وعن عبد الله بن عمر -﵄- أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال -ﷺ-: «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد ما يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئًا مسه زعفران أو ورس» وللبخاري: «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين».
وعن عبد الله بن عباس -﵄- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل للمحرم».
[ ٢٦ / ١٠ ]
باب ما يلبس المحرم من الثياب، الترجمة مطابقة للسؤال أو للجواب؟.
مطابقة للسؤال أو للجواب، للسؤال، السؤال: ما يلبس المحرم من الثياب، والجواب: «لا يلبس» فلو كانت الترجمة بالنفي باب ما لا يلبسه المحرم من الثياب لطابقت الجواب.
وعلى كل حال ما يلبسه المحرم المسئول عنه يفهم من الجواب، سئل النبي -﵊- عما يلبسه المحرم، الجواب المطابق لهذا السؤال أن يقول: يلبس –مثلًا- إزار ورداء، لكنه -﵊- عدل عن المطابقة إلى ما هو أنفع وأهم؛ لأن الجواب المطابق لا يمكن حصره، بينما عدم المطابقة مع شدة الحاجة إلى ما أجاب به النبي -﵊- فيه حصر.
لو قال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: إزار ورداء ثم احتاج إلى اللون مثلًا، ثم احتاج إلى أمور كثيرة؛ ليحدد ما يلبس لكن لما ذكر الممنوعات دل على أن كل ما عدا هذه يلبسه المحرم، كل ما عدا ما ذكر يلبسه المحرم.
ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال -﵊-: «لا يلبس القُمص»، وهو ما خيط على قدر البدن، أو نسج على قدر البدن ويلحق به ما نسج على بعضه، من يد أو رجل أو عنق أو ما أشبه ذلك، المقصود أن كل ما يخاف على جزء من البدن بالتحديد لا يلبسه المحرم، فلا يلبس القمص، وعلى هذا لو خيط الرداء، قال يشمل النصف الأعلى من البدن، خياط فصِّل على قدر النص الأعلى من البدن، يلبسه المحرم وإلا ما يلبسه؟
لا يلبسه المحرم، وكذا لو خيط النصف الأسفل لا يلبسه المحرم.
«لا يلبس القمص ولا العمائم»: ويشمل كل ما يغطي الرأس من عمامة وفي حكمها الطاقية والشماغ وما أشبه ذلك.
«ولا السراويلات»: لا يلبس سراويل، سواءً كانت سراويل طويلة أو قصيرة، طويلة أو قصيرة؛ لأنه يشملها اسم السراويل، وهي أيضًا مخيطة على قدر جزء من البدن.
وفي الصحيح عن عائشة أنها رأت أن لا بأس باللبس، السروال القصير يسمونه التبان، لكنه قول مرجوح، العمل على خلافه عند عامة أهل العلم، لكن هذا اجتهادها.
«ولا البرانس»: البرنس يغطي أيش؟ يغطي الرأس، وهو في الغالب متصل بالقميص.
«ولا الخفاف» الخفاف التي تغطي الكعب.
[ ٢٦ / ١١ ]
«إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين»: الذي لا يجد النعلين وهو محتاج إلى الخف، جاءت الرخصة بلبسه شريطة أن يُقطع، ولذا قال:
«إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين»: هذا الخبر قاله النبي -﵊- في المدينة.
وحديث ابن عباس -﵄- قال: سمعت النبي -ﷺ- يخطب بعرفات: «من لم يجد نعلين، فليلبس خفين» ما في إشارة إلى القطع، ليس فيه إشارة إلى القطع، والحاجة داعية إلى البيان؛ لأنه بعرفات حضره من لم يحضر في المدينة، الحاجة داعية إلى البيان، ولكون الحاجة داعية بل ملحة إلى البيان في هذا الموطن لكثرة من حضر ممن لم يحضر التقييد، قال بعض العلماء: إن حديث ابن عمر منسوخ، منسوخ بحديث ابن عباس، وعلى هذا القول الذي لا يريد النعلين يلبس الخفين من غير قطع، والقول الآخر في المسألة أنه لا بد من القطع.
غاية ما هنالك أن حديث ابن عمر مقيد، وحديث ابن عباس مطلق، والمطلق يحمل على المقيد، لا سيما وقد اتحد الحكم والسبب، القاعدة عند أهل العلم إذا اتحد الحكم والسبب في المطلق والمقيد يحمل وإلا ما يحمل؟ يحمل اتفاقًا، إذا اتحد الحكم والسبب، وعلى هذا لا بد من القطع، ولو لم يذكر في حديث ابن عباس، اكتفاءً بالقيد الذي ورد في حديث ابن عمر، أما لو كان الظرف واحد في الحديثين، لا شك أن هذا من أوضح صور حمل المطلق على المقيد.
لكن الوجه الثاني أو القول الثاني له وجه وهو أن الحاجة داعية إلى البيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، نعم بُيِّن سابقًا لكن هل كل من حضر سمع هذا البيان، أو الذي يغلب على الظن أن أكثر من حضر في عرفة لم يحضر في المدينة؛ لأنه لما سمع الصحابة -رضوان الله عليهم- بأن النبي -﵊- عازم على الحج -كما في حديث جابر في مسلم- أتوه من كل ناحية، اجتمع عنده خلائق مد البصر عن يمنيه وعن شماله من أمامه ومن خلفه، مد البصر، فهؤلاء أكثرهم لم يسمع القيد.
