عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة».
وعن النعمان بن بشير -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» ولمسلم: كان رسول الله -ﷺ- يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلًا باديًا صدره فقال: «عباد الله لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: الصفوف
[ ٨ / ٢٤ ]
والصفوف جمع صف، يقول: "عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «سووا صفوفكم» " وهذا أمر بالتسوية، والمراد بالتسوية التعديل، تعديل الصفوف عن الاعوجاج، ومن التسوية التراص في هذه الصفوف، بحيث لا يوجد فيها فرج تكون موضعًا للشيطان، فالتسوية تكون بتعديل الصفوف، وكثير من المسلمين هداهم الله لا يهتمون بهذا الأمر، والأمر فيه شديد، كما سيأتي في حديث لاحق «لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» فالأمر هنا للوجوب، والعلة في ذلك «فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» قد يقول قائل: إن العلة تدل على الاستحباب وقد قيل بذلك، من تمامها، يعني من كمالها، فالتسوية أمر بالنسبة للصلاة كمالي؛ لأنه لا يعود إلى ذاتها ولا إلى شرطها فيكون كماليًا، لكن النص صريح في الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، وتمام الشيء بجميع أجزائه، إنما يكون تمام الشيء بفعل جميع أجزائه، من تمام الصلاة قراءة الفاتحة، من تمام الصلاة أن الشيء لا يتم ولا يكمل إلا بصورته المجتمعة، بما في ذلك الأركان والواجبات والسنن، هذا تمامه، تمامه يكون بجميع أجزائه، وأما قول من يقول: إن التمام لا يدل على الوجوب لأن التمام قدر زائد على أصل الشيء فليس الأمر كذلك، السلام من تمام الصلاة، ولا تتم الصلاة إلا بقراءة، ولا تتم الصلاة إلا بركوع، ولا تتم إلا بسجود، وتشهد وسلام وغير ذلك، فلا تتم الصلاة إلا باجتماع أركانها، وتوافر شروطها وأركانها وواجباتها وسننها أيضًا، فالصلاة إنما تتم بهيئتها المجتمعة على الصورة التي رئي النبي -﵊- يصليها «صلوا كما رأيتموني أصلي» وعرفنا أن من التمام ما هو ركن، ومن التمام ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، فلا يتعين أن يكون قوله في الحديث: «فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» هل الصلاة التي لا يقرأ فيها صلاة تامة؟ ليست بتامة، ناقصة؛ لأن التمام في مقابل النقصان، فالشيء الناقص قد يكون نقصه نقصًا مخلًا، كترك الأركان والواجبات إذا كانت عن عمد، وقد لا يكون مخلًا في المستحبات، فلا يتعين أن يكون التمام في المستحبات، كما يقول من يصرف الوجوب إلى الندب بالعلة؛ لأن العلة تصرف عند أهل
[ ٨ / ٢٥ ]
العلم العلة تصرف لكن متى تصرف؟ إذا تمحضت للندب، أما هنا ليست خالصة للندب، فالتمام يقابله النقص، فإذا نقص من صلاته واجبًا، أخل بصلاته لا سيما إذا كان عن عمد، أما إذا كان عن سهو فيجبر بالسجود على ما سيأتي، ويؤيد القول بالوجوب حديث النعمان بن بشير الذي يليه: -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لتسوون صفوفكم» اللام لام الأمر، والأمر الأصل فيه الوجوب، وهذا أمر مؤكد، اللام هذه موطئة لقسم محذوف، واللام تكون هذه حينئذٍ للتأكيد، كأنه قال: والله لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم، ومخالفة الوجوه تكون بإعراض بعضهم عن بعض، وذلك تابع لمخالفة القلوب، فإذا انصرف بعض المسلمين عن بعض بالوجوه، هذا ناشئ وناتج عن تنافر القلوب، الذي من آثاره التقاطع والتدابر، وكل هذه الأمور محرمة، وما أدى إلى المحرم فهو محرم، فعدم تسوية الصفوف يؤدي إلى هذا المحرم فهي محرمة، وهذا وعيد شديد، لا يظن الإنسان أن هذا أمر سهل، أن يتقاطع المسلمون ويتهاجروا، هذا من عظائم الأمور، والله لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا، وجاء