الحديث الأول:
عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: كان النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة.
[ ١٦ / ٢٧ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في باب صلاة العيدين، والعيدان تثنية عيد، وهو اسم لما يعود ويتكرر في وقت معين محدد، وهما عيدان، الأضحى الذي يقع في أثناء مناسك الحج، والفطر الذي يعقب الفطر من رمضان، فعيد الفطر من رمضان، إنما شرع لشكر هذه النعمة، إتمام هذه النعمة التي هي أداء ركن من أركان الإسلام، والتوفيق له، وقل مثل هذا في عيد الأضحى الذي فيه ..، في العشر الذي تقدمته من العبادات العظيمة التي منها الصلاة والصيام والذكر والحج، يجتمع في هذه العشر ما لا يجتمع في غيرها، و«ما من أيام من العمل الصالح فيهن أفضل وأعظم من هذه الأيام العشر» إلا ما استثني من رجل خرج بنفسه وماله في سبيل الله فلم يرجع من ذلك بشيء، المقصود أن هذه الأيام هي أيام عظيمة، شرع فيها عبادات، وشرع بعدها العيد شكرًا لله -جل وعلا- على التوفيق لأداء هذه العبادات في هذه الأيام العظيمة، في الحديث: «شهرا عيد لا ينقصان» ما معنى شهرا عيد؟ رمضان وذي الحجة، لكن ذو الحجة في أثنائه، فيصح أن نقول: إنه شهر عيد، وأما بالنسبة لرمضان فالعيد فيه أو بعده؟ بعده، فكيف قيل: شهر عيد والعيد بعده؟ لأنه بسببه؛ ولأنه ملاصق له، ولذا قيل ..، جاء في الحديث الذي سقناه قريبًا: "إلا المغرب فإنها وتر النهار" وهي في الليل، لكن لما تعقبته من غير فاصل صارت كأنها فيه في النهار، والعيد لما تعقب رمضان من غير فاصل صار كأنه في رمضان.
وليس للمسلمين عيد ثالث غير هذين العيدين، وكان للعرب في جاهليتهم يومان يظهرون فيهما الفرح والسرور، بناء على أنهما عيدان، فأبدلنا الله -جل وعلا- بدلهما هذين العيدين.
[ ١٦ / ٢٨ ]
والعيد لا شك أنه يوم فرح وأنس، وفيه فسحة في التخفف من شيء من التكاليف الواجبة .. لا أقول: الواجبة بل المستحبات، أما الواجبات لا بد من أدائها، وليس معنى هذا أنه يزاول فيه المحرمات؛ لأن من زاول المحرمات في هذين اليومين فقد استعملهما على خلاف ما شرعا من أجله، شرعا لشكر الله -جل وعلا-، وإظهار الفرح والأنس الذي تعقب هذه العبادات، أما من زاول المحرمات في هذين العيدين فليس هذا دليل على قبول هذه الأعمال، وليس هذا أيضًا من باب مقابلة النعم بالشكر، كثير من الناس يتوسع في مثل هذا، يترك واجبات، يرتكب محرمات، لكن هذا لا يجوز، نعم في الدين فسحة ولله الحمد، في مزاولة بعض المباحات، وبعض الأمور التي ينكف عنها المسلم في سائر أيامه.
المقصود أن مثل هذا في ديننا فسحة له، من الشيء اليسير، من العبث اليسير، واللهو اليسير، كل هذا في الدين فسحة، أما ارتكاب المحرمات فلا.
"عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: كان النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة" هذا ديدن النبي -﵊- وأبو بكر وعمر يقدمون الصلاة على الخطبة، ثم بعد ذلك في عصر بني أمية قدمت الخطبة على الصلاة، لماذا؟ يقول أهل العلم: إنهم أحدثوا في الخطب ما يتورع عن سماعه بعض الناس، فإذا صلوا خرجوا، فأراد الولاة أن يلزموهم بالحضور، حضور الخطبة؛ لأنهم لن يخرجوا والصلاة باقية، وعلى كل حال هذه بدعة ممن جاء بها، ولو كان متأولًا، داخلة في حيز البدعة؛ لأنها خلاف ما جاء عن النبي -ﷺ-، وإن كان متأولًا؛ لأنهم أحيانًا يقولون: كون الخطبة قبل الصلاة أو بعدها لا يؤثر، كما أن الجمعة خطبتها قبل الصلاة، نعم فلتكن العيد مثلها، على أن العبادات توقيفية لا تقبل الاجتهاد ولا القياس، فعلى المسلم أن يلتزم بما جاء عن النبي -﵊-.