ما القول المتجه في هذه المسألة؟
[ ٢٦ / ١٢ ]
الآن عندنا مسألة حمل المطلق على المقيد لا سيما في مثل هذه الصورة مع اتحاد الحكم والسبب، ظاهر أنه يحمل المطلق على المقيد، وعلى هذا يقطع، ولو لم يذكر في حديث ابن عباس، لعله اختلف الحكم والسبب، أو الحكم فقط، لا يحمل المطلق على المقيد كما هو موضح مفصل، أما هنا اتحد الحكم والسبب، ولذا يختلف أهل العلم في القطع، فمن قائل بالنسخ حديث ابن عباس ناسخ لحديث ابن عمر لما ذكرنا، ومنهم من يقول: لا بد من القطع؛ وحديث ابن عباس مقيد بحديث ابن عمر، ويؤيَّد القول الأول بالنهي عن إضاعة المال وإتلافه، القطع إتلاف للمال أو ليس بإتلاف؟ إتلاف، لا شك أن الأحوط من أراد الاحتياط لنفسه أن يعمل بالأشد وهو القطع، لكن من عمل بالقول الآخر له وجه؛ لأنه يلزم من العمل بالمقيد؛ لأن النبي -﵊- في وقت الحاجة إلى البيان ما بين في حديث ابن عباس.
«ولا يلبس من الثياب شيئًا مسه زعفران أو ورس»: الزعفران معروف، له لون ورائحة، ومثله الورس، نبت طيب الريح، وعلى هذا يمنع المحرم من الطيب بجميع ألوانه وأشكاله.
وللبخاري «ولا تنتقب المرأة»: يعني لا تلبس النقاب.
«ولا تلبس القفازين»: وهو ما يغطي اليد.
«لا تنتقب المرأة»: والمراد بالمرأة هنا أيش؟ المحرمة، المرأة المحرمة، مفهومه أن غير المحرمة أيش؟ تنتقب، مفهومه أن غير المحرمة لها أن تنتقب، نعم أبو داود يقدح في هذه اللفظة، لكن ليس لأحد أن يقدح والخبر في البخاري.
ولا إشكال في كون غير المحرمة تنتقب، تلبس النقاب، لكن إيش النقاب، ما النقاب؟ ما النقاب الذي تلبسه المرأة المسلمة؟
[ ٢٦ / ١٣ ]
نقب في حجاب الوجه، نقب بقدر حدقة العين لترى منه الطريق بقدر الحاجة، ولو زاد على هذا القدر ولو مليم واحد من البشرة صار إيش؟ سفور وليس بنقاب، لا بد أن نفهم معنى النقاب، ما يجينا واحد يقول: خلاص النقاب حلال، النقاب حلال، ويكشفون نصف الوجه لا، لا هذا ولا أن نضعف ما في البخاري، ما في البخاري صحيح، ومفهومه صحيح، تنتقب غير المحرمة، لكن إذا أخرج قدر شعرة من البشرة فهو سفور، بل لو قيل بوجوب تغطية بعض العين؛ لأنه لا يتم الواجب وهو تغطية البشرة إلا به لكان له وجه، لا يتوسع في معنى النقاب كما هو موجود الآن، ولا نضعف ما ثبت، أظنه كلام واضح وظاهر، ما يجي واحد يقول سمعنا واحد يقول إن النقاب حلال، إيش النقاب المقصود به، ما النقاب المقصود به؟
كلام على النقاب الشرعي الذي جاء في مثل هذه الرواية: نقب يكون في غطاء الوجه بقدر الحاجة، إن زاد ولو كان شيئًا يسيرًا وتعدى العين إلى البشرة فهو سفور ما يسمى نقاب، ولو قيل بوجوب تغطية بعض العين؛ لأنه لا يتم ستر البشرة بالكامل إلا بستر بعض العين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مقرر عند أهل العلم هذا، فنفهم الموضوع بدقة، لا نضعف ما في الصحيح؛ لأن الناس توسعوا في النقاب، لا، لكن نفهم إذا أردنا أن نعمل بالنصوص لا بد أن نفهم النصوص، الواقع ما يغير من النصوص شيئًا أبدًا، نعم الاحتياط مطلوب وسد الذرائع مطلوب ومقرر في الشرع، لكن يبقى أن كل شيء يقدر بقدره، ولا ننزل النصوص على أفهام العامة، لا ننزل النصوص على أفهام العامة: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [(٢٤ - ٢٥) سورة المعارج].
العامة يقولون: المحروم الذي عنده الملايين لكن ما يستفيد منها، هذا محروم، مسكين يعطى من الزكاة!! ما يعطى من الزكاة، ولو فهم العامة أنه محروم، فالنصوص لا تنزل على أفهام العامة، ولا على أفهام أهل الأهواء، إنما الذي يفهم النصوص على حقيقتها وعلى وجهها هم سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين.
«ولا تلبس القفازين»: وهو ما خيط على قدر اليد، لكن هل لها أن تلبس ما يغطي القدمين؟ أو نقول القدمان مثل اليدين؟ تلبس المرأة المحرم شراب الرجلين؟
[ ٢٦ / ١٤ ]
نعم تلبس، تلبس؛ لأنها ليست ممنوعة من المخيط إلا ما نص عليه.
حديث ابن عمر سم.