النهي عن التقاطع والتدابر والتهاجر، وهذا من أسبابه، ونلاحظ في المساجد الآن قد يكون في هذا المسجد، تكون بعض السواري سبب في تقدم بعض الناس أو تأخرهم عن الصف، والناس في الغالب يتبعون الفرش، فإذا مالت الفرشة يمينًا أو شمالًا انحرفوا عن الصف، فعلى الإنسان أن يعنى بهذا عناية تامة؛ لئلا يقع في الوعيد الشديد المذكور في الحديث، وعلى الإمام أن يتعاهد الجماعة، ويسويهم كما يسوي النبي -﵊- أصحابه كالقداح، على كل حال هذا الأمر في غاية الأهمية، يرد ها هنا مسألة وهي وضع الخطوط في الفرش من أجل تسوية الصفوف، لا شك أن هذا أمر حادث لم يوجد في عهده -﵊-، ولا في عهد سلف هذه الأمة، والقاعدة أن ما وجد سببه في عصر النبي -﵊- وأمكن فعله ولم يفعله يكون بدعة، وهل يمكن إيجاد مثل هذه الخطوط في عهده -﵊-؟ وهل الحاجة الداعية لإيجاد هذه الخطوط في عهده -﵊- مثل الحاجة الداعية إليه في عهدنا؟ أولًا: الحاجة تختلف، من
[ ٨ / ٢٦ ]
الحاجة الشيء اليسير الخفيف الذي لا يقتضي إحداث، فإذا كان الصف قصير في حدود عشرة رجال يمكن تسويتهم بالراحة؛ لأن هؤلاء ما يحتاجون إلى خطوط، لكن إذا كان الصف يستوعب مائة، وكلكم أدركتم في مصلى العيد قبل وضع الفرش كيف يصلي الناس؟ كأنهم حول الكعبة، دوائر، نحن أدركنا هذا، وتسوية الصفوف واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذا كثرت الجموع كيف يسويها الإمام؟ نعم عليه أن يهتم بذلك، ويعنى بذلك، وينبه الجماعة، لكن كثير من الناس يحتاج إلى تنبيه أكثر من البعض، فهذه الخطوط السبب قائم في عهده -﵊-، والحاجة موجودة، لكن ليست في قوة الحاجة الداعية إلى الآن، أولًا لاهتمام النبي -﵊- بالصفوف، والأمر الثاني اهتمام الصحابة وامتثالهم أمر النبي -﵊-، وقصر الصفوف، كل هذا يخفف من الحاجة في عهده -﵊-، أما في عصرنا فالناس قل الاهتمام عندهم، فإذا وجد من المأمومين من يعاند الإمام، ويتلفظ ببعض الألفاظ إذا طلب منه التسوية فلا شك أن الانصراف والتساهل موجود، فيحتاج الناس إلى ما يعنيهم، وهذا يخفف في حكم هذه الخطوط، فلا يحكم ببدعيتها؛ لأن الحاجة داعية؛ الحاجة ماسة إلى ذلك، كما أن الحاجة داعية إلى وجود ما يكبر الصوت، الناس إذا كثرت الجموع ما يسمعون شيئًا، بل قد تتعرض صلاة بعضهم للبطلان، لا يسمعون تكبير، ولا يسمعون رفع ولا سجود ولا خفض، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك إلى أمر أصله مباح فلا مانع من ذلك -إن شاء الله تعالى- وعلى ضوء مثل هذا الكلام جاءت الفتوى بإيجاد مثل هذه الخطوط، والعمل بها، والخط أيضًا الموجود أمام الحجر الأسود من أجل بداية الطواف ونهايته، الحاجة داعية إلى ذلك، لكن تحقيق هدا الخط في المطاف للمصلحة ظاهر، لكن ترتب عليه مفاسد، وجد زحام شديد، ووجد من يصلي على هذا الخط، فوجد فيه مصلحة ومفسدة، والحكم حسب ما يترجح من هذين، ووجد بناء على فتوى بأن المصلحة ظاهرة، كثير من الناس لا يدري من أين يبدأ الطواف؟ ويسأل سائل يقول: إنه بدأ الطواف من رجل إسماعيل، وين رجل إسماعيل؟ نعم، المقام، بدأ الطواف من رجل ، مثل هذا يحتاج إلى ما يعينه على
[ ٨ / ٢٧ ]
تصحيح عبادته، لكن إذا ترتب على ذلك مفسدة أكبر من هذه المصلحة، فالأصل العدم، ولذا احتمال يعاد فيه النظر، على كل حال مثل هذه الخطوط أمرها -إن شاء الله تعالى- يسير، والمصلحة ظاهرة وراجحة ولا مانع منها، لكن يبقى مسألة زخرفة الفرش وغيره والتصفير والتحمير هذا أمر مكروه جدًا، فينبغي العناية به، وأيضًا ما يتعلق بالمساجد من زخرفة مما يلهي ويشغل المصلين أيضًا هذه مسألة تحتاج إلى مزيد عناية، ونرى الأمر يزداد، ومع الأسف أن الذي يشرف على بناء هذه المساجد من طلاب العلم، لكن إذا انتهى المسجد وإذا فيه ما يشغل المصلين، فالكلام النظري ما يكفي، لا بد من التطبيق العملي.
