[ ٢٧ / ٧ ]
باب حرمة مكة: عن أبي شريح -خويلد بن عمرو- الخزاعي العدوي -﵁-: أنه قال لعمرو بن سعيد بن العاص - وهو يبعث البعوث إلى مكة -: "ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا قام به رسول الله -ﷺ- الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به: أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله -ﷺ- فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لرسوله ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب». فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارًا بدم ولا فارًا بخرَبة.
الخَرَبة: بالخاء المعجمة والراء المهملة قيل: الخيانة، وقيل البلية، وقيل التهمة، وأصلها في سرقة الإبل، قال الشاعر: والخارب اللص يحب الخاربا.
وعن عبد الله بن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ- يوم فتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، وقال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعتي هذه، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يُختلى خلاه». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر». "القين" الحدَّاد.
يقول -﵀- تعالى: باب حرمة مكة: وذكر حديث أبي شريح، وحديث ابن عباس، وفيهما أن الله -﷿- هو الذي حرم مكة ولم يحرمها الناس.
أبو شريح خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي -﵁- قال لعمرو بن سعيد بن العاص، المعروف بالأشدق، وهو يبعث البعوث إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير من قبل يزيد بن معاوية.
[ ٢٧ / ٨ ]
"ائذن لي أيها الأمير": أبو شريح يخاطب هذا الأمير عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، ويبين له الحق -بحضور غيرهما- ما الدليل على أن عندهم من حضر غيرهما؟ أنه نُقل الخبر، لكن بأدب وعلى هذا لا مانع، بل قد يتعين الإنكار على المخالف مهما كانت منزلته ومرتبته لكن بالأسلوب المناسب الذي يحقق المصلحة ولا تترتب عليه مفسدة، ولذا قال: ائذن لي، استأذن أولًا، أيها الأمير، وجاء باللقب المحدد عنده أن أحدثك قولًا قام به رسول الله -ﷺ- وهذا مقتضى حديث البيعة، حديث عبادة بن الصامت –﵁- قال: بايعنا رسول الله -ﷺ- على السمع والطاعة، هذا أمر لا بد منه، نفس على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، لكن هل يمنع هذا من قول الحق؟، لا يمنع من قول الحق على أن نقول أو نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم، فعجز الحديث لا يخالف أوله، هذا لا يخالف السمع والطاعة، بل هو محض النصيحة، عين النصيحة لولي الأمر.
ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا قام به رسول الله -ﷺ- الغد من يوم الفتح يعني من الغد.
فسمعته أذناي: يوضح أنه متأكد من سماعه من نبي الله -﵊- مباشرة، وأنه حفظه وضبطه كما سمعه، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي، كل هذه مؤكدات.
حين تكلم به أنه حمد الله وأثنى عليه هذا فيه مشروعية البداءة بالحمد والثناء على الله -﷿- في الخطب.
ثم قال: «إن مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس»: وأما ما جاء من أن إبراهيم -﵇- هو الذي حرم مكة إنما هو بلغ تحريم الله -﷿- مكة إلى الناس، فهو مبلغ عن الله، ولذا قال -﵊-: «ولم يحرمها الناس».
«فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دم»: مكة حرمها الله -﷿- ومقتضى هذا التحريم أن تعظم، وإنما حرمت مكة من أجل البيت، أول بيت وضع للناس، الذي أمرنا بتطهيره: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] إلى آخره والتطهير المقصود به: من النجاسات الحسية والمعنوية.
[ ٢٧ / ٩ ]
﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ لا بد من تطهير البيت، هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، لا بد من تطهير البيت من النجاسات كلها الحسية والمعنوية، فالتطهير من النجاسات الحسية أمره سهل وهو قائم ولله الحمد على وجه يقرب من الكمال، لكن على القائمين عليه أن يطهروه من النجاسات المعنوية، من الإلحاد فيه من الشرك والبدع، المعاصي، التبرج السفور مخالفات؛ فإذا كانت إرادة الإلحاد في الحرم رتب عليه الوعيد الشديد ﴿نُذِقْهُ﴾، ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ [(٢٥) سورة الحج] ولا يتصور أن الإلحاد هو الكفر، الإلحاد: الميل، والآية تدل على أنه ولو كان يسيرًا؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، فيعم جميع وجوه الإلحاد صغيرها وكبيرها، وهذا مجرد إرادة فكيف بالفعل؟
وهذه الآية جاءت متعقبة للآية التي تدل على أن الناس سواء في البيت يستوي فيه العاكف والباد، الأعرابي الذي يرد إلى هذا المسجد ويصلي فيه فرض ويرجع، والمقيم فيه، كلاهما سواء ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [(٢٥) سورة الحج] أدنى إلحاد، فالناس يستوون في هذا المكان، ولهذا ينبغي تنبيه من يضايق الناس في هذا المكان، كم حصل من مشاكل لا سيما في المواسم بسبب حجز الأماكن، يضع شيء يحجز المكان فإذا جاء حصل الشقاق والنزاع والخلاف، هذا إلحاد؛ لأنه مخالف لما قرر في الآية السابقة، بعض الناس يستأجر من يحجز له مكان، والغالب أن هؤلاء الأجراء ليسوا على مستوى أيضًا من حسن التعامل مع الناس، كم سمعنا من أصوات ترتفع في هذا المكان الطيب الطاهر الذي أمرنا بتطهيره للطائفين والقائمين والركع السجود والعاكفين، محل عبادة هذا، ينبغي أن يهيئ فيه الجو للعبادة، والله المستعان.
[ ٢٧ / ١٠ ]
فمقتضى تحريم مكة تعظيمها؛ أن يعظم شعائر الله، لا شك أن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب كما قال الله –﷿-. وإذا كان تعظيم مكة وتحريمها من أجل البيت، فتعظيم البيت أولى مما عظم وحرم من أجله. «إن مكة حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا»: يقتل، القتل إذا كان عن عمد لمؤمن موبقة من الموبقات، كبيرة من كبائر الذنوب وجاء الوعيد الشديد ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [(٩٣) سورة النساء] ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [(٦٨) سورة الفرقان]، المقصود أن القتل شأنه عظيم.
«أن يسفك بها دمًا»: وهل يتناول القتل بحق من إقامة حد أو قصاص؟ العلماء يختلفون في ذلك، من زنى وهو محصن يرجم في مكة؟ من قتل يقتل في مكة؟ العلماء بينهم خلاف في هذه المسألة فمنهم من يقول: يقتل؛ لأن مكة يتناولها عموم النصوص التي جاءت في تنفيذ الحدود والقصاص، ومكة كغيرها، ومنهم من يقول: لا يقتل؛ لعموم قوله: «أن يسفك بها دمًا» يعني سواءً كان بحق أو بغير حق، وهل معنى هذا أن الناس يتركون يتقاتلون في هذا المكان الطيب الطاهر ولا يردعون؟ نقول: لا، هناك حل يضيق على القاتل حتى يخرج، فإن لم يخرج أخرج منه وقتل خارجه.
«ولا يعضد بها شجرة»: أي ألا يقطع شجرة، وهل يشمل الشجر ما أنبته الله -﷿- وأنتبه الآدمي؟ أما ما أنتبه الله -﷿- فهو داخل دخولًا لا إشكال فيه، وأما ما أنبته الآدمي فمحل خلاف بين أهل العلم.
«فإن أحد ترخص بقتال رسول الله -ﷺ- فقولوا: إن الله قد ائذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أُذن لي أو أذن لي ساعة من نهار» يعني مقدار من الزمان وليس المراد به الساعة الفلكية المقدرة بستين دقيقة، لا، المراد بها المقدار من الزمان من غير تحديد.
«وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس»: رجعت، يعني مدة استثنيت من التحريم العام المطلق للنبي -﵊-.
[ ٢٧ / ١١ ]
«فليبلغ الشاهد الغائب»: اللام لام الأمر، والتبليغ واجب وهو واجب كفائي، يعني على الكفاية، إذا حصل بمن يكفي صار في حكم الباقين سنة.
فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ يعني هل امتثل؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًا بدم، يرى أنه محق في قتال ابن الزبير، وأن ابن الزبير خارج وباغي فقتاله حق، والحرم لا يعيذه.
"إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم، ولا فارًا بخرَبة، أو خرِبة: وهي الخيانة أو البلية".
هذا الكلام من أبي شريح في مقابلة النص المرفوع، هل نقول: إن هذا الرجل -الأمير عمرو بن سعيد- عاند وخالف النص مخالفة صريحة؟ أو نقول: هو متأول؟
هو خالف النص بلا شك؛ جمهور أهل العلم على أن ابن الزبير عنده بيعة شرعية، ولذا سُلط على عمرو بن سعيد من هؤلاء الذين بعثوه من يقتله صبرًا، عوقب، لكن لو قدر أن شخص من البغاة اعتصم بمكة، يترك؟ أو نقول له مثل ما قال: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ويضيق عليه حتى يخرج أو يقتل في مكانه؟ يرد فيه الخلاف السابق.