أحسن الله إليك:
"باب ما نهي عنه من البيوع:
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب ولا ينظر إليه.
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تلّقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر» وفي لفظ: «وهو بالخيار ثلاثًا».
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن بيع حبل الحبلة.
وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها، قيل: إنه كان يبيع الشارف -وهي الكبيرة المسنة- بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته".
[ ٣١ / ١٢ ]
هذه صور وأنواع من البيوع الموجودة في الجاهلية، " فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه "، هذا أولى ما قيل في تفسير المنابذة، ويكون حينئذ الطرح قائم مقام الإيجاب والقبول، الأصل في المنابذة أنها مفاعلة من الطرفين، منابذة مفاعلة، فكأن البائع ينبذ الثوب ويطرحه إلى المشتري، والنبذ أيضًا يحصل من المشتري بنبذ القيمة إلى البائع، وكل منهما لا يقلب ما نبذه إليه صاحبه، الثوب ملفوف فينبذه إلى المشتري، والدراهم في صرة ينبذها إلى البائع، هذا الأصل في المنابذة؛ لأنها مفاعلة، والمفاعلة في الأصل تكون من طرفين.
قد ترد المفاعلة وتكون من طرف واحد كالمسافرة، إذا قيل: سافر فلان، سافر فلان، من طرف واحد وإلا من طرفين؟ نعم من طرف واحد، المطارقة طارق زيد النعل، من طرف واحد، ليس معنى هذا أنه يطرق النعل والنعل يطرقه، لا، من طرف واحد، وهذا على خلاف الأصل، وفسرت هنا المنابذة طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، فعلى هذا التفسير هي من طرف واحد وهو البائع.
والسبب في النهي الغرم والجهالة، من شروط البيع أن يكون -بعد أن ذكروا كون العاقد جائز التصرف- أن تكون العين المباعة –السلعة- معلومة، برؤية أو صفة، وهنا السلعة غير معلومة، غير مرئية، الثوب مطوي، طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه، وإذا قلنا: إن المنابذة من الطرفين أيضًا أن يكون الثمن معلومًا، وهذا شرط من شروط البيع، لكن على التفسير طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، السلعة غير معلومة، لا برؤية ولا بوصف، فاختل شرط من شروط البيع للغرر والجهالة.
[ ٣١ / ١٣ ]
ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه، أي ثوب لمسته فهو عليك بكذا، والثياب ملفوفة وموضوعة في الأدراج، يلمس الأول الثاني الثالث، ما يدري عن صفته، فلا بد أن تكون السلعة معلومة، وهذان النوعان من بيوع الجاهلية، وهما محرمان اتفاقًا لوجود الغرر والجهالة، فسرت المنابذة ببيع الحصاة الوارد في بعض النصوص، وهي أي ثوب أو أي رأس من الغنم أو الإبل أو البقر تنبذ إليه هذه الحصاة وتقع عليه فهو عليك بكذا، والجهالة والغرر موجودة.
ونهى عن الملامسة والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه، هذا التفسير يحتمل أن يكون مرفوع إلى النبي -﵊-، وحينئذ يتعين المصير إليه؛ لأنه لا قول لأحد مع قوله -﵊-، وأولى ما يفسر به قوله بقوله -﵊-، وإذا كان من الراوي الصحابي فمن دونه فالصحابة أعرف من غيرهم بمدلولات الألفاظ، ويغلب على الظن أنه هو الموافق لمراد النبي -﵊-، وإن كان حديث: «رب مبلغ أوعى من سامع» يعني أنه قد يأتي من المتأخرين من يفهم مراد النبي -﵊- أكثر من فهم المتقدم، لكن (رب) للتقليل، وإلا فالأصل أن مدلولات الألفاظ الشرعية أعرف الناس بها من عاصر النبي -﵊-، وعرف المقاصد من نصوص الوحيين، هم أعرف الناس وأدرى الناس بذلك، وعلى كل حال إذا كان التفسير من قوله -﵊- فلا مندوحة لأحد من العمل به، وإن كان من أحد الرواة فلا شك أنهم أولى من غيرهم، لكن يبقى للنظر مجال، للنظر مجال.
الحديث الذي يليه: