باب: صلاة الخوف
الشيخ: عبد الكريم الخضير
والجمعة الثانية التي تليها "دخل رجل ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب بالناس، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل" يحتاج إلى استسقاء والآن يحتاج إلى رفع! هلكت الأموال بالجدب ظاهر، لكن بكثرة المطر كيف تهلك الأموال؟ نعم يجتحفها، ويغرقها من كثرته، ولا شك أن الغيث اسمه غيث يغيث الله به الناس، وهو نافع، ويُطلب، ويُخرج لطلبه، ومع ذلك يحصل منه ما يحصل من الأضرار.
فيقول: "هلكت الأموال" لزيادة الماء، بكثرة السيول تهلك الأموال، وتنقطع السبل، في الأول انقطعت السبل؛ لأنها صارت مفاوز قاحلة، من يخترقها ويقطعها يموت عطشًا، والآن يموت غرقًا، انقطعت السبل، لا هذا ولا ذاك، كلها تسبب هلاك الأموال، وانقطاع السبل.
"فادع الله يمسكْها عنا" في رواية: يمسكُها، ويقال فيه ما قيل في "يغيثنا ويغثنا".
"فرفع رسول الله -ﷺ- يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا» " ما دعا بانقطاع المطر؛ لأنه نافع على كل حال، لكن دعا بارتفاع ضرره فقط وبقاء نفعه «اللهم حوالينا ولا علينا» حوالينا يعني في البراري والقفار التي لا يتضرر بها أحد.
«اللهم على الآكام» وهو جمع أكمة، وهي أعلى من الرابية كما يقول المصنف، ودون الهضبة «والضراب» وهي الجبال الصغار «وبطون الأودية، ومنابت الشجر» يعني حيث يُحتاج إليه في هذه المواضع.
"قال: فأقلعت -توقفت- وخرجنا نمشي في الشمس" كرامة لنبيه -﵊-، دعا أن يغاث فأغيثوا، ودعا أن يُرفع عنهم فرُفع.
"قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري" لكن جاء في بعض الروايات: أنه نفس الرجل، في بعض الروايات: "ثم دخل ذلك الرجل" والنكرة إذا أعيدت معرفة صار عينه، صار عين الأول، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم هو راوي حديث الإسراء في الصحيحين، ونص الإمام مسلم أنه زاد ونقص وقدم وأخر، وله مخالفات في حديث ، لكن ما يلزم منه الضعف.
باب: صلاة الخوف
[ ١٨ / ١ ]
عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄- قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: صلاة الخوف
والخوف الفزع والإشفاق من أمر متوقع، فإذا خُشي ضرر شيء وجد الخوف.
الحديث الأول:
"عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄- قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي فيها العدو" وهذه كانت الصلاة بعسفان بين مكة والمدينة "في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو" صلاة الخوف إذا وجد سببها شرعت، خلافًا لأبي يوسف الذي يقول: إنها مرتبطة بوجود النبي -﵊-؛ لقوله -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ [(١٠٢) سورة النساء] فالتنصيص على وجوده في الآية يدل على اختصاصه بها، ويؤيد ذلك من جهة المعنى أن الصلاة خلف النبي -﵊- هي التي لها الميزة دون غيره، فلا مانع من أن يُتخذ أكثر من إمام، إذ لا ميزة لغيره، وميزته -﵊- تجعل ذلك من خصائصه.
وجمهور أهل العلم على أنها له ولغيره من بعده، وقد فعلها الصحابة -رضوان الله عليهم- من بعده، وهي مشروعة في السفر والحضر.
قد يقول قائل: النبي -﵊- في غزوة الخندق ما صلى صلاة الخوف، أخر الصلوات إلى أن غربت الشمس، وما صلى صلاة الخوف، وبهذا يستدل من يقول: إن صلاة الخوف لا تفعل في الحضر، وإنما تفعل في السفر، وهذا بناء على أن غزوة ذات الرقاع قبل الخندق، وإلا على القول بأن غزوة الخندق متقدمة على غزوة ذات الرقاع كما يقول الإمام البخاري، ويرجحه ابن القيم، وأن ذات الرقاع بعد خيبر في السنة السابعة حينئذٍ يكون لا إشكال، يكون تأخيره للصلوات منسوخ، تصلى صلاة الخوف حتى في الحضر.
[ ١٨ / ٢ ]
"قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، فقامت طائفة معه" يعني صلوا معه، خلفه "وطائفة بإزاء العدو" ومثل هذه الصفة تفعل إذا كان العدو في غير جهة القبلة "طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا" من غير إتمام صلاتهم، ذهبوا وصلاتهم لم تتم "وجاء الآخرون" الذين هم في الحراسة بإزاء العدو "فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة" كل منهم قضى بطريقته، ركعة ركعة، أكمل صلاته بعد أن سلم النبي -ﷺ-.
صلاة الخوف جاءت على أوجه ستة أو سبعة كلها صحيحة ثابتة، بأيها أديت صحت، لكن على الإمام أن يلاحظ نعم؟ يلاحظ إيش؟ الأحفظ للصلاة، والأبلغ في الحراسة، يعني الأقل مخالفة في الصلاة، والأبلغ في الحراسة، وإذا كان العدو في جهة القبلة لها صور، وإذا كان في غير جهة القبلة لها صور مثل هذه.
نعم.
عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع رسول الله -ﷺ- صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.
الرجل الذي صلى مع رسول الله -ﷺ- هو سهل بن أبي حثمة.
الحديث الثاني:
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع رسول الله -ﷺ-" ومن صلى مع رسول الله -ﷺ- صحابي، لا تضر جهالته، وسواء كان خوات بن جبير، والد صالح، أو سهل بن أبي حثمة كما صُرح به في بعض الروايات، فالأمر سيان، المقصود أنه صحابي، والصحابة كلهم ثقات، لا تضر جهالتهم ولا إبهامهم.
"عمن صلى مع رسول الله -ﷺ- صلاة ذات الرقاع" سميت بذلك لأن أقدامهم نقبت من الحفاء، فلفوا عليها الرقاع، وقيل غير ذلك، المقصود أن هذا أولى ما يقال.
[ ١٨ / ٣ ]
"صلاة الخوف -وصفتها- أن طائفة صفت" مع الإمام الذي هو النبي -﵊- "وطائفة وجاه العدو" يعني بإزاء العدو؛ لأن العدو في جهة القبلة وإلا في غير جهة القبلة؟ في غير جهة القبلة "فصلى بالذين معه ركعة" يعني مثل ما جاء في حديث ابن عمر السابق، إلا أنها تختلف الصورة هنا بأي شيء؟ "فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا" يعني في الركعة الثانية، ثبت قائمًا حتى أتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم انصرفوا وصلاتهم قد تمت، يقول: "فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو" للحراسة، مكان الطائفة الأخرى "وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالسًا" بعد أن أتم الركعة الثانية ثبت جالسًا "وأتموا لأنفسهم" وهذا من تمام عدله -﵊- بين الطائفتين "ثم سلم بهم".
شوف سوء الطباعة.
موصول هذا.
ثم سلم بهم، عندك موصول كذلك؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، عندنا: "ثم سلم بهم الرجل" هذا سوء في الطباعة، ثم سلم بهم النبي -﵊-، وأولئك أدركوا
طالب:. . . . . . . . .
إيه، لا لا ما يدركون مثل هذا.
ثم سلم بهم النبي -﵊-، عدل بين الطائفتين، الطائفة الأولى أدركت معه تكبيرة الإحرام وهي ركن، والثانية تميزوا عن الطائفة الأولى بالتسليم وهو ركن أيضًا، وصلى بكل طائفة ركعة، وأتموا لأنفسهم، المقصود أن هذا من تمام عدله -﵊-.
ثم قال المؤلف: "الرجل الذي صلى مع رسول الله -ﷺ- هو سهل بن أبي حثمة" وجاء في بعض الروايات: أنه خوات بن جبير، عن صالح بن خوات عن أبيه، خوات بن جبير، جاء في بعض الصور أن النبي -﵊- صلى بهم ركعتين له، وصلوا -أعني الطائفتين- ركعة ركعة، ولم يزيدوا على ذلك، فصار للنبي -﵊- ركعتين، ولهم ركعة ركعة، وجاء في بعض الصفات: أنه صلى بكل طائفة ركعتين، صلى بالطائفة الأولى صلاة كاملة، وهو مفترض فيها، وصلى بالطائفة الثانية ركعتين وهو متنفل فيها، والصور مثلما قال الإمام أحمد: ست أو سبع كلها صحيحة، لكن على الإمام كما ذكرنا سابقًا أن يحتاط للصلاة، وأن يبالغ في الحراسة.
[ ١٨ / ٤ ]
نعم الحديث الثالث.
على كل حال هذه الصلاة يلاحظ فيها أمران، والتساهل والتنازل عن أمور تبطل الصلاة في حال الرخاء إنما هو من أجل الحراسة، والمبالغة في المحافظة على صلاة الجماعة، فهذا من أقوى الأدلة على وجوب صلاة الجماعة، فإذا تأكدت الجماعة في مثل هذا الظرف، فتنوزل عن بعض ما يبطل الصلاة وجودًا وعدمًا، فدل هذا على أن صلاة الجماعة أمر حتم لا بد منه.
هات الحديث الأخير.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري -﵄- قال: شهدت مع رسول الله -ﷺ- صلاة الخوف، فصففنا صفين خلف رسول الله -ﷺ-، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي -ﷺ- وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي -ﷺ- السجود، وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي -ﷺ- وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع فرفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، فقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي -ﷺ- السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي -ﷺ- وسلمنا جميعًا.
قال جابر: "كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم" ذكره مسلم بتمامه، وذكر البخاري طرفًا منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي -ﷺ- في الغزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: شهدت مع رسول الله -ﷺ- صلاة الخوف" وهذه الصورة فيما إذا كان العدو بينهم وبين القبلة، يعني في جهة القبلة، وفي هذه الحالة لا يحتاج إلى أن يقسم الناس إلى قسمين: قسم يصلي، وقسم يحرس، كلهم يدخلون في الصلاة جميعًا، وحينئذٍ يصفون، أو يجعلون صفين.
[ ١٨ / ٥ ]
"والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي -ﷺ- وكبرنا جميعًا" يكبر الإمام، ويكبر الصف الأول والثاني جميعًا "ثم ركع" ركع النبي -﵊- "وركعنا جميعًا" الصف الأول والثاني؛ لأن مشاهدة العدو في حال القيام ممكنة، وفي حال الركوع أيضًا ممكنة، لكن متى تتعذر مشاهدة العدو؟ في حال السجود.
"ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا" يتفقون إلى هذا الحديث.
"ثم انحدر النبي -﵊- للسجود والصف الذي يليه" والصف معطوف على ضمير الرفع المتصل المستتر، وجاز العطف على ضمير الرفع المتصل دون تأكيد بالضمير المنفصل لماذا؟ لوجود الفاصل، الذي إيه؟ بالسجود "أو فاصل ما" يعني لو قال: ثم انحدر والصف الذي يليه يجوز وإلا لا؟ لا، ما يجوز، لا بد من فاصل، الآن وجد الفصل بالجار والمجرور.
وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل
لا بد أن يقول: ثم انحدر هو والصف الذي يليه، لكن وجد الفصل بالجار والمجرور فجاز العطف من غير وجود الضمير المنفصل.
أو فاصل ما وبلا فصل يرد . . . . . . . . .
إلى آخره.
"والصف الذي يليه" الصف الأول "وقام الصف المؤخر في نحر العدو" يحرسون، يعني الصف الثاني استمروا قيامًا بعد رفعهم من الركوع للحراسة "في نحر العدو" يعني في جهته.
"فلما قضى النبي -ﷺ- السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود" يعني أكملوا ركعتهم، أكملوا الركعة "وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم" لماذا؟ ليتم العدل بين الصفين "ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي -ﷺ- وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا" مثل ما حصل في الركعة الأولى "ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى" وصار مقدمًا "وقام الصف المؤخر في نحر العدو" الذي كان في الصف المقدم في الركعة الأولى.
[ ١٨ / ٦ ]
"فلما قضى النبي -﵊- السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود" الذي كان مقدمًا في الركعة الأولى "فسجدوا، ثم سلم النبي -ﷺ- وسلمنا جميعًا" وهذا من تمام عدله -﵊-.
"قال جابر" مصورًا ما حصل من قيام بعض المأمومين والإمام مع بعض المأمومين ساجد أو جالس، يقول: "كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم" وهذه حالة ضرورة، وإلا فالأصل في مثل هذه الصورة المنع لوجود المشابهة، كما جاء في حديث: «وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين» وأشار إليهم: أن أجلسوا؛ لئلا يشبهوا فارس والروم، يشبهوا الكفار بالقيام على رؤوس أئمتهم، لكن هذه حالة ضرورة مستثناة.
"كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم" يقومون على رؤوسهم لحراستهم.
"ذكره مسلم بتمامه، وذكره البخاري طرفًا منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي -﵊- في الغزوة السابعة" يعني ترتيبها السابعة؟ لا، إنما هي
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، سنتها، يعني في السنة السابعة غزوة ذات الرقاع، وهذا اختيار البخاري، وأنها بعد خيبر، وبهذا يستدل على أن صلاة الخوف تفعل في الحضر والسفر، خلافًا لمن منع ذلك، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٨ / ٧ ]