" «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» ولمسلم: كان رسول الله -ﷺ- يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح" يسويها يهتم بها ويعدلها تعديلًا تامًا، بحيث يتحاذى المصلون بالمناكب والأقدام، كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يلزق كعبه بكعب جاره، وهذه مسألة أيضًا فرط الناس فيها، ووجد فيها إفراط ووجد فيها تفريط، لكن الكثير التفريط، تجد بين المصلي وجاره شبر من هنا ومن هنا، وإذا أراد أن يتكايس ليطبق سنة وسع ما بين رجليه، علشان إيش؟ يحاذي ما بين الأقدام، لكن أين المحاذاة بالمناكب؟ مقتضى المحاذاة بالمناكب والأقدام أن لا يشغل المصلي أكثر من حجمه، يعني لا يحل الإشكال أنك تمد رجليك، ما يصلح هذا، الخلل موجود في الصف ولو مديت رجليك؛ لأن المطلوب المحاذاة بالبدن كله من المنكب إلى القدم.
[ ٨ / ٢٨ ]
"كأنما يساوي بها القداح" واحدها قدح، وهو السهم قبل أن يراش وينصل، يعني قل: مثل المسطرة، القدح مثل المسطرة، وتجد بعض الناس إذا صف رجل إلى جهة الشمال ورجل إلى جهة الجنوب، وتعجب كيف تطاوعه رجله يسوي كذا؟ أبدًا، الأصل أن الأصابع إلى جهة القبلة؛ لتكون مثل المسطرة، والصفوف كذلك تكون بالمساواة، لكن قد يقول قائل: إن هذا رجله قصيرة، وهذا رجله طويلة، وهذا ساقه طويلة بتقدم ويتأخر، هذه أمور لا تملك، لكن يحرص الإنسان بقدر ما يستطيع من تطبيق ما يملكه فعليه أن يسوي الصف بالمحاذاة بين المناكب والأقدام، ولا يتقدم ولا يتأخر، قد يكون هذا نحيف وهذا بدين، هذا متقدم إلى الأمام، وهذا متقدم إلى الخلف لأنه بدين، هذا ما هو بيده الأمر، الأمر ليس بيده، لكن عليه أن يسعى في تطبيق ما يملك، حتى رأى أن قد عقلنا عنه، قال: ما نحتاج إلى تنبيه آخر، تصور النبي -﵊- أننا لا نحتاج إلى تنبيه آخر من كثرة ما يسوي هذه الصفوف.
[ ٨ / ٢٩ ]
"ثم خرج يومًا وقام حتى كاد أن يكبر" أراد أن يشرع في الصلاة يكبر "فرأى رجلًا باديًا صدره" ناتئًا صدره، قد يقول قائل: أنا أحاذي بالمناكب والأقدام ويطلع بطنه، هذا إيش يسوي ذا؟ هذا ما فيه حيلة، يفعل ما أمر به والزائد ما عليه منه "باديًا صدره" صدره إعرابها؟ فاعل لإيش؟ فاعل لاسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يعمل عمل فعله "فقال: «عباد الله» " الأصل يا عباد الله منادى «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» كما جاء في الحديث في الرواية السابقة، الرواية الأولى متفق عليها، والثانية لمسلم، من أفراد مسلم «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» هذا من المتفق عليه؛ لأنه موافق للرواية الأولى، على كل حال تسوية الصفوف واجبة، ويأثم من يكون سببًا في اختلال الصف، ووصل الصفوف واجب، من وصل صفًا وصله الله، لكن بالمقابل قطعه لا يجوز، من قطع الصف قطعه الله لغير حاجة، لكن قد تدعوه الحاجة إلى أن يقطع الصف؛ لأنه لا يتمكن من أداء صلاته على الوجه المطلوب إلا بقطعها، يعني هذا المكان ضيق جدًا بحيث لا يتمكن من الخشوع في الصلاة، أو غير مستوي، رجل مرتفعة، ورجل طامنة، مثل هذا ما يستطيع أن يؤدي الصلاة على الوجه المطلوب، فمثل هذا يعفى عنه، نعم.
عفا الله عنك.
وعن أنس بن مالك -﵁- أن جدته مليكة دعت رسول الله -ﷺ- لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: «قوموا فلأصلي لكم» قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله -ﷺ-، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم أنصرف -ﷺ-.
ولمسلم: أن رسول الله -ﷺ- صلى به وبأمه فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا، اليتيم قيل: هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك -﵁- أن جدته" جدة من؟ جدة أنس وإلا جدة إسحاق؟ إذًا ما الداعي إلى ذكر إسحاق؟ الأصل أن يقتصر على الصحابي، هذه الجادة عند أصحاب المختصرات كالمؤلف، إذا ذكر الراوي عن الصحابي فللحاجة إليه، هاه؟
نعم؟
[ ٨ / ٣٠ ]
القولان معروفان عند أهل العلم، لكن ما ذكر المؤلف التابعي إلا لأن له علاقة في الحديث، وأن الضمير يعود إليه، ولا شك أن مليكة هي زوجة أبي طلحة، فهي جدة لإسحاق، مليكة هذه أم أنس بن مالك اسمها إيش؟ نعم أم سليم، فهل اسمها مليكة؟ لا، على كل حال الخلاف موجود والشراح أطالوا في هذا، والمؤلف ما ذكر التابعي إلا ليرجح أنه هو المقصود، وأن الضمير يعود إليه.
[ ٨ / ٣١ ]
"أن جدته مليكة دعت رسول الله -ﷺ-" نأتي إلى السند المؤنن هنا، إذا قلنا: إن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة يروي القصة عن أنس كما هو مقتضى (عن) أن جدته مليكة فهل نقول: إن إسحاق يروي قصة لم يشهدها أو يروي قصة عمن شهدها، وإذا قلنا: إن جدته، وإذا قلنا: إنه يروي القصة عمن شهدها فتكون الجدة جدة أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك -﵁- أن جدته، انتبهوا يا الإخوان إلى صيغ الأداة، الآن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، كما قلنا في حديث محمد بن حنفية عن عمار أو أن عمارًا مر بالنبي -ﷺ-، في التفريق بين السند المعنعن والمؤنن، الآن هذه قصة مليكة دعت النبي -﵊- إلى طعام، فمن الذي يروي هذه القصة؟ هل الذي يرويها أنس وإسحاق يرويها عن أنس كما هو مقتضى (عن)؟ فيروي القصة عمن شهدها، فيكون الكلام كالصريح بأن الجدة جدة أنس، إذا كان يروي القصة عن أنس وهذا ما تقتضيه (عن) الصيغة الصريحة، أيضًا ما كل ما جاء بلفظ (عن) يدل على الرواية، ننتبه لهذا، قد يأتي الراوي بـ (عن) ولا يقصد بها الرواية، مثال ذلك؟ ما جاء عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه، هذه رواية عنه أو عن قصته؟ نعم؟ نعم عن قصته وليس طريقها الرواية هذه أبدًا؛ لأنه قتل كيف يروي؟ فهل نقول: بأن المراد بـ (عن) هذه الرواية أنه يروي هذه القصة عن أنس، وأن جدة أنس مليكة دعت رسول الله -ﷺ-، وحينئذٍ يستقيم السياق؟ وإذا قلنا على القول الثاني وهو الذي يرجحه المؤلف بإيراده ذكر التابعي أن الجدة جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، إلا أن يكون الضمير التفت فيه من التكلم إلى الغيبة، فيكون أن جدتي مليكة دعت رسول الله -ﷺ-، لا نطيل في هذا لأن الشراح كلهم ما توصلوا إلى نتيجة بينة، والخلاف قائم؛ لأن عود الضمير في جدته يحتمل، وهي جدة لإسحاق مؤكد، لكن هل هي جدة لأنس بن مالك هذا الكلام.
[ ٨ / ٣٢ ]
"دعت رسول الله -ﷺ- إلى طعام فأكل منه، ثم صلى" أكل -﵊- ثم صلى، عتبان بن مالك دعا النبي -﵊- فصلى ثم أكل، فلماذا قدم الأكل هنا وقدم الصلاة هناك؟
طالب:. . . . . . . . .
طيب وهنا؟ الدعوة للطعام، وهناك الدعوة للصلاة، الدعوة للطعام فقدم الطعام، وهناك الدعوة للصلاة فقدمت الصلاة.