وصلاة العيد يختلف أهل العلم في حكمها، فمنهم من يقول: بسنيتها كالمالكية والشافعية، وعند الحنابلة هي فرض كفاية، ويرى الحنفية أنها واجبة على الأعيان، ما معنى واجبة على الأعيان؟ يعني علية القوم؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٦ / ٢٩ ]
نعم وجوب عيني لا وجوب كفائي، وجوبًا عينينًا لا وجوبًا كفائيًا، بمعنى أنها لا تسقط عن أحد إلا المعذور الذي لا يستطيع الحضور إليها، فهي واجبة في حقه، الذين قالوا بسنيتها كالمالكية والشافعية استدلوا بحديث: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» وحديث أيضًا ضمام بن ثعلبة لما جاء إلى النبي -﵊- عارضًا عليه ما سمع، ومما سمعه أن الله -جل وعلا- أوجب على عباده خمس صلوات، ثم بعد ذلك قال ..، أقسم أنه لا يزيد على ذلك ولا ينقص، والنبي -﵊- أثبت له الفلاح، فدل على أنه لا يجب غير الخمس، والذين يقولون بأنها فرض كفاية كالحنابلة يقولون: شعار لا بد من القيام به، فعله النبي -﵊-، وواظب عليه، وفعله خلفاؤه من بعده، فلا يجوز تعطيله، شعار من شعائر الدين، وعلامة على هذا اليوم العظيم، فلا بد من أن يقوم به من يحصل به الغرض، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وصار سنة.
أما الحنفية فاستدلوا بأدلة، منها: قوله -جل وعلا-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر] قالوا: المراد بالصلاة هذه صلاة العيد، ومنها حديث أم عطية الآتي: "أمرنا بإخراج العواتق والحُيض وذوات الخدور" والأمر أصله للوجوب، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يميل إلى قول الحنفية أنها واجبة على كل مستطيع، وأنه لا يعذر فيها أحد، وكأنه من حيث النظر أقوى، الأقوى دليلًا.
نعم.
الحديث الثاني:
عن البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنه- قال: خطب النبي -ﷺ- يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: «من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» فقال أبو بردة بن نيار خال البراء بن عازب: يا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي وتغديت قبل أن آتي الصلاة، قال: «شاتك شاة لحم» فقال: يا رسول الله فإن عندنا عناقًا وهي أحب إلينا من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: «نعم، ولن تجزئ عن أحد بعدك».
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثاني:
[ ١٦ / ٣٠ ]
"عن البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنه- قال: خطب النبي -ﷺ- يوم الأضحى بعد الصلاة" وفيه من الدلالة مثل ما في الحديث السابق، وأن العيد لها خطبة، وأنها تكون بعد الصلاة.
"فقال: «من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا فقد أصاب النسك» " يعني صلى صلاة العيد ونسك فقد أصاب النسك، والنسك هنا الذبح «ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» يعني لا يقبل منه، بل وقت الأضحية إنما هو بعد الصلاة.
والأضحية كما في بابها عامة أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وهي النسيكة في هذا اليوم، ومنهم من يرى الوجوب؛ لقوله في الحديث اللاحق: «فليذبح» وسيأتي ما فيه.
«من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا فقد أصاب النسك» شرط وجوابه، والشرط مركب من جملتين، والجواب مرتب على الجملتين، يعني مضى بالأمس نظيره، ما مضى نظيره؟ في الجمعة.
طالب:. . . . . . . . .
لا لا هنا؟ «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى» «من اغتسل ثم راح فكأنما قرب» فلا يحصل ثواب التقريب إلا بالغسل والرواح، لماذا؟ لأن الجواب جاء متعقبًا لجملتين، وننظر هنا «من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا فقد أصاب النسك» طيب الذي لم يصل صلاة العيد؟ لأن مقتضى التركيب أنه لا يصيب النسك إلا إذا صلى ونسك.
طالب:. . . . . . . . .
وين؟
طالب:. . . . . . . . .
افترض إنه شافعي ما صلى العيد، نام عن صلاة العيد، انتبه الساعة تسع، الناس مصلين ذبح ذبيحته، تقبل وإلا ما تقبل؟
طالب:. . . . . . . . .
«من صلى» شوف اقرن بهذا ما جاء في حديث عروة بن مضرس لما جاء وأدرك صلاة الصبح ليلة النحر بالمزدلفة، وجاء في «من صلى صلاتنا هذه، وقد وقف بعرفة قبل ذلك أية ساعة من ليل أو نهار» من أهل العلم من يرى اشتراط أن يدرك الصلاة، وأن يصلي الصلاة، وإلا ما يصح وقوفه، تنظير مطابق وإلا ما هو مطابق؟ الآن لو افترضنا أن مالكيًا وإلا شافعيًا نام بعد صلاة الصبح، انتبه الساعة التاسعة وذبح ذبيحته، نقول: نسك وإلا ما أصاب النسك؟
[ ١٦ / ٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم