وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
٧٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (^١).
ومُرَادُ المُؤَلفِ بهَذَا أنَّ الوَاجِبَ على العِبَادِ إِثبَاتُ مَشِيئَةِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ، وأنَّ ما شَاءَ اللهُ كَانَ وما لم يَشأْ لم يَكُن، وأنَّ مَشِيئَتَه نَافِذَةٌ عَامَّةٌ لا مَانعَ لِمَا شَاءَ ﷾، فما شَاءَه جل وعلا نَفذَ لا رَادّ له: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٦٧٨).
[ ٢٢٣ ]
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، يُؤتِي المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، ويُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ ويَهدِي مَنْ يَشَاءُ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣] إلى غَيرِ ذَلكَ.
فَمَشِيئَتُه نَافِذَةٌ ﷾، وما في الوُجُودِ كُلِّهِ نَشَأَ عن مَشِيئَتِهِ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] يَعْنِي: لما يَشَاءُ.
وهَذَا مِنْ مَعنَى الإِيمَانِ بِالقَدَرِ، فإنَّ الإِيمَانَ بِالقَدرِ يَشمَلُ أَربَعَةَ أُمُورٍ، لا يِتِمَّ الإِيمَانُ بِالقَدَرِ الذي هو أَصلٌ مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ إلا بِإيمَانِ العَبدِ بِأَربَعَةِ أُمُورٍ:
الأَمرُ الأَوَّلُ: أن يُؤمِنَ بِعلْمِ اللهِ وأنَّ اللهَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ لا يَخفَى عليه خَافِيةٌ ﷾: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١].
الثاني: كِتَابَتُهُ لِلأَشيَاءِ، أَنَّه كَتَبَ كُلَّ شَيءٍ ﷾ كمَا قَالَ ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠] وقال في سُورةِ الحَدِيدِ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢].
والثَّالِثُ: مَشِيئَتُهُ النَّافِذَةُ: يُؤمِنُ بأنَّ ما شَاءَ اللهُ كَانَ ومَا لمْ يَشَأ لم يَكُنْ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام:
[ ٢٢٤ ]
٨٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] ﷾، لا رَادَّ له جل وعلا: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩] ﷾.
الرَّابِعُ: خَلقُهُ لِلأَشيَاءِ وإِيجَادُهُ لها، هو الخَلَّاقُ لها، هو المُوجِدُ قَدَّرَهَا وخَلقَهَا، شَاءَهَا وخَلَقَهَا، هَذَا الرَّابِعُ أَنَّه خَالِقُ الأَشيَاءِ ومُوجِدُهَا ومُختَرِعُهَا على غَيرِ مِثَالٍ سَبَقَ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] فَالمَشِيئَةُ لها صِفَةُ العُمُومِ، فما شَاءَ اللهُ كَانَ وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ، وتَكُونُ في الخَيرِ والشَّرِّ، مِنْ حَيَاةٍ أو مَوتٍ أو عَجزٍ أو صَلَاحٍ أو ضَلَالٍ وغَيرِ ذَلكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
أمَّا الإِرَادَةُ فهي قِسمَانِ:
١ - إرَادَةٌ بِمَعنَى المَشِيئَةِ: كما قَالَ ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] أي: إذا شًاءَ شَيْئًا ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، بِمَعنَى المشيئة ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] أي: لِمَا يَشَاءُ. ومِن هَذَا قَولُهُ سُبحَانَهُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يَعْنِي: يَشَاءُ أن يَهدِيَهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] هَذِه لا رَادَّ لها؛ لأنَّها بِمَعنَى المَشِيئَةِ.
ولِهذَا قَالَ في قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] اجْتَهَدَ النَّبيُّ ﷺ في هِدَايَةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، ودَعَاهُ إلى اللهِ في صِحَّتِهِ وفي مَرَضِه قَبلَ أن يَمُوتَ، ولكنه أَصَرَّ على دِينِ قَومِهِ، وقال: «هو على مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلبِ» عند مَوتِهِ -والعِياذُ بِاللهِ- فَأنزَلَ اللهُ في
[ ٢٢٥ ]
ذَلكَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] وهو القَائِلُ في شِعرِهِ:
لَولَا المَلَامَةُ أو حِذِار مَسبَّةٍ … لَوجَدتَنِي سَمْحًا بِذَاك مُبِينًا
تَركَ الإِسلَامَ لِئَلَّا يُقَالَ له: إنَّ أَشيَاخَهُ ضَالُّونَ، لِيسَيرِ على دِينِ أَشيَاخِهُ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣].
وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَجِيءَ بِسُبَّةٍ … تَجَرُّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ
لَكُنَّا اتَّبَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ … مِنَ الدَّهْرِ جِدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ (^١)
المَقْصُودُ: أَنَّه على بَصِيرةٍ، على عِلمٍ، ولكنه تَركَ ذَلكَ مُتَابَعَةً لِأسْلَافِهِ وأَشيَاخِهِ؛ فَصَارَ إلى النَّارِ -والعِياذُ بِاللهِ- مع كَونِهِ نَاصَرَ النَّبيَّ ﷺ وحَمَاهُ، وبَذَلَ جُهْدًا كَبِيرًا في حِمَايَتهِ مِنْ أَذَى قَومِهِ، ولَكنَّه لم يَكتُبِ اللهُ له السَّعَادَةَ.
وأَخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أَنَّه رَآهُ في جَمرَاتٍ مِنَ النَّارِ؛ فَشَفَعَ إلى رَبِّهِ فصَارَ في ضَحضَاحٍ منَ النَّارِ يَغلِي منها دِمَاغُهُ (^٢)، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
٢ - أما الإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ: فهي بِمَعنَى الْمَحبَّةِ وبِمَعنَى الرِّضَا، قد يَقَعُ مُرَادُها وقد لا يَقَعُ مُرَادُهَا، اللهُ أَرَادَ مِنَ العِبَادِ أن يَعبُدُوهُ وأن يُطِيعُوهُ، فمنهم مَنْ امْتَثَلَ وَوَحَّدَ اللهَ وأَطَاعَ أَمرَهُ -وهم الأَقَلُّ- وَمِنهُم من عَصَى وكَفرَ -وهمُ الأَكثَرُونَ-.
هَذِه الإِرَادَةُ يُقَالُ لها: إِرَادَةٌ شَرعِيَّةٌ بِمَعنَى المَحَبَّةِ وبِمَعنَى الرِّضَا، أَرَادَ أن يُؤِمِنُوا، أي: أَحَبَّ مِنْهُم ذَلكَ ورَضِيَ مِنْهُم ذَلكَ، ولكنَّ الأَكثَرِينَ لمْ يَفعَلُوا.
_________________
(١) انظر «البداية النهاية» لابن كثير، ط هجر (٤/ ١٤٢).
(٢) رواه البخاري (٣٨٨٥).
[ ٢٢٦ ]
ومن هَذَا البَابِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، هَذِه الإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ، يُحِبُّ لِعبِادِهِ ذَلكَ، يُحِبُّ لهم اليُسرَ ولا يُحِبُّ لهم العُسرَ، لكن قد يَفعَلُ هَذَا وقد لا يَفعَلُهُ ﷾.
ولِهذَا يَقعُ الكَثِيرُ من النَّاسِ في عُسرٍ ومَشَاقٍّ، قد يُقتَلُ بَعضُهُم وقد يَهْلكُ بِالغَرقِ وغَيرِ ذَلكَ؛ لما سَبَقَ في عِلمِ اللهِ وإِرَادَتهِ الكَونِيةِ أَنَّه يَقعُ هَذَا الشَّيءُ.
وكذَلكَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]. هَذِه إِرَادَةٌ شَرعِيَّةٌ، قد يَقَعُ مُرَادُهَا وقد لا يَقعُ مُرَادُهَا، مِثلمَا تَقَدَّمَ أنَّ اللهَ أَرادَ مِنْ العِبَادِ أن يَعبُدُوهُ، وأَرَادَ مِنْ العِبَادِ أن يُطِيعُوا الرُّسُلَ، ولَكنْ منْهُم مَنْ أَطَاعَهُم ومنْهُم منْ لمْ يُطِعْ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]. أَكثَرُ الرُّسُلِ ما أَطَاعَهَمْ قَومَهَمْ، وَمِنهُم مَنْ أَطَاعَهُ الكَثِيرُ وعَصَاهُ الكَثِيرُ، ومِنهم مَنْ قَتَلَهُ قَومُهُ.
فالحَاصِلُ: أنَّ الإِرَادَةَ الشَّرعِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنسِ الإِرَادَةِ الكَونِيَّةِ، الكَونِيَّةُ مِنْ جِنسِ المَشِيئَةِ لا يَتَخَلَّفُ مُرَادُهَا، وأمَّا الإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ فقد يَقَعُ مُرَادُهَا وقد لا يَقعُ مُرَادُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعنَى الْمَحبَّةِ والرِّضَا، أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ أن يَعبُدُوهُ، يَعْنِي أَحَبَّ مِنْهُم ذَلكَ وأَمَرَهُم بهَذَا وَرَضِي مِنْهُم هَذَا، لَكنَّ الأَكثَرِينَ لم يَستَجِيبُوا للدَّاعِي.
هَذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ زَلَّت فيه أَقدَامٌ وضَلَّت فيه أَفهَامٌ مِنْ أَهْلِ الِبدعِ مِنَ المُعتَزلةِ والقَدَريةِ وغَيرِهِم مِمَّنْ سَارَ في رِكَابِهِم، ظَنُّوا أن الِإَراَدةَ وَاحِدَةٌ، قَالُوا: كيف يُخَالَفُ مُرَادُ اللهِ؟! وقد ضَلُّوا في هَذَا، فَالإِرَادَةُ قِسمَانِ، لَيستَ وَاحِدَةً:
[ ٢٢٧ ]
١ - الإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ.
٢ - والإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ.
فَالإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ بِمَعنَى المَشِيئَةِ لا يَتَخَلَّفُ مُراَدُهَا ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] والإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ بِمَعنَى الْمَحبَّةِ والرِّضَا فقد يَقَعُ مُرَادُهَا وقد لا يَقَعُ الْمُرَادُ. وقد فَصَّلَ ذَلكَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ في كِتَابِهِ «شِفَاءِ العَلِيلِ» وغَيرِهِ مِنْ أَئمَّةِ العِلْمِ في التَّفسِيرِ وغَيرِ التَّفسِيرِ، وهَكَذَا أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ في فَتَاوَاه الكَثِيرَةِ.
٧٤٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي عَبْدُ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقَاللَّهُمَّ «أَلَا تُصَلُّونَ»، قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٧٧٥).
[ ٢٢٨ ]
والشَّاهِدُ قَولُ عَليٍّ ﵁: «إنما أَنفُسُنَا بِيدِ اللهِ، إن شَاءَ رَدَّهَا وإن شَاءَ أَمسَكَهَا». فهي الإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ، كَأنَّ النَّبيَّ ﷺ كَرِهَ منه هَذَا ﵊؛ لأنَّه أَتَاهمَا وقال: «ألا تُصَلِّيَانِ»، فَحَثَّهُما على أن يَقُومَا يَتَهجَّدا بِاللَّيلِ، فقال عَليٌّ ﵁ ما قَالَ: «إنما أَنفُسُنَا بِيدِ اللهِ» يَعْنِي: أَرْوَاحُنَا، إن شَاءَ رَدَّهَا وإن شَاءَ أَمسَكَهَا. فَانصَرَفَ ولم يُرجِعْ إليه شَيْئًا؛ فَسمِعَهُ يَقُولُ وهو يَضرِبُ فَخِذَهُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ [الكهف: ٥٤].
فهو جَادَلَ بِالقَدَرِ، ولو قَالَ كَلِمَةً أُخرَى غَيرَ ذَلكَ لكان أَنسَبَ؛ لأنَّ القَدَرَ ما يُحتَجُّ به في التَّخلُّفِ عن المحَابِّ الشَّرعِيَّةِ، الإِنسَانُ يُعَالِجُ، وإِنما يُحتَجُّ بِالقَدَرِ بعد المُصِيبَةِ: «إنَّا للهِ وإنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ».
أمَّا أنْ يُحتَجَّ بِالقَدَرِ على تَخَلُّفِهِ عنِ العَملِ الصَّالحِ وهو يَستَطِيعُ العِلَاجَ؛ هَذَا ما يَلِيقُ، ولكن يَعمَلُ الأَشيَاءَ، مَثَلًا يَجعَلُ مَنْ يُوقِظُه وَقتَ العِبَادَةِ، بعدَ وُجُودِ السَّاعَاتِ الآن يَجعَلُ السَّاعَةَ على الوَقتِ الذي يُريدُ، يَفعَلُ الأَسبَابَ، إذا كَانَ صَادِقًا يَفعَلُ الأَسبَابَ، لا يَحتَجُّ بِالقَدرِ وهو مُعرِضٌ أو غَافِلٌ أو مُتَسَاهلٌ أو مُقَصِّرٌ في الأَسبَابِ، لا يَكُونُ هَذَا صَحِيحًا، بلْ لا بُدَّ مِنْ عِلَاجٍ.
فلو أنَّ إِنسَانًا تَركَ الأَسبَابَ ونَامَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمسُ ما يَكُونُ عُذْرًا له في تَركِ صَلَاةِ الفَجرِ، أو نَامَ عند قُربِ الظُّهرِ ولم يَجعَلْ هُنَاكَ أَسبَابًا حَتَّى فَاتَتْهُ الظُّهرُ أو حَتَّى فَاتَتهُ العَصرُ ما يَكُونُ عُذرًا له، ولا يَكُونُ مِنَ العُذرِ؛ لأنهُ مُفَرِّطٌ.
أمَّا لو أَمرَ مَنْ يُوقِظُه مِنَ الثِّقَاتِ وقَال: إذا أُذِّنَ أَيقِظنَي. أو ركَّبَ السَّاعَةَ
[ ٢٢٩ ]
على الوَقتِ المُنَاسِبِ ثم لم يَسمَعْهَا، أو أَصَابَهَا خَلَلٌ يَكُونُ مَعذُورًا.
ثم أيضًا هَذَا فيه تَفصِيلٌ للعُذرِ، لا يُؤَقِّتُ السَّاعَةَ مَثَلًا وهو مُتَأَخِّرٌ في النَّومِ؛ فَيَستَحكِمُ عليه النَّومُ ولا يَسمَعُ؛ فَيكُونُ مَلُومًا مِنْ جِهِةِ تَأَخُّرِه وسَهرِهِ، فَالوَاجِبُ أن يَتَقَدَّمَ ويَنَامَ مُبَكِّرًا حَتَّى لا يَغلِبَهُ النَّومُ، وحتى يَستَطِيعَ أن يَسمَعَ المُنَبِّهَ أو السَّاعَةَ، فإذا ما تَأَخَّرَ وما نَامَ إلا عند الفَجرِ كيف يَسمَعُ السَّاعَةَ؟! قد اسْتَغرَقَ في النَّومِ وسَقطَ كَالمَيِّتِ؛ هَذَا مُفَرِّطٌ وليس بِمعذُورٍ ولو جَعلَ السَّاعَةَ عند رَأسِهِ؛ لِأنَّه سَهرَ وتَأَخَّرَ، وكان النَّبيُّ ﷺ يَكرَهُ النَّومَ قَبلَهَا -العِشَاءَ- والحَدِيثَ بَعدَهَا (^١) ﵊، ونَهَى عنِ السَّمَرِ، يَعْنِي السَّمرَ الذي يَضُرُّ الإِنسَانَ أو السَّمرَ الذي في غَيرِ مَصلَحَةِ المُسْلِمِينَ أو في غَيرِ ضَرُورَةٍ.
فالحَاصِلُ: أنَّ السَّمرَ الذي يَفعَلُه الكَثيرُ منَ النَّاسِ في القِيلَ والقَالِ، أو سَماَعِ آلَاتِ المَلَاهِي أو في الأَخبَارِ التي تَضُرُّهُ ولا تَنفعُهُ أو في غَيرِ هَذَا مما لا يُضطَرُّ إليه؛ ما هو عُذرٌ إذا تَأَخَّرَ ونَامَ عنِ الفَجرِ؛ لِأنَّه مُفَرِّطٌ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: احْتِجَاجُ آدَمَ ومُوسَى ﵉؟
هَذَا احتجَّ بعد التَّوبَةِ؛ لأنَّ مُوسَى ﵊ لامَهُ على المُصِيبَةِ التي هي خُرُوجُهُ منَ الجَنَّةِ؛ فقال له آدَمُ ﵇: «أَتعلَمُ أن هَذَا كُتِبَ عليَّ قبلَ أن أُخلَقَ بِأَربَعِينَ سَنةً»، كما في الحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فحجَّ آدَمُ مُوسَى»؛ لأنَّ هَذَا شَيءٌ كُتِبَ عليه وليْسَ مِنْ فِعلِهِ، إنما فِعْلُهُ أَكلُهُ مِنَ الشَّجرَةِ، فهو مَلُومٌ عليها لكنَّه تَابَ، ومَن تَابَ لا يُلَامُ وقد تَابَ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢] والإنَسَانُ بعد التَّوبَةِ لا يَجُوزُ أن يُلَامَ، لا يُقَالُ لِلإِنسَانِ إذا تَابَ من الزِّنَا أو الخَمرِ عَصَى رَبَّه، بَعد التَّوبَةِ لا، إنما التَّوبِيخُ قَبلَ ذَلكَ.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٢٣٥) (٦٤٧).
[ ٢٣٠ ]
كذَلكَ المُصِيبَةُ، إذا الإِنسَانُ نَزلَت به مُصِيبَةٌ فَالأَمرُ لَيْسَ بِيدِهِ، نَفسُ المُصِيبَةِ مِنْ مَرضٍ أو غَيرِه، ذَلكَ من المَصَائبِ التي لَيْسَت مِنْ فِعلِهِ لا يُلَامُ، اللَّائِمُ هو المَلُومُ؛ ولِهذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦]، احتَجُّوا بِالقَدرِ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ لأنَّ المُصِيبةَ لَيْسَت بَأَيدِيهِم وَلَيْسَت بِاخْتِيارِهِم.
٧٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالُ ابْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ يَفِيءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا، فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ» (^١).
«يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ» يَعْنِي: يُصيبُهُ أَنوَاعُ البَلَاءِ.
(الشَّيخُ): رَاجِعْ ضَبَطَها الشَّارح؟ أوِ العَينيُّ حَاضرٌ؟ كَذَا عندَكَ «أُرْزَة بِالضَّمِّ أو أَرْزَة»، العَينيُّ حَاضِرٌ؟ الشَّارِحُ ما ضَبَطَ؟
المَعرُوفُ كَالأَرزَةِ بِالفَتحِ، شَجرَةٌ عَظِيمَةٌ يُقَالَ لها: «الصَّنَوْبَرُ»، أيضًا قَوِيَّةٌ صَلَبةٌ لا تَنجَعِفُ إلا مَرةً وَاحِدَةً، كَالكَافِرِ يَعِيشُ صَحِيحًا سَلِيمًا في الغَالِبِ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٨١٠).
[ ٢٣١ ]
حَتَّى يَأتِيَهُ أَجَلُهُ فَيكُونُ ذَلكَ أَكمَلَ في عَذَابِهِ ونَكَالِهِ -نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ- لِأنَّه لم تُصِبْهُ مَصَائِبُ تُخفِّفُ عنه، المَصَائِبُ تُخفِّفُ.
أمَّا الْمُؤمِنُ كَخَامةِ الزَّرعِ مِثلُ الزُّرُوعِ المَعرُوفَةِ، هَذِه تَكْفَؤهَا الرِّيَاحُ هَكَذَا وهَكَذَا، إذا جَاءَت الرِّياحُ كَفَأَتهَا ها هنا وها هنا وَرُبَّما كَسَرَتهَا الرِّيحُ لِشَدِّتِهَا.
فهَكَذَا المَؤمِنُ تُصِيبُهُ أَنوَاعُ البَلَاوِي وربما اشْتَدَّ به البَلَاءُ حَتَّى يَمُوتَ، وهَذِه البَلَاوِي كَفَّارَةٌ له: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ مِنْ خَطَايَاهُ» (^١)، فالمُؤمِنُ عُرضَةٌ للمَصَائِبِ وسَائِرِ الأَمرَاضِ والأَكدَارِ؛ لِيُكفِّرَ اللهُ به مِنْ خَطَايَاهُ ويَرفَعَ به من دَرجَاتِهِ، ويُضَاعِفَ من حَسنَاتِهِ، بِخِلَافِ الكَافِرِ فإنه قد يَعِيشُ سَلِيمًا إلى المَوتِ كَالأَرزَةِ؛ حَتَّى يَكُونَ ذَلكَ أَكمَلَ في العَذَابِّ وأَشَدَّ في العَذَابِ -نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ- يَمُوتُ وقد تَوفَّرَتِ السَّيئَاتُ ولم يُكَفِّرْهَا شَيءٌ.
٧٤٦٧ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ، يَقُولَ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صَلَاةِ العَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُعْطِيتُمُ القُرْآنَ، فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ،
_________________
(١) رواه أحمد في «المسند» (٨٠٢٧)، ومسلم (٥٢) (٢٥٧٣)، واللفظ لأحمد.
[ ٢٣٢ ]
فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَقَلُّ عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا؟ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
﷾ وهَذَا فَضلُهُ جل وعلا أنَّ هَذِه الأُمَّةَ أَقلُ عَمَلًا وأَقلُّ مُدَّةً، وأَكثَرُ أَجرًا، قد خَفَّفَ لنا على من قَبلَنَا أَعمَالًا كَثِيرَةً وآصَارًا لِحكمَةٍ بَالَغةٍ ﷾.
وضَربَ لِهذَا مَثَلًا بِالمُستَأجَرِينَ، فَبَقَاءُ هَذِه الأُمَّةِ فيمَن قَبلَهَا مِثلُ ما بينَ صَلَاةِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ يَعْنِي: أنَّ مُعظَمَ الدُّنيَا ذَهَبَ، مُعظَمُ الدُّنيَا ذَهَبَ قَبلَ هَذِه الأُمَّةِ، ثم جَاءَت هَذِه الأُمَّةُ لَيْسَ لها إلا مِقدَارُ العَصرِ، وقد ذَهَبَ منه الآنَ الشَّيءُ الكَثِيرُ، ونحن في آخِرِ الزَّمَانِ وآخَرِ هَذَا العَصرِ الذي بعده تَقومُ السَّاعَةُ، ولكنَّ اللهَ جل وعلا جَعلَ لهَذِه الأُمَّةِ مِنْ الفَضلِ والخَيرِ والمُضَاعَفَةِ في الأُجُورِ أَكثرَ مما جَعلَ لِمَنْ قَبلَهَا.
ومثَّلَ لِليَهُودِ بمن عَمِلَ مِنْ الصَّبَاحِ إلى الظُّهرِ على قِيرَاطٍ، والنَّصَارَى منَ الظُّهرِ إلى العَصرِ على قِيرَاطٍ، وهَذِه الأُمَّةُ مِنْ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، وجَعل لها قَيرَاطَينِ، ضَاعَفَ لها الأَجرَ مع قِلَّةِ الوَقتِ والعَملِ.
قالت اليَهُودُ والنَّصَارَى: يا رَبَّنَا، ما بَالُنَا أَكثَرُ عَمَلًا وأَقلُّ أَجرًا؟ قَالَ: هل ظَلَمتُكُم مِنْ حَقِّكُم شَيْئًا؟ قالُوا: لا. قَالَ: فَذَلكَ فَضلِي أُوتِيهِ مَنْ
[ ٢٣٣ ]
أَشَاءُ. ﷾.
فَالأُجرَاءُ يَختَلِفُونَ مع أَنَّهُمْ في الحَقِيقَةِ لَيسوا أُجَرَاءَ بل فَضلٌ مِنَ اللهِ تَفَضَّلَ عَلَيهِم، وأَحسَنَ إِلَيهِم بأن وَفَّقَهُم لِطَاعتِهِ وهَدَاهُم لَطَاعَتِهِ ومَنَّ عَلَيهِم بِطَاعَتِهِ؛ فَضلًا منه جل وعلا، ثمَّ جَازَاهُم فَضلًا منه.
فَأعمَالُهُم فَضلٌ منه سُبحَانَهُ، تَوفِيقُ اللهِ لهم وهِدَايَتُهُ لهم فَضلٌ منه، هو الذي وَفَّقَهُم وهَدَاهُم، ثم إِعطَاؤُهم الثَّوَابَ والأَجرَ فَضلٌ منه ﷾.
٧٤٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ المُسْنِدِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ، فَقَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنيَا، فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (^١).
كَذَا عِنْدَكُمْ ﴿وفَى﴾ بِتَخفِيفِ الفَاءِ؟ ما ضَبَطَهَا الشَّارِحُ؟
(القَارئُ): قَالَ: «تَقَدَّمَ في كِتَابِ الإِيمَانِ».
_________________
(١) ورواه مسلم (١٧٠٩).
[ ٢٣٤ ]
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: الظَّاهِرُ أنَّ فيهَا الوَجهَينِ ﴿وفَى﴾ بِما التَزمَ به، أو ﴿وفَّى﴾ بِالتَّشدِيدِ، وهو أَكمَلُ.
وهَذَا يَدُلُّ على أن العَبدَ بَينَ أُمُورٍ -هَذِهِ الَبيعَةُ يُقالُ لها بَيعَةُ النِّسَاءِ، المَذكُورَةُ في سُورَةِ المُمتَحنَةِ- فَالعبدُ بَين أُمُورٍ:
١ - بينَ أن يُوفِّيَ بما عَاهَدَ اللهَ عليه؛ فله أَجرُهُ عِنْدَ اللهِ.
٢ - والَأمرُ الثَّانِي: أن يُؤخَذَ بما عَمِلَ مِنَ التَّقصِيرِ وتُقَامُ عليه الحُدُودُ أو يُعَاقَبُ بِعُقُوبَاتٍ في الدُّنيَا على فِعلِهِ، فاللهُ أَكبَرُ من أن يُعِيدَ عليه العُقوبَةَ؛ فَيكُونَ جَزَاءً له، إلا أن يَفعَلَ بعد ذَلكَ شَيْئًا آخَرَ، إلا أن يُعِيدَ الكَرَّةَ.
٣ - والأَمرُ الثَّالثُ: يُستَرُ، يَفعَلُ المَعصِيَةَ ويُستَرُ، لا يَتُوبُ ولا يُعَاقبُ في الدُّنيَا بل يُستَرُ، هَذَا أَمرُهُ إلى اللهِ إن شَاءَ عَذَّبَهُ وإن شَاءَ غَفرَ له كمَا في قَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أمَّا مَنْ وَفَّى واستقَامَ على دِينِ اللهِ فهَذَا أَجْرُهُ على اللهِ ﷾.
أمَّا الحَالَةُ الثَّانِيةُ: الذي أَتَى المَعَاصِيَ ثم عُوقِبَ، زَنا فَأُقيمَ عليه الحَدُّ، شَربَ الخَمرَ فَأُقِيمَ عليه الحَدُّ ثم لم يَعُدْ، فهَذَا كَفَّارَةٌ له، فإن عَادَ إلى زِنًا ثَانٍ هَذِه عُقُوبةُ زِنًا ثَانِيَةٌ، أو عَادَ لِشُربٍ آخَرَ عليه عُقُوبَةٌ ثَانِيةٌ. لكن إن زَنَا فَأُقِيمَ عليه الحَدُّ ثم مَاتَ على ذَلكَ؛ كَانَ كَفَّارةً له هَذَا الحَدُّ، كذَلكَ قَتَلَ فَقُتِلَ كذَلكَ.
الثَّالثُ: مَستُورٌ، عَصَى وسُتِرَ فلم يُقَمْ عليه الحَدُّ فهَذَا أَمرُهُ إلى اللهِ، إن شَاءَ عَفَا عنه بِفضلِهِ سُبحَانَهُ بِأسبَابِ أَعمَالٍ صَالِحَةٍ، أو شَفَاعةِ الشُّفَعَاءِ أو
[ ٢٣٥ ]
الأَفرَاطِ أو المَلَائِكَةِ أو نَحوِ ذَلكَ، وإن شَاءَ رَبُّنَا عَاقَبَهُ على قَدرِ الجَريمَةِ التي مَاتَ عليها فَيدخُلَ النَّارَ يُعذَّبُ في النَّارِ، ثم بعد ما يُطَهَّرُ ويُمَحَّصُ في النَّارِ يُخرِجُه اللهُ من النَّارِ كمَا جَاءَت بِذَلكَ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ، ومنها قَولُهُ سُبحَانَهُ في سُورَةِ النِّسَاءِ في المَوضِعَينِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، وهَذَا يَشمَلُ جَمِيعَ المَعَاصِي التي دُونَ الشِّركِ مِنْ الزِّنَا وغَيرِهِ.
وهَكَذَا الأَحَادِيثُ المُتَوَاتِرَةُ عن الرِّسُولِ ﷺ، وَأنَّه يَشفَعُ في أَهْلِ المَعَاصِي، وأنَّ اللهَ يَحِدُّ له حَدًّا، وَأنَّه يَعُودُ مَرَّةً بعد مَرَّةٍ ﵊، وهَكَذَا شَفَاعةُ المَلَائِكَةِ والمُؤمِنِينَ والأَفرَاطِ، كُلُّ هَذَا مِمَّا تَوَاتَرَت به الأَخبَارُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ.
شَيخُ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، إن لم يَستُرِ اللهُ عليه تَكُونُ كَفَّارةً؟
يَكُونُ مَا أَصَابَهُ كَفَّارةً إذا لم يَعُدْ.
هَذِه بَيعَةُ العَقَبةِ الأُولَى أو بَيعَةُ النِّسَاءِ؟
هَذِه بَيعَةُ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، هَذِه يُقاَلُ لها: بَيعَةُ النِّسَاءِ، هَذِه بَايَعَها الصَّحَابَةَ ﵃ بعد ذَلكَ، أَمَّا البَيعَةُ الأُولَى بَيعَةُ العَقَبَةِ غَيرُ هَذِه البَيعَةِ، يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ﷺ وَيحمُونَهُ كما يَحمُونَ نَسَاءَهُم وذُرِّيَاتِهِم.
[ ٢٣٦ ]
٧٤٦٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ﵊ كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً، فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ، وَلْتَلِدْنَ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ، فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَلَدَتْ شِقَّ غُلَامٍ. قَالَ نَبِيّ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (^١).
يَعْنِي: أنَّ سُليمَانَ ﵇ قَالَ: تَلِدُ كُلُّ امْرَأةٍ غِلَامًا يُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ ولم يَقُل: إنْ شَاءَ اللهُ، ولِهذَا لم يَقَعْ مَا أَرَادَ؛ لِيُرِيَهُ اللهُ الآيَاتِ والعِبرَ، وأنَّ الأَمرَ لَيْسَ بِيدِهِ ولكنَّهُ بِيدِ اللهِ ﷾، فلم تَلِدْ لَه إِلَّا امْرَأةٌ وَاحِدَةٌ شِقَّ إِنسَانٍ -نِصفَ إِنسَانٍ- هَذَا مِنْ آيَاتِ اللهِ العَظِيمَةِ، ومِنَ التَّعرِيفِ به سُبحَانَهُ وأنَّ الأَمرَ بِيدِهِ، وأنَّ الأَنبِيَاءَ ﵈ قد يَخفَى عَلَيهِم بَعضُ الأَمرِ فَيُعرِّفُهُم ﷾ ما قد يَخفَى عَلَيهِم.
سُليمَانُ ﵇ جَاءَ في رِوَايَةٍ: «سِتِّينَ» وجَاءَ في رِوَايَةٍ: «سَبعِينَ» وجَاءَ: «تِسعِينَ». وكان في شَرِيعَةِ التَّورَاةِ يُبَاحُ لهم منَ النِّسَاءِ كَثِيرٌ، أمَّا في شَرِيعَةِ الإِسلَامِ فَحَصَرهُمُّ الرَّبُّ جل وعلا على أَربَعٍ، ما عَدَا النَّبيَّ ﷺ فله أَكثَرُ مِنْ ذَلكَ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٦٥٤).
[ ٢٣٧ ]
المَقْصُودُ: أنَّ شَرِيعَةَ التَّورَاةِ كَانَ فيها تَوَسُّعٌ في أَمرِ النِّسَاءِ.
(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على قَولِهِ: «سِتِّينَ امْرَأَةً»؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٥١)]: «الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ فِي قَوْلِ سُلَيْمَانَ ﵇: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي»، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ نِسَائِهِ، وَذَكَرَهُ هُنَا بِلَفْظِ: «لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ»، أَيْ لَوْ قَالَ: «إنْ شَاءَ اللهُ» كَمَا في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلِ: إنْ شَاءَ اللهُ؛ بِحسَبِ اللُّغَةِ». [انتهى كلامه].
٧٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ فَقَالَ: «لا بَأْسَ عَلَيْكَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ». قَالَ: قَالَ الأَعْرَابِيُّ: طَهُورٌ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ القُبُورَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَنَعَمْ إِذًا».
يَعْنِي: اللهُ أَكبَرُ ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ما قَبِلَ أن تَكُونَ طَهُورًا، لِجهلِهِ مَا قَبلَ أن تَكُونَ طَهورًا، بل قَالَ: «بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ القُبُورَ»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فنَعَم إذًا». نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
وهَذَا يُبَيِّنُ لنا أن قَولَ الزَّائرِ العَائِدِ لِلمَرِيضِ: «طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ» أنَّ هَذَا
[ ٢٣٨ ]
لَيْسَ مِنْ المَنهِيِّ عنه، لَيْسَ مِنْ جِنسِ الدُّعَاءِ، بل هو خَبَرٌ (^١)؛ ولِهذَا قَالَ: «طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ».
يَعْنِي: هنا المَرضُ طَهُورٌ لكَ إنْ شَاءَ اللهُ منَ الذُّنُوبِ، فهو خَبَرٌ لا دُعَاءٌ، بِخِلَافِ ما تَقَدَّمَ: «إذا دَعَا أَحَدُكُم فلا يَقُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ؛ فإنَّ اللهَ لا مُسْتَكْرِهَ له» (^٢)، فهَذَا في إِثبَاتُ الدُّعَاءِ، لا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي إن شَئتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي إنْ شِئتَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانٍ إن شِئتَ، اللَّهُمَّ أَدخِلْنِي الجَنَّةَ إن شِئتَ. لا يَقُولُ هَكَذَا، بل يَجزِمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، اللَّهُمَّ ارْحمْنِي، اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، اللَّهُمَّ أَعِذْنِي منَ النَّارِ، اللَّهُمَّ عَافِنِي مِنْ هَذَا المَرضِ، لا يَستَثنِي، اللهُ لا مُكرِهَ له ﷾.
أما إذا دَخَلَ على المَرِيضِ وقال: «طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ»؛ فهَذَا لَيْسَ من هَذَا البَابِ؛ ولِهذَا اسْتَعمَلَهُ النَّبيُّ ﷺ.
٧٤٧١ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، حِينَ نَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ». فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، وَتَوَضَّئُوا إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ، فَقَامَ فَصَلَّى (^٣).
_________________
(١) هذا خبر يفيد التفاؤل والتشجيع ورفع المعنويات.
(٢) رواه البخاري (٦٣٣٨، ٦٤٧٤)، ومسلم (٧) (٢٦٧٨) بنحوه.
(٣) ورواه مسلم (٦٨١).
[ ٢٣٩ ]
وبهَذَا يُعلَمُ أنَّ النَّاسَ إذا نَامُوا عنِ الصَّلَاةِ حَتَّى طَلعَتِ الشَّمسُ يُصَلُّونَها كما كانوا يُصَلُّونَها في الوَقتِ، وقد وَقعَ هَذَا للنَّبيِّ ﷺ مَرَّاتٍ، وَقَعَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ.
والنَّبيُّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ ﵁: «اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ»؛ فَوقَفَ على دَابَّتِهِ يَرقُبُ الصُّبحَ، فَأَخذَهُ النَّومُ كمَا أَخَذَهُم، فلم يَستَيقِظُوا إلا في حَرِّ الشَّمسِ، كمَا في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى الصَّرِيحَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حَيْثُ شَاءَ، وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ» (^١). ﷾.
وفي اللَّفظِ الآخَرِ قَالَ لِبِلَالٍ ﵁: «أَيْ بِلَالُ» فَقَالَ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ (^٢).
المَقْصُودُ: أن الإِنسَانَ ضَعِيفٌ، فعَليهِ الأَخْذُ بِالأَسبَابِ، فإذا نَامَ مُتَأَخِّرًا أو خَشِيَ ألَّا يَقُومَ لِثِقلِ نَومِهِ، لا بُدَّ أن يَأخُذَ بِالأَسبَابِ، إمَّا بأَنْ يَجعَلَ مَنْ يَرقُبُ الصُّبحَ، مِثلمَا أَمرَ النَّبيُّ ﷺ بِلَالًا حَتَّى يُخَبِّرَهُ، يَقُولُ لِأهلِهِ لِأَخِيهِ أو لِأَبِيهِ أو لِأُمِّهِ: نَبِّهُونِي إذا أذَّنَ، انْتَبِهُوا لي، أو بِمثلِ ما يَسَّرَ اللهُ الآنَ السَّاعَات، السَّاعَةُ الآنَ بِحَمدِ اللهِ مُيَسَّرةٌ، فيُرَكِّبَها على الوَقتِ الذي يُنَاسِبُ، ثم يَنتَبِهُ بِالمُنَبِّهِ، وهَذَا من أَسبَابِ التَّيسِيرِ -وللهِ الحَمدُ- ولا سِيَّمَا إذا نَامَ مُبَكِّرًا، أما الذي قد يَتَأَخَّرُ كَثِيرًا يِسهَرُ كَثِيرًا، فهَذَا قد يَنَامُ
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٣٩).
(٢) رواه مسلم (٣٠٩) (٦٨٠).
[ ٢٤٠ ]
ولو يِضبِطُهُ على السَّاعَةِ قد لا يَنتَبِهُ للسَّاعَةِ لِثقَلِ النَّومِ.
فَالوَاجبُ أن يَأخُذَ بِالأَسبَابِ، لا يَتَأَخَّرُ، لا يَسهَرُ سَهَرًا قد يَحُولُ بَينه وبين سَمَاعِ المُنبِّهِ، أو يَحُولُ بينه وبين صَلَاةِ اللَّيلِ وقِيامِ اللَّيلِ، يَتَحَرَّى، والسَّهرُ الذي لا خَيرَ فيه يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. تَقُولُ عَائِشَةُ ﵂: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا فرَغَ مِن صَلَاةِ العِشَاءِ آوَى إلى فِرَاشِهِ»، إذا صَلَّى العِشَاءَ آوَى إلى فِرَاشِهِ. هَذِه عَادَتُهُ ﷺ، إذا صَلَّى العِشَاءَ قَصَدَ الفِراشَ، فإذا كَانَ آخِرَ اللَّيلِ قَامَ يَتَهَجَّدُ ﵊.
إلا مِنْ حَاجَةٍ، قد يَسْمُرُ مع الصِّدِّيقِ ومع عُمرَ ومع بَعضِ الصَّحَابةِ ﵃ بعد العِشَاءِ، يَسمُرُونَ لِبعضِ مَصَالحِ المُسْلِمِينَ، لِيَنظُرُوا في بِعْضِ المَصَالحِ، يَأخُذُونَ بَعضَ اللَّيلِ، هَذَا لا بَأْسَ، وليُّ الأَمرِ أو الحِسَبَةُ أو طَالِبُ العِلْمِ قد يَسمُرُونَ بَعضَ الوَقتِ، إمَّا لِمَصَالحِ المُسْلِمِينَ في مُرَاقَبةِ أَحوَالِهِم، كَالهَيئَاتِ أو وليِّ الأَمرِ أو أَمِيرِ البَلَدِ أو ما أَشبَهَهُ ممن له حَاجةٌ، فلَا بأسَ أن يَسمُرَ بَعضَ الوَقتِ، أو طَالبُ العِلْمِ يُهيِّئ دُرُوسَهُ، ولكن لا يَتَأَخَّرُ تَأخُّرًا يَمنَعُهُ مِنْ الصُّبحِ أو يُثَقِّلُ عليه صَلَاةَ الصُّبحِ.
والحَاصِلُ: أَنَّه مَتى أَخَذَه النَّومُ لِأيِّ سَبَبٍ فإنه يُصَلِّي كما كَانَ يُصَلِّي، يُؤَذِّن ويُقِيمُ ويُصَلِّي الرَّاتِبَةَ، النَّبيُّ ﷺ لَمَّا قَامُوا بعد الشَّمسِ أَمرَ بِلَالًا ﵁ فَأذَّنَ وتَوضَّؤوا وصَلَّى سُنَّةَ الفَجرِ، ثم قَامَ وصَلَّى الفَجرَ وقَرَأَ فيها جَهْرًا كما كَانَ يَقرَأُ جَهْرًا في الوَقتِ ﵊.
فَدَلَّ ذَلكَ على أَنَّها تُؤدَّى كما كَانَتْ تُفعَلُ في الوَقتِ سَواءً بِسَواءٍ، هَكَذَا الظُّهرُ وهَكَذَا العَصرُ وهَكَذَا المَغرِبُ وهَكَذَا العِشَاءُ، متى حَبَسَهُ حَابِسٌ عن الوَقتِ، صَلَّاهَا بعد ذَلكَ كما كَانَ يُصَلِّيهَا في الوَقتِ كَالنَّاسِي.
[ ٢٤١ ]
ولِهذَا قَالَ ﵊: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (^١)، يَعْنِي: يُصَلِّيها كما كَانَ يُصَلِّيهَا سَواءً بِسَواءٍ.
وقَولُهُ: «وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ»: يدُلُّ على أَنَّه سُبحَانَهُ هو المُتَصَرِّفُ في العِبَادِ، وأنَّ نُفُوسَ العِبَادِ وجَمِيعَ أُمُورِهِم كُلِّها بِيدِهِ ﷾، يَتَصَرَّفُ فيها كيف يَشَاءُ، ويُقَلِّبُ القُلُوبَ كيف يَشَاءُ، يَقبِضُ الأَروَاحُ حَيثُ يَشَاءُ، ويَرُدُّهَا حَيثُ يَشَاءُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وهَذَا قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ قَاطِبَةً، أَهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ أَجمَعُوا على أنَّ مَشيئَةَ اللهِ ناَفِذَةٌ، وأنَّ جَمِيعَ أَعمَالِ العِبَادِ: مُسلِمِهِم وكَافِرِهِم، مَرِيضِهِم وصَحِيحِهِم، حَاكِمِهِم ومَحكُومِهِم، كُلِّها بِمَشيئَةِ اللهِ ﷾، لا تَخرجُ عن مَشيئَةِ اللهِ، ولا يَكُونُ في مُلكِهِ ما لا يُرِيدُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] هَذِه إِرَادَةٌ بِمَعنَى المَشيئَةِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] هَذِه بِمَعنَى المَشِيئَةِ، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
﴿فَمَنْ يُرِدِ﴾: مَنْ يَشَأ، وهَذِه يُقَالُ لها: الإِرَادَةُ الكَونيَّةُ القَدَرِيَّة، وهي بِمَعنَى المَشيئَةِ عند أَهْلِ السُّنَّةِ.
وهناك إِرَادَةٌ ثَانِيةٌ تُسَمَّى الإِرَادَةَ الشَّرعيَّة، تلك لا يَلزَمُ مُرَادهَا، قد يَقَعُ مُرادُهَا مِنْ العَبدِ، وقد لا يَقَعُ مُرَادُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعنَى الْمَحبَّةِ ومَعنَى الرِّضَا، كَقَولِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ
_________________
(١) رواه مسلم (٦٨٤).
[ ٢٤٢ ]
عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، هَذِه الإِرَادَةُ قد حَصَلَت لِبعضِ النَّاسِ، وبَعضُ النَّاسِ ما حَصَلَت لهم، بَعضُ النَّاسِ لم يَتُوبُوا، بَعضُ النَّاسِ لم يَهتَدُوا، بَعضُ النَّاسِ ما بُيِّنَ لهم شَيءٌ، مَاتُوا على جَهلِهِم وعلى حَالِهِم السَّيِّئَةِ، وبَعضُهم لم تَبلُغْهُمُ الدَّعوَةُ.
هَذِه الإِرَادَةُ الشَّرعيَّةُ مِثلُ قَولِهِ لابنِ آدَمَ يَومَ القِيامَةِ، لِبعضِ المُشرِكِينَ يَومَ القِيَامَةِ، لِلمُشرِكِ: «لو كَانَتْ لَكَ الدُّنيَا بِمَا فِيْهَا كُنْتَ مُفتَدِيًا بِهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ؟! فَيقُولُ: نَعَمْ، فَيقُولُ اللهُ: قد أَردْتُ مِنْكَ وأَنتَ في صُلبِ أَبِيكَ مَا هُوَ أَهوَنُ من ذَلكَ فَأَبَيتَ إلا الشِّركَ، أَرَدتُ منكَ أَلَّا تُشرِكَ بِي فَأَبَيْتَ إلا الشِّركَ». أَردتُ مِنكَ، يَعْنِي: شَرعًا، يَعْنِي: أَحبَبتُ منكَ وأَمَرتُكَ.
وهَذِه أُمُورٌ تَخفَى على كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، مَنْ يَغلَطُ فيها لِأجلِ تَشوِيشِ المُعتَزِلَةِ والقَدَرِيَّةِ في هَذَا، فإنَّ القَدَرِيَّةَ والمُعتَزِلَةَ يَنفُونَ المَشِيئَةَ، إمَّا مُطلَقًا وإِمَّا في الشَّرِّ، وبَعضُهُم يَنفِيهَا مُطلَقًا فَيقُولُ: إنَّ العَبدَ يَفعَلُ ما يَشَاءَ ويَختَارُ ما يَشَاءُ من دونِ أنْ يَكُونَ للهِ في ذَلكَ مَشيِئَةٌ، يُريدُونَ -بِزعْمِهِم- بهَذَا التَّنزِيهَ، وأَنَّهم لَمَّا كَانُوا يُعذَّبُونَ لا يُعذَّبُونَ إلا على أَفعَالٍ لهم لَيْسَ للهِ فيها مَشَيئَةٌ. وَأشكَلَ عَلَيهِم كيفَ تَكُونُ مَشِيئَةُ اللهِ ثم يُعاقَبُ عليها العَبدُ؟ فَالتَبَسَ عَلَيهِم الأَمرُ.
وأَهلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ أَجمَعُوا على أنَّ الخَيرَ والشَّرَّ كُلَّهُ بِقَدرِ اللهِ، والطَّاعَاتِ والمَعَاصِيَ كُلَّهَا بِقَدرِ اللهِ وكُلَّها بِمشِيئةِ اللهِ الكَونِيَّةِ، وهمُ الفَاعِلُونَ، سَبَقَ في عِلمِ اللهِ أَنَّه يَقَعُ كَذَا ويَقَعُ كَذَا وله مَشِيئَةٌ في ذَلكَ وإِرَادَةٌ وحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، ولكنْ لا يَمنَعُ هَذَا أنَّ العَبدَ فَاعِلٌ مُختَارٌ، فَالعَبدُ فَاعِلٌ مُختَارٌ،
[ ٢٤٣ ]
وهو مُؤَاخَذٌ على فِعلِهِ واخْتِيَارِهِ، كما أنهُ مُثَابٌ على فِعلِهِ واخْتِيارِهِ.
فهو مُختَارٌ، يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ ويُسَافِرُ ويُقِيمُ، ويَقُومُ ويَقعُدُ ويَأمُرُ ويَنهَى، مُختَارٌ لهَذِه الأَشيَاءِ، فما كَانَ منها مِنْ صَلَاحٍ اسْتَحَقَّ عليه الثَّوَابَ، وما كَانَ منها مِنْ شَرٍّ كَالزِّنَا والسَّرِقَةِ والظُّلمِ اسْتَحَقَّ عليه العِقَابَ؛ لأنهُ فَاعِلٌ مُختَارٌ.
٧٤٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَالأَعْرَجِ، ح وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ. فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ المُسْلِمِ فَقال النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٣٧٣).
[ ٢٤٤ ]
وهَذَا عَندَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ، قَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» من بَابِ التَّوَاضُعِ، وإلا فهو أَفضَلُ العَالَمِينَ، كمَا قَالَ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» (^١) ﵊، لكِنْ قَالَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ؛ لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ على هَذِه الأُمُورِ، أو مِنْ بَابِ سدِّ الفِتنَةِ، قَضَى على أَسبَابِهَا لِئَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ تَعَصُّبٌ مَقِيتٌ، لا لِطَلبِ الحَقِّ ولا لِأَجلِ فَضلٍ، أو لأنَّهُ قد يُثِيرُ فِتَنًا بَينَ النَّاسِ.
فالحَاصِلُ: أنَّ هَذَا لا يَقْدَحُ في الرِّوَايَةِ المَعرُوفَةِ الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ وغَيرُهُ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ». هَذَا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه عند أَهْلِ السُّنَّةِ، أَنَّه أَفضَلُ الأَنبِيَاءِ ﵊ وخَيرُهُم، ولكِنَّ التَّفضِيلَ إذا كَانَ على سَبِيلِ العَصَبِيَّةِ أو يَتَرَتَّبُ عليه بَعضُ الفِتنِ يَنبَغِي تَركُهُ.
وهَذِه الصَّعقَةُ ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّها صَعْقَةُ البَعثِ، وليسَ الأَمرُ كذَلكَ، مِثلُ ما في الحَدِيثِ هَذَا يَومَ القِيَامةِ، يُصعَقُونَ يَومَ القِيَامةِ بَعدَمَا قَامُوا بَعدَمَا بُعِثُوا، هَذِه صَعْقَةٌ أُخرَى وهُم في المَوقِفِ، جَاءَ في بِعْضِ الرِّوَايَاتِ ما يَدُلُّ على أَنَّها عند مَجِيءِ اللهِ لِفَصلِ القَضَاءِ بين عِبَادِهِ.
_________________
(١) رواه مسلم (٣) (٢٢٧٨)، الترمذي (٣١٤٨).
[ ٢٤٥ ]
فالحَاصِلُ: أَنَّها صَعَقَةُ يَومِ القِيَامةِ، بَعد قِيامِ النَّاسِ.
«فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ»: هَذَا الْمَحفُوظُ، ما قَالَ: فأنَا أَوَّلُ مَنْ يُبعَثُ، هنا قَالَ: «أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ -صَعقَةٌ عَارِضَةٌ- فإذا أنا بِمُوسَى بَاطشًا بِقَائِمَةِ العَرشِ، فَلا أَدرِي أَفَاقَ قَبلِي أم كَانَ مِمَّنْ استَثنَى اللهُ»؟ كقَولِهِ ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] وهَذَا الشَّاهِدُ للمَشِيئَةِ.
وقد ثَبَتَ عنه ﷺ أَنَّه قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ»، فَأَوَّلُ مَنْ يَنشَقُّ عنه القَبرُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، يَعْنِي: أوَّلَ مَبعُوثٍ يَومَ القِيَامَةِ هو مُحَمَّدٌ ﵊، «وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». أَخرجَهُ مُسلِمٌ في «الصَّحِيحِ» (^١).
فهَذَا يَدُلُّ على أَنَّه هو أَوَّلُ مَنْ يُبعَثُ، وَلَيْسَت القِصَّةُ هَذِه قِصَّةَ مُوسَى ﵊، وإنما قِصَّةُ مُوسَى ﵊ يَومَ القِيامَةِ بعد بَعثِ النَّاسِ وبعد وُجُودِهِم في القِيَامَةِ، صَعقةٌ أُخرَى ثَالِثَةٌ تَكُونُ يَومَ القِيَامةِ والنَّاسُ مَوجُودُونَ قد قَامُوا مِنْ قُبُورِهِم وقد جُمِعُوا.
هَذَا فيه اسْتِثنَاءُ الصَّعقَةِ هَذِه؟
«أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» الشَّاهِدُ قَولُهُ: «أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ».
لكن فِيهَا اسْتِثنَاءُ الصَّعقَةِ؟
لا، أَرَادَ النَّبيُ ﷺ قَولَهُ جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] أَرادَ منه هنا الآيَةَ الكَريمَةَ.
_________________
(١) رواه مسلم (٣) (٢٢٧٨).
[ ٢٤٦ ]
ألا يتَّجِهُ -أَحسَنَ اللهُ إِليكَ- «على العَالَمِينَ» عَالَمِي زَمَانِ مُوسَى ﵊؟
هَذَا في التَّفضِيلِ، في التَّفضِيلِ على عَالَمِي زمَانِهِ، المُرَادُ به عَالَمِي زَمَانِهِ، لكنَّ المَقصُودَ هنا أن النَّبيَّ ﷺ أَرَادَ بهَذَا ألَّا يَكُونَ فِتنَةً بين النَّاسِ، أو من بَابِ التَّواضُعِ ﵊.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ما يَكُونُ قبلَ أنْ يُعلمَ بأنَّه أَفضَلُ الخَلقِ؟
هَذَا أَحدُ الأَقوَالِ فيها، ذَكَرَهُ النَّوَوِّيُّ، وذَكَرَ أَقوَالًا خَمسَةً فيها، لكن أَحسَنُهَا أَنَّه مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ أو مِنْ بَابِ الْمَنعِ مِنَ التَّخْيِيرِ والتَّفضِيلِ على سَبِيلِ التَّعصُّبِ، أو إذا كَانَ يَتَرتَّبُ عليه فِتنَةٌ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، الاسْتِثنَاءُ هنا قَولُهُ: «أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» يُمكِنُ هَذَا وَهْمٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ؛ لأنَّ هَذِه الصَّعقَةَ في التَّجَلِّي ما فِيهَا اسْتِثنَاءٌ؟
مُحتَمِلٌ أَنَّها دَخَلَتْ على بَعضِ الرُّوَاةِ مِنْ صَعقَةِ البَعثِ. اللهُ المُستَعَانُ.