"دعت رسول الله -ﷺ- لطعام صنعته له فأكل منه، ثم قال: «قوموا كي أصلي لكم» قال أنس: "فقمت إلى حصير لنا" الحصير فعيل بمعنى مفعول يعني محصور، أو بمعنى فاعل يعني حاصر، إيش؟ حصير الحصير أكثركم يعرف الحصير لأنه أدرك الحصير، من خوص النخل نعم، هذا هو، لكن هل اشتقاق الفعيل هذه من اسم الفاعل ﴿حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [(٤٥) سورة الإسراء] يعني ساترًا؟ وجاء في وصف جهنم، ماذا قال في سورة الإسراء؟ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [(٨) سورة الإسراء] حصيرًا يعني حاصرة لهم، اسم فاعل، وهل الحصير يحصير من يجلس عليه أو هو محصور محدد الطول والعرض؟ على كل حال هو يحتمل هذا وهذا، والأمر سهل.
"فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس" الحصير، الصلاة على الحصير، هنا صلى النبي -﵊- فصلى على الحصير، وترجم البخاري -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في الصلاة على الحصير، وكره بعضهم الصلاة على الحصير، لماذا؟ للآية؛ لأن فيه مشابهة لجهنم ولو في الاسم، والنبي -﵊- صلى على الحصير، يقول: "فقمت إلى حصير لنا قد أسود" نعم من طول الاستعمال، من كثرة الاستعمال يسود، يجتمع عليه غبار وأوساخ، مثل الفرش الآن، هذا بقايا طعام، وهذا شاي ينكب، وهذا لبن، وهذا كذا، ومع الزمن يسود "قد أسود من طول ما لبس" الأصل من طول ما جلس عليه، الحصير يجلس عليه، ولبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير بالجلوس عليه، ولبس القلم بالكتابة فيه، لبس الكتاب بالمطالعة فيه، فلبس كل شيء بحسبه.
[ ٨ / ٣٣ ]
"من طول ما لبس، فنضحته بماء" النضح دون الغسل، لكن هل النضح مجرد الرش على البساط، أو على الحصير أو على الفرش المتسخ يجدي ويغني، أو إن كان هناك شيء يابس يرطبه؟ اليابس أسهل من الرطب؛ لأن اليابس لا ينتقل، فيطلق النضح ويراد به الغسل، فلعله غسله حتى زال ما به من وسخ، وإلا مجرد النضح يثير هذه الأوساخ "فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله -ﷺ-" يعني يقدم هذا الحصير الخلق المستعمل المسود من كثرة الاستعمال لأشرف الخلق؟! من قرأ ما جاء في عيش النبي -﵊- عرف حقارة هذه الدنيا، وحقيقة هذه الدنيا، وساد النبي -﵊- من أدم، حشوها ليف، وينام على حصير يؤثر في جنبه -﵊-، وعنده ملاءة تصفط صفطتين، يضرب بعضها على بعض وينام عليها لتلين، لكن لما جعلت أربع رضي وإلا رفض -﵊-؟ لأنها تلين أكثر، فإذا لانت، فإذا لان الفراش ثقل الإنسان عن الطاعة، فكيف لو رأى الآن فرش الناس أطول من قامة؟! والنبي -﵊- لو أراد أن تبسط له الدنيا، لو أراد أن تحول له الجبال ذهب حولت، لكنه رفضها؛ لأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل، أو كمن استظل بظل شجرة، هذا بيتخذ هذه الأمور المريحة، لا، ليدخر له أجره، ويوفر له حظه ونعيمه في الآخرة، وحج النبي -﵊- على رحل، وحج أنس بن مالك على رحل ولم يكن شحيحًا، إنما إظهار للعبودية والحاجة على وجهها، والآن إذا اعتمر الإنسان يبحث عن فندق خمس نجوم، ما يليق به، لو ما وجد إلا أربع نجوم رجع، ويبحث عن أغلى الحملات، تذكر أرقام خيالية في الحملات من أقرب الأماكن إلى مكة، أرقام شيء ما يخطر على بال، ينفق الشخص الواحد في هذه الحملة ما تنفقه عشر أسر لمدة سنة، بدون مبالغة هذا موجود، لكن لو يذكر الرقم كان قال: مبالغ فيه، لماذا؟ علشان إيش؟ لمدة أربعة أيام، وحج أنس -﵁- على رحل ولم يكن شحيحًا، هذا الذي يذهب إلى أقدس البقاع ليؤدي هذه العمرة، ويتقرب إلى الله -جل وعلا- في أفضل الأماكن، ويبحث عن خمس نجوم، هذا كيف يجتمع قلبه أثناء عبادته في هذا المكان؟!
[ ٨ / ٣٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم