقدمت بين يديها مقدمة قالت: إن الله لا يستحيي من الحق، لا يستحيي بياءين، هذه مقدمة بين يدي السؤال الذي يستحيا منه، إن الله لا يستحيي من الحق، بياءين، فإذا دخل على الفعل يستحيي جازم حذف إحدى الياءين، فجاء في الحديث الصحيح: «إذا لم تستحي» ما هو بتستحيي، بياء واحدة، «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» باعتبار أن الكلمة فيها ياءين، لكن لو كانت ياء واحدة لحذفت مع الجازم، فقيل: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [(٢٦) سورة البقرة] وهنا قدمت بهذه المقدمة لكي تدخل إلى السؤال الذي تريده، وهكذا ينبغي أن يكون الأدب في الألفاظ التي قد يكون في التعبير عنها بصراحة شيء مما يخجل منه، لا سيما النساء اللاتي ينبغي أن يتصفن بالحياء، نعم الذي لا يمنعهن من التفقه في الدين، لكن لا ينبغي الاسترسال أيضًا في الكلام الفاحش البذيء ولو من الرجال، لكن النساء قد يكون الأمر بالنسبة لهن أعظم، وأما الرجال لا ينبغي أن يتفوهوا بالكلمات الفاحشة البذيئة.
جرت عادة الشرع الكناية عن بعض الألفاظ التي يُستحيا من ذكرها، لكن إذا لم يكن هناك مفر من ذكرها وترتب عليها بعينها حكم شرعي لا بد أن تذكر، ولو كانت مما يستحيا منه.
"إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ " إذا رأت في منامها أنها تجامَع، الرجل إذا احتلم يغتسل، لكن هل المرأة مثل الرجل تغتسل؟ قال: «نعم، إذا هي رأت الماء» علق الوجوب برؤية الماء.
[ ٣ / ٣١ ]
فعلى هذا لو رأى الشخص أو رأت المرأة أنها يحصل لها شيء من ذلك في النوم، ولا رأت ماء، ولا أثر لذلك فإنه لا يلزمها الغسل، فالغسل معلق برؤية الماء، وفي الحديث: «الماء من الماء» الحديث الصحيح: «الماء من الماء» وإن كان بعضهم يرى أن هذا الحديث منسوخ، لكن إن أمكن حمله على حالة الجنابة فهو صحيح، وإن كان المقصود به بجميع الأحوال أنه لا غسل إلا مع خروج الماء فلا، فالحديث الصحيح: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ولو لم ينزل» وحديث: «الماء من الماء» كما قال الترمذي: منسوخ.
"فقال رسول الله -ﷺ-: «نعم إذا هي رأت الماء» " فعلق وجوب الغسل على رؤية الماء، والنساء كما هو معلوم شقائق الرجال، فما وجب على الرجل وجب على المرأة إلا ما خصه الدليل، والله أعلم.
وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٣ / ٣٢ ]