الشيخ: عبد الكريم الخضير
هذا كيف يجتمع قلبه أثناء عبادته في هذا المكان، هذا الملحظ يخفى على كثير ممن فتح الله عليه، وبسط عليه الدنيا، ومع الأسف أن بعض الناس يقترض ويبحث عن هذه الأمور، فننتبه، الرسول -﵊- أشرف الخلق يفرش له حصير أسود، ويجيب دعوة عجوز، وهذا لا يزيد المرء إلا عزًا في الدنيا والآخرة، بعض الناس يتعاظم ويرفع أنفه كأنه خلاص الناس تنظر إليه على أنه لا نظير له في الدنيا، لا أبدًا، تنظر إليه كالنمل، الإنسان لا يستطيع أن يرفع نفسه ألبتة إلا بالتواضع
[ ٩ / ١ ]
"فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله -ﷺ-" سيد الخلق، سيد ولد الآم، تُرى الأهلة الثلاثة، ولا يوقد في بيته نار، هل الرب -جل وعلا- لما كرمه وعظمه وشرفه يريد أن يهينه بهذا؟ لا والله، يريد أن يكرمه بهذا، الآن لو يقدم الطعام ينقصه بعض الأشياء، بعض الكماليات، لو ما في سلطة مثلًا، تجد الإنسان يغضب ويزمجر، ويقول ..، يرمي أهله بأبشع الأوصاف لأتفه الأسباب، وتجد الإنسان لا سيما إذا تعود إكرام الناس له، إذا رأى أن شخصًا قصُر عمن قبله ولو يسيرًا حمل في نفسه عليه، النفس لا نهاية لها، إلا إذا زمت بزمام الشرع، وخطمت به، وقد يجلس الإنسان على المائدة، وفيها من أنواع الأطعمة التي جلبت من جميع القارات، هذا شيء حاصل، فأين الشكر المقابل لهذه النعم؟ نعم مائدة واحدة عليها من القارات الست كلها، شيء ما يخطر على البال، يعني توافر نعم ما حصل، ومع ذلك لا نجد إلا من منّ الله -جل وعلا- عليه بالشكر، والنعم -كما هو معلوم- إذا شكرت زادت، ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [(٧) سورة إبراهيم] لكن بالمقابل ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [(٧) سورة إبراهيم] وكفر النعم شأنه عظيم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [(٢٨) سورة إبراهيم] نعم تسلط الأعداء هذا سببه، عدم شكر النعم، وشكر النعم بتحقيق العبودية لله -جل وعلا-، وتحقيق التوحيد وتخليصه وتنقيته، والبعد عن جميع مظاهر الشرك، ومشابهة المشركين ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور].
[ ٩ / ٢ ]
على كل حال هذه حاله -﵊-، ومن قرأ في سيرته وشمائله أدرك شيئًا من هذا، فجدير بطالب العلم أن يعنى بسيرة النبي -﵊-، وقراءة شمائله، ودلائل نبوته، وجميع ما يتعلق به؛ لأن هذا هو التطبيق العملي للشرع، حياته -﵊- وعيشه ومعاملته للقريب والبعيد، كما هنا، الآن من أوضح الأمثلة، تعاون مع عجوز، دعته عجوز فيجيب الدعوة، لكن هل من هذا أن يوجد امرأة مثلًا تدعو رجلًا على وليمة في فندق، هذه واقعة، تدعو رجل من بلد آخر، تقول: إنه زميل لها في الدارسة في الخارج، والرسول دعته هذه المرأة وأجاب، هل بمثل هذا النص يستدل على مثل هذه التصرفات؟! هل الفتنة مأمونة؟ هل هذه عجوز جدة صحابي هل هذا مثل هذا؟ أبدًا، نقول: نعم مسألة واقعة، ويأصلون بمثل هذا الكلام بعض التصرفات الشنيعة، لكن أين هذا من هذا؟ فلا بد من أمن الفتنة، وأن لا يفتح باب في مثل هذه الظروف التي نعيشها مع الهجمة الشرسة على الإسلام، ومبادئ الإسلام، والمسلمين والمسلمات على وجه الخصوص.
"فقام -﵊- وصففت أنا واليتيم" و(أنا) ضمير إيش؟ فصل، إعرابه؟ لا محل له من الإعراب، يؤتى به ليتسنى العطف على ضمير الرفع المتصل، وهذا مضى نظيره.
وإن على ضمير رفع متصل عطفت فأفصل بالضمير المنفصل
صففت أنا واليتيم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . فأفصل بالضمير المنفصل
أو فاصل ما، وبلا فصل يرد بالنظم فاشيًا وضعفه اعتقد
[ ٩ / ٣ ]
"فصففت أنا واليتيم وراءه" فمصافة الصبي؛ لأن اليتيم لم يبلغ الحلم، من مات أبوه من بني آدم ولم يبلغ الحلم يسمى يتيم، وأنس قد احتلم في هذا الوقت، كبير؛ لأنه لما قدم النبي -﵊- إلى المدينة عمره عشر سنوات "فصففت أنا واليتيم وراءه" فمصافة الصبي صحيحة، إذا صحت صلاته صحت مصافته، "والعجوز من وراءنا" إذًا المرأة لا تصافف الرجال، ولو كانت محرم، لكن إن حصل أنها صفت مع محرم لها الصلاة صحيحة، لكن موقفها خلف الرجال، والعجوز من وراءنا، وهي واحدة، فذة، خلف الصف، و«لا صلاة لمنفرد خلف الصف» وبهذا الحديث يخرج المرأة من عموم حديث: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» يعني الرجال، وهذا الحديث الذي معنا مخصِص "والعجوز من وراءنا، فصلى -﵊- ركعتين ثم أنصرف" نافلة، والتجميع في النافلة جائز، حصل منه -﵊- في مناسبات، وفي حديث ابن عباس الآتي، وكونه -﵊- صلى بهم في رمضان ثلاث ليالٍ جماعة، فالتجميع في النافلة سائغ، لكن كونه ديدن وعادة مطردة لا يصلي نافلة إلا جماعة هذا يخرج العبادة من المشروعية إلى حيز الابتداع، يعني كون الشيء يجوز بعض أفراده، لا يعني أنه يجوز باطراد؛ لأن النبي -﵊- ما فعل ذلك، فعله أحيانًا.
"ولمسلم: أن رسول الله -ﷺ- صلى به وبأمه، فأقامني عن يمنيه، وأقام المرأة خلفنا" القصة واحدة أو مختلفة؟ القصة مختلفة؛ لأنهم في هذه ليس معهم يتيم "فأقامني عن يمينه" وهذا موقف المأموم الواحد عن اليمين، كما سيأتي في حديث ابن عباس، وموقف الاثنين خلف الإمام، هذا الأصل، لكن إن جعل واحدًا عن يمينه، والآخر عن شماله فعله ابن مسعود، لكن السنة كما هنا موقف الاثنين من الإمام خلف، والمرأة من ورائهم، وأقام المرأة خلفنا، واليتيم؟ اليتيم هو ضميرة، جد حسن بن عبد الله بن ضميرة، حسن أو حسين؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٩ / ٤ ]
كلكم عندكم حسين؟ ما في أحد عنده حسن؟ يقول: هو جد حسن بن عبد الله بن ضميرة، فإن كان اثنين حسن وحسين إخوان فهي جدتهما ولا إشكال، لكن الذي يغلب على الظن أنه إما حسن أو حسين، فهذا راجع إلى نص واحد، يعني ما هي مسألة روايات، هذا كلام أثبته المؤلف هنا، وهو نص واحد، إما هذا أو هذا، ففي هذا إجابة الدعوة، وهي من حق المسلم على المسلم، وإذا دعاك فأجبه، ولو كان امرأة مع أمن الفتنة مع أمن الفتنة، وعدم الخلوة، وجواز صلاة النافلة جماعة، صلى بهم النبي -﵊-، وفيه أن المرأة لا تصف مع الرجال؛ لأنها واحدة، وصفت ورائهم، ولو كانوا من محارمها، لكنها لو خالفت وصلت مع محارمها صلاتها صحيحة، لكنه خلاف الأصل، نعم؟ الفاء هذه؟ كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، الفاء السببية، والفعل المنصوب بأن المضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة بعد الأمر، نعم.
عفا الله عنك.
وعن ابن عباس -﵄- قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي -ﷺ- يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمنيه.
[ ٩ / ٥ ]
هذا حديث ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة بنت الحارث زوج النبي -﵊-، أم المؤمنين التي تزوجها النبي -﵊- بسرف، وماتت بسرف، بات عندها ليلة، ونقل من السنن مما حفظه عن النبي -﵊- في هذه الليلة، ما أثبت في داووين الإسلام، ونفع الله به، فهذا المبيت من ابن عباس، ابن عباس لم يحتلم في هذا الوقت، صغير، فيجوز للإنسان أن يبيت عند أقاربه ولو كانت امرأة عند زوجها، إذا كان الزوج يرضى بذلك، وقد نام ابن عباس في عرض الوسادة، وناما في طولها، إذا كان يرضى بذلك فلا بأس، فبات ابن عباس عند خالته ميمونة، ولا تتصور أنه بينام في ملحق، أو بينام في الدور الثاني أو الثالث، أو الجناح الفلاني، لا، المسألة كلها غرفة واحدة، هذه بيوته -﵊-، ما في قصور شاهقة، نعم النفس يا إخواني ما لها نهاية، ليست لها نهاية، إلى عهد قريب والناس إذا جلس الإنسان في المجلس لو يمد يده مس الجدران، ولو مدد برجليه رده الجدار الثاني، والذي ما هو بمصدق يشوف الآن البيوت القائمة، يشوف في بلد بجوار الرياض اسمه: رغبة، البلد القديم تهدم، وخرج الناس عنه، تشوف بين الأجصاص أجصاص التمر، ما بين كل واحدة والثانية خمسة أمتار، ما بقي إلا هن؛ لأن الفروش حصى جص باقيات قائمات، ما بين الواحدة والثانية خمسة أمتار، يعني تصور أن البيت بجصتين، لا، أدركنا بيوت خمسين متر، ستين متر، خرج الناس منها، لما توسع الناس في أمور الدنيا، صارت هذه البيوت سجن، خرجوا إلى أربعمائة متر، توسعوا، ثم بعد ذلك صارت الأربعمائة سجن، توسعوا الناس إلى الألف، والألف والخمسمائة إلى أن سكن الناس القصور، وصار ذلك سببًا في تنكيد حياتهم في الدنيا قبل الآخرة، الإنسان يعيش مديون عمره كله علشان بيت، كل هذا بسبب ليقال أو مثل الناس، بات ابن عباس في عرض الوسادة والنبي -﵊- مع زوجه في طولها، وأنا أعرف بيت لما توفي أبوهم خرج منهم اثنين وعشرين أسرة، كل أسرة في بيت، كانت النفوس طيبة، ولا يوجد مشاكل مثل الآن، الآن صارت البيوت هذه الحديثة على حد زعمهم، وهي في الحقيقة تنانير صناديق من اسمنت لو بيطفأ الكهرب لا
[ ٩ / ٦ ]
تطاق الحياة فيها، صارت سببًا لقطعية الرحم؛ لأن الشخص ما يدعو أخاه؛ لأنه عنده بزران بيخربون الأثاث،. . . . . . . . . عليهم، نعم، إذا كان الفرش يمشط بالمشط وبالاستشوار، وش اللي يجيب بزارين يلعبون؟! ما يدعو أخاه علشان الفرش هذا، وعلشان الأثاث، وعلشان ، من يتصور حديث ابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» يعني الناس إلى وقت قريب من أراد أن يعمر بيت يقف باب المسجد أعان الله من يعين، ولبنة وطين ويومين ثلاث وهو منتهي البيت، الآن يجلس ثلاث سنين يعمر، ويجلس ثلاثين سنة مدين، إن تيسر له يسدد بعد، علشان إيش؟ الدنيا ما تسوى، وكان ابن عمر كما في الصحيح يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" بيوت كانت عند الوجهاء والكبار والأعيان تعد قصور في ذلك الوقت، لكن لو دخلتها اليوم ..، موحشة، بيوت ضيقة، تقول: كيف أخذت الناس في ذلك الوقت ..؟ لكن النفس ما لها نهاية.
النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
النفس تقبل الزيادة، وإذا ترد إلى قليل تقنعُ، يعني تظن أن هذا الذي يشرب قارورة البيبسي، قارورة العائلة الكبيرة بنفس واحد، هذا مع التمرين صار يشرب، لكن لو كان يكتفي بالشيء اليسير كفاه، وهذا كله من الاهتمام بالدنيا والإعراض عن الآخرة، مع أن الإنسان خلق لهدف عظيم، وهو تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، وأمر أن ينسى نصيبه من الدنيا الذي يعينه على تحقيق هذا الهدف، العبودية.
هنا يقول: "بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي -﵊- يصلي من الليل" ولد يمكن عمره عشر سنوات ذاك الوقت "فقمت عن يساره" ما قال مسكين تعبان كل النهار يدلج خلوه يرتاح، قام هو، وهو ما جاء إلا لهذا القصد، لهذا الهدف "فقمت عن يساره، فأخذ برأسي، فأقامني عن يمنيه" لأن موقف المأموم الواحد من الإمام عن يمين الإمام، فلو صلى عن يساره لم تصح صلاته، وهذا العمل اليسير بإدارة ابن عباس من جهة اليسار إلى اليمين هذا لا يؤثر في الصلاة؛ لأنه يسير، ولمصلحة الصلاة.
عفا الله عنك.