عن عبد الله ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- وقت لأهل المدينة ذي الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم، وقال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة».
وعن عبد الله بن عمر -﵄- أن رجلًا قال: يا رسول الله ما يلبس
حديث ابن عمر، الحديث الثاني، يهل أهل المدينة
وعن عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن المنازل» قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله -ﷺ- قال: «ويهل أهل اليمن من يلملم».
يقول -﵀-: باب المواقيت، الباب في الأصل ما يدخل ويخرج منه، فالأصل هو للمحسوس مثل هذا الباب الذي يدخل ويخرج منه، ويستعمله أهل العلم لما يضم مسائل، وفصول غالبًا، وهو في هذا الاستعمال حقيقة عرفية، عرف خاص عند أهل العلم.
باب المواقيت: المواقيت جمع ميقات، والمواقيت عند أهل العلم تنقسم إلى زمانية ومكانية، والمراد هنا المكانية، والمواقيت الزمانية للحج: شوال والقعدة، وعشر من ذي الحجة، على خلاف بينهم، هل الشهر الثالث كامل أو العشر الأول منه.
المواقيت المكانية جاءت في حديث ابن عباس وابن عمر -﵃- وغيرها من الأحاديث، لكن عندنا أولًا حديث ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- وقَّت: يعني حدد لأهل المدينة ذا الحليفة، وعلى هذا إذا حدد الشارع شيئًا هل يجوز تجاوزه؟ لا يجوز تجاوزه، وقت يعني حدد، فلا يجوز تجاوزه، خلافًا لمن يقول أن هذه الصيغة لا تدل على الوجوب.
وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة: وهو المعروف بالأبيار مكان معروف قرب المدينة وهو أبعد المواقيت من مكة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، بإسكان الراء قرن المنازل وهي أماكن معروفة مطروقة، ووهِم صاحب الصحاح حيث زعم أن قرن بفتح الراء قرَن ونسب إليها أويس القرَني، وأخطأ في مكانه أيضًا.
المقصود أن صاحب الصحاح وهم في الضبط والتحديد، ونسبة أويس.
[ ٢٦ / ٥ ]
ولأهل اليمن يلملم، ويقال له ألملم، ويقولون الآن: لملم، بدون ياء ولا همز، وقال -﵊-: «هن لهن» هن: أي هذه المواقيت، لهن: أي لأهل تلك الجهات، أو لتلك الجهات والمراد أهلها، «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن»، شخص من أهل العراق مر بالمدينة يحرم من ذي الحليفة، شخص من أهل نجد يحرم من ذي الحليفة، شخص من أهل اليمن مر بالطائف يحرم من قرن المنازل وهكذا ..
«هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة».
«ولمن أتى عليهن من غير أهلهن»: شامي مر بالمدينة وتجاوز ذا الحليفة فلم يحرم منه إلى أن وصل إلى ميقاته، شامي أجَّل الإحرام وقد مر بذي الحليفة أجله إلى الجحفة، أو نجدي مر بذي الحليفة وتجاوزه وقال لا أحرم من السيل، بدلًا من لبس الإحرام أربع ساعات أذهب إلى السيل وألبس الإحرام أقل من ساعة، «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» هل يلزمه شيء أو لا يلزمه؟
طالب:. . . . . . . . .
«هنَّ لهن» الأصل أن هذه المواقيت لأهل تلك الجهات، فإذا أحرم النجدي من قرن المنازل ولو مر بغيره يكون عمل بقوله -﵊-: «هن لهن» عمل بالظاهر، وإذا أحرم من ذي الحليفة يكون عمل بقوله -﵊- «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» مقتضى تأجيل الإحرام إلى ميقاته الأصلي عمل بالطرف الأول، «هن لهن» وإحرامه من الميقات الذي مر به يقتضيه قوله -﵊-: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» لكن إذا فعل هذا الفعل، شامي مر بالمدينة وقال: لن أحرم من الآن، الجحفة قدامي، وأجَّل الإحرام إلى أن وصل الجحفة، لا شك أنه مخالف لقوله -﵊-: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» لكنه له أن يقول: أنا عملت بقوله -﵊-: «هن لهن» فهل عليه من شيء؟ هل عليه من بأس؟
[ ٢٦ / ٦ ]
أولًا من تجاوز الميقات، بغض النظر عن هذه المسألة، تجاوز الميقات بالكلية، يُلزمه جمهور أهل العلم إن لم يرجع قبل إحرامه بدم، لخبر ابن عباس، عمدتهم في ذلك كله خبر ابن عباس، وهذا هو القول الوسط في هذه المسألة، وإن كان سعيد بن جبير يقول: لا شيء عليه، ومن السلف من يقول: فلا حج له، من تجاوز الميقات! قولان في طرفين، لكن القول المعتمد عند جمهور أهل العلم أن حجه صحيح لكن عليه دم يجبره، لأنه ترك نسك، وهو الإحرام من الميقات.
نأتي إلى مسألتنا في الشامي الذي أجل الإحرام إلى الجحفة وقد مر بذي الحليفة، هو عمل بقوله: «هن لهن» وخالف قوله -﵊-: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» هل يلزمه شيء وإلا ما يلزمه؟ عند مالك لا يلزمه شيء؛ لأنه أحرم من ميقاته المحدد له شرعًا، وهو الأصل فيه، وجمهور أهل العلم يلزمونه بالدم؛ لمخالفته لقول النبي -﵊-: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» ما دام مر بهذه الميقات فهو ميقاته سواءً كان من أهل المدينة أو من غيرهم، ورأي الإمام مالك وجيه، لهذا أن يقول النبي -﵊- وقت لنا معاشر أهل الشام هذا الميقات وامتثلت، قال: «هن لهن» وعلى كل حال الأحوط في هذه المسألة ألا يتجاوز الميقات الذي يمر به أولًا.
«ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة»، «ممن أراد الحج أو العمرة»: معنى هذا أنه لا يلزمه الإحرام إلا بهذا القيد، بقيد إرادة النسك، إرادة الحج أو العمرة، وعلى هذا الذي يريد الدخول إلى مكة ممن لا يريد الحج أوالعمرة عليه إحرام، يلزمه أن يحرم؟
على هذا لا يلزمهم أن يحرم، وهذا قول الإمام الشافعي -﵀- تعالى، لا يلزمه أن يحرم إلا إذا أراد الحج أو العمرة.
والأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد على أنه يلزمه أن يحرم ما لم تتكرر حاجته، لكن الحديث صريح، مفهوم الحديث صريح في عدم إلزام من لا يريد الحج والعمرة بالنسك –بالإحرام- ولذا يقول: «ممن أراد الحج أو العمرة».
[ ٢٦ / ٧ ]