لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: ٧١، ٧٢] «غُمَّةٌ: هَمٌّ وَضِيقٌ».
قَالَ مُجَاهِدٌ: «اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ»، يُقَالُ (^١): افْرُقْ: اقْضِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ، فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَهُ، والنَّبَأُ العَظِيمُ: «القُرْآنُ»، ﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]: «حَقًّا فِي الدُّنيَا، وَعَمِلَ بِهِ».
_________________
(١) «يقال» زائدة من «عمدة القارئ» وغيره.
[ ٣٣٦ ]
(الشَّيخُ) رَاجِع كَلَامَهُ على التَّرجَمَةِ الأُولَى؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٨٩)]: «قَوْلُهُ: «بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالْبَلَاغِ» فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ والإِبلَاغ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ ابنُ التِّينِ، قَوْلهُ: لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ»: بَيَّنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ غَيْرُ ذِكْرِ اللَّهِ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ وَالثَّنَاءُ وَذِكْرَ اللَّهِ الْإِجَابَةُ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ رَفَعَهُ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلين»، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ ذِكْرُ اللَّهِ عِبَادَهُ بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ، وَيَكُونُ مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ إِذَا أَطَاعُوهُ أَوْ بِعَذَابِهِ إِذَا عَصَوْهُ، وَذِكْرُ الْعِبَادِ لِرَبِّهِمْ أَنْ يَدْعُوهُ وَيَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَيُبَلِّغُوا رِسَالَاتَهُ إِلَى الْخلقِ. قَالَ ابن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾: إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَلَى طَاعَتِهِ ذَكَرَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَإِذَا ذَكَرَهُ وَهُوَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذَكَرَهُ بِلعْنَتِهِ. قَالَ: وَمعنى قَوْلهِ ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾ اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَعُونَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَغْفِرَةِ.
وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ عِبَارَةٍ أَكْثَرُهَا عَنْ أَهْلِ الزُّهْدِ، وَمَرْجِعُهَا إِلَى مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالثَّوَابِ أَوِ الْمَحَبَّةِ وَالْوَصْلِ أَوِ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَذِكْرُ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ » إِلَى آخِرِهِ فَجَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَشْرَكُهُمْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ سَائِرُ الْعِبَادِ، وَحكى ابنُ التِّينِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ بِاللِّسَانِ وَعِنْدَمَا يَهِمُّ بِالسَّيِّئَةِ فَيَذْكُرُ مَقَامَ رَبِّهِ فَيَكُفُّ». [انتهى كلامه].
[ ٣٣٧ ]
قال ابنُ بَازٍ ﵀: الْمَقصُودُ من هَذِه التَّرجَمَةِ أنَّ فيهَا بَعضَ الإِشكَالِ، ولكنَّ مَقصُودَهُ ﵀ أنَّ ذِكرَ اللهِ للعبدِ بِالأَمرِ، هو تَفسِيرٌ للشَّيءِ بِبَعضِهِ، تَفسِيرٌ لِلذِّكرِ بِبَعضِهِ، فإنَّ ذِكرَ اللهِ لِلعَبدِ: قد يَكُونُ بِالأَمرِ وقد يَكُونُ بِغَيرِ الأَمرِ، فهو مِنْ بَابِ التَّفسِيرِ بِالبَعضِ، مِثلمَا فُسِّرَ الصِّرَاطُ الْمُستَقِيمُ بِاتِّبَاعِ القُرآنِ، يَعْنِي: والسُّنَة، بِاتِّبَاعِ أَبِي بَكرٍ وعُمرَ ﵄، يَعْنِي ما كَانَ عليه مِنْ السَّيرِ على مَنهَجِ السَّلفِ الصَّالحِ.
فَذِكرُ اللهِ بِالأَمرِ هو مِنْ هَذَا البَابِ، من بَابِ تَفسِيرِ الشَّيءِ بِبَعضِ مَعنَاهُ، فإنه سُبحَانَهُ يَذكُرُ العِبَادَ بِالأَمر «فَاتَّقُونِ، أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، آتُوا الزَّكَاةَ، حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ»، هَذِه أَوَامرُ.
ويَأتِي أَيضًا ذِكرُهُ لِلعِبَادِ بِغَيرِ الأَمرِ. يَأتِي بِالخَبرِ ما كَانَ ومَا يَكُونُ، يَذكُرُهُم بِالمَاضِي، يَذكُرُهُم بِالجَنَّةِ والنَّارِ، يَذكُرُهُم بِيَومِ القِيَامةِ، يُخبِرُ عن بَعضِ ما مَضَى، يُخبِرُ عن بَعضِ ما يَأتِي، يَذكُرُ لهم أَوصَافَ المُؤمِنِينَ، أَوصَافَ الكَافِرِينَ، كُلُّ هَذَا مِنْ ذِكرِهِ سُبحَانَهُ.
هو ذَكرَ هَذِه الأَشيَاءَ لِمَا فيهَا مِنْ العِظَةِ والتَّوجِيهِ وتَنبِيهِ العِبَاِد عما يَنبَغِي أن يَفعَلُوه، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكرتُهُ في مَلإٍ خَيرٍ مِنهم» (^١). ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾. فِذِكُرُ اللهِ بِخَوفِهِ، ومَحَبَّتِهِ، والثَّنَاءِ عليه، وبَيَانِ صِفَاتِهِ وأَسمَائِهِ الحُسنَى، إلى غَيرِ ذَلكَ، مِنْ أَسبَابِ أنَّ اللهَ يَذكُرُ العَبدَ بِأحسَنِ خِصَالِهِ وأَفضلِ
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) (٢)
[ ٣٣٨ ]
خِصَالِهِ مِمَّا يَجرِي ذِكرُهُ العَظِيمُ عند المَلَائِكَةِ.
وتَفسِيرُ ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: هو عند المَعصِيةِ يُذَكِّركُمْ بِاللهِ. مَحَلُّ نَظرٍ، وإنما ظَاهِرُ السِّياقِ وظَاهِرُ النُّصُوصِ الأُخرَى: الحَثُّ على ذِكرِهِ ﷾ بِالقَولِ والعَملِ، يَعْنِي: بِطَاعَتهِ واتِّبَاعِ شَريعَتِهِ، يَذكُرُ العِبَادَ بما يَنفَعُهُم وبما يُعلِي شَأنَهُم عند الْمَلَأ الأَعلَى، وقول المؤلف: (ذِكْرُ اللهِ الأَمرُ) مِنْ بَابِ تَفسِيرِ الشَّيءِ بِبعضِ مَعنَاهُ.
وأمَّا ذِكرُ العِبَادِ بِالدُّعَاءِ والخَوفِ والرَّجَاءِ والبَلَاغِ، هَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، العِباُد ذِكرُهُم للهِ بِثنَائِهِم عليه، وتَسبِيحِهِم إِيَّاهُ، وذِكرُ صِفَاتهِ وأَسمَائِهِ، ذِكرُ حَقِّهِ على عِبَادِهِ، البَلَاغُ عنِ اللهِ، والبَلَاغُ عن رَسُولِهِ ﵊، وَعظُ النَّاسِ وتَذكِيرُهُم، كُلُّ هَذَا مِنْ ذِكرِ العِبَادِ.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ (٦)﴾ [التوبة: ٦] الشَّاهِدُ منه كَلَامِ اللهِ مِنْ الذِّكرِ؟
هَذَا من ذِكرِهِ سُبحَانَهُ.
* * *
[ ٣٣٩ ]