ابنُ القَيمِ له كَلَامٌ عليه جَيدٌ، ابنُ القَيمِ ﵀ في كِتَابِ «الرُّوحِ» تَكَلَّمَ عليه، وفي غَيرِ كِتَابِ «الرُّوحِ» كَلَامًا طيِّبًا، وهو مَعنَى ما ذَكَرتُ لكم، كَلَامُ ابنِ القَيمِ هو مَعنَى ما ذَكَرتُ لكُم.
[ ٢٤٧ ]
٧٤٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي عِيسَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المَدِينَةُ يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ، فَيَجِدُ المَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ، وَلَا الطَّاعُونُ إنْ شَاءَ اللهُ» (^١).
٧٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، فَأُرِيدُ إنْ شَاءَ اللهُ أَنْ أَخْتَبِيَ دَعْوَتِي، شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٢).
وهَذَا مِنْ رَأفَتِهِ ورَحمَتِهِ ﵊، اخْتَبَأَ الدَّعوَةَ إلى وَقتٍ أَشَدَّ، النَّاسُ فيه أَشَدُّ حَاجَةً إليها، وإن كَانَ دَعَا لهم كَثِيرًا، لكن هَذِه الدَّعوَةُ العَامَّةُ دَعوَةٌ خَاصَّةٌ، دَعوَتُهُ لِلأُمَّةِ خَاصَّةً اخْتَبَأَهَا لِيدعُوَ لهم يَومَ القِيَامةِ في شَفَاعَتِهِ ﵊ «فَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا».
غَيرُ الشَّفَاعةِ العُظمَى، عَفَا اللهُ عنكَ؟
الظَّاهِرُ هو مَقَامُ الشَّفَاعَةِ العُظمَى يَومَ القِيَامةِ، فإنهُ يَشفَعُ لهم مَرَّاتٍ
_________________
(١) ورواه مسلم (١٩٩).
(٢) ورواه مسلم (١٩٨).
[ ٢٤٨ ]
كَثِيرَةً، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيه وسَلِّمْ، وأَعظَمُهَا الشَّفَاعَةُ العُظمَى في القَضَاءِ بينهم؛ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ.
والشَّفَاعَةُ لِلعُصَاةِ في النَّارِ؟
دَاخِلَةٌ في هَذَا، «فَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» (^١). فهَذَا يَدُلُّ على أنَّ الشَّفَاعَاتِ الأُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالعُصَاةِ، وأمَّا الشَّفَاعَةُ العُظمَى فهي تَعُمُّ المُشرِكَ وغَيرَ الْمُشرِكِ.
المَشِيئَةُ التي ذَكَرَهَا النَّبيُّ ﷺ في قَولِهِ: «إنْ شَاءَ اللهُ» بعدَ الدَّجَّالِ الطَّاعُونُ، أَرَادَ الأَمرَينِ أو …؟
الأَمرَينِ؛ جَاءَ في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى الجَزمُ بأن المَدِينةَ لا يَدخُلُهَا الطَّاعُونُ ولا مَكَّةَ، ولا الدَّجَالُ كذَلكَ، والمَشِيئَةُ للتَّبرُّكِ، أو قَبلَ أن يَعلَمَ اليَقِينَ … ثم جَاءَهُ الوَحِيُ بِالجَزمِ بِأنَّه لا يَدخُلُ الطَّاعُونُ ولا الدَّجَالُ مَكَّةَ ولا المَدِينَةَ.
الطَّاعُونُ جَاءَ في مَكَّةَ؟
يَغلُبُ على ظنِّي جَاءَ فيهما، مِثلمَا جَاءَ في الدَّجَّالِ، الدَّجَّالُ لَا شَكَّ، جَاءَ فِيهِمَا جَمِيعًا.
ما يُذكَرُ مِنْ الوَقَائِعِ بِالنِّسبَةِ للحُجَّاجِ، إِصَابَةُ الحُجَّاجِ بِمَرضِ الطَّاعُونِ؟
مَحلُّ نظرٍ، يُنظَرُ في صِحَّةِ وُقُوعِهِ.
_________________
(١) رواه مسلم (٣٣٨) (١٩٩).
[ ٢٤٩ ]
أو أنْ يُقَالَ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: إنَّه ما يُخرَجُ منها، ما يُخرَجُ مِنْ مَكَّةَ إذا جَاءَهَا الطَّاعُونُ؟
اللهُ أَعلَمُ.
(الشَّيخُ): تَتَبَّعْ رِوَاياتِ الطَّاعُونِ وَالدَّجَّالِ، اجْمَعْهَا، تتَّبعْهَا في «الصَّحِيحَينِ» وغَيرِ «الصَّحِيحَينِ» (^١).
(الطَّالِبُ): إنْ شَاءَ اللهُ.
(الشَّيخُ): الحَافظُ مَا تَكَلَّمَ؟
(الطَّالِبُ): كُلُّ الأَحَادِيثِ فيها إِشَارَةٌ خَفِيفَةٌ.
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هو أَرَادَ الاختِصَارَ (^٢)، وإلا كَانَ مِنْ الْمُستَحسَنِ أَنَّه إذا مَرَّ مِثلُ هَذَا يَأْتِي بِمُلَخَّصٍ ولو في بِعْضِ الأَحيَانِ، مُلخَّص ما تَقَدمَ؛ لأنَّ الكِتَابَ كَبِيرٌ وَاسِعٌ، لكن قَصدُهُ الاخْتِصَارَ حَمَلَهُ على العَزْوِ.
٧٤٧٥ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ، فَنَزَعْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَنْزِعَ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ
_________________
(١) يأمر الشيخ أحد الطلبة بجمع أحاديث الدجال والطاعون.
(٢) يعني: الحافظ.
[ ٢٥٠ ]
فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ» (^١).
٧٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ - وَرُبَّمَا قَالَ جَاءَهُ السَّائِلُ - أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ، قَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ» (^٢).
وهَذِه مِنْ نِعَمِ اللهِ العَظِيمَةِ، ومِن مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ، أنَّ المُؤمِنَ يَشفَعُ لِأَخِيهِ ولِإخْوَانِهِ، ويَشفَعُ في المصَالحِ العَامَّةِ، حَتَّى يَحصُلَ التَّعَاونُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
فإذا جَاءَ صَاحِبُ الحَاجةِ وأنت تَعرِفُ أَنَّه يَستَحِقُّ وَأنَّه ذُو حَاجَةٍ وشَفَعَت في أن يُعطَى حَاجَتَه وأن يُسعَفَ في طَلْبَتهِ، فأنت مَأجُورٌ، واللهُ يَقضِي على لِسَانِ نبيِّه ما شَاءَ، يَعْنِي: اللهُ جل وعلا هو الذي يَقضِي ما يَشَاءُ سُبحَانَهُ، إنَّمَا أنتَ مُتَسَبِّبٌ، فإذا شَفعْتَ لِمَظلُومٍ أو لِحَاجَةٍ أو في أَمْرٍ يَنْفَعُ النَّاسَ، يَنَفعُ المُسْلِمِينَ، كَانَ ذَلكَ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٣٩٢).
(٢) ورواه مسلم (٢٦٢٧).
[ ٢٥١ ]
من الخَيرِ العَظِيمِ وأنت مَأجُورٌ عليه.
يَشفَعُ على ظَاهِرِ حَالِهِ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ؟
على حَسَبِ ما يَعلَمُ منه.
٧٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، وَليَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا مُكْرِهَ لَهُ» (^١).
﷾، هَذَا شَاهِدٌ ظَاهِرٌ، وهو مُطَابِقٌ للآيَةِ الكَرِيمَةِ في الحَجِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨] بِمَعنَى: لا مُعَقِّبَ له ولا أَحَدَ يَردُّ عليه ما يَشَاؤُهُ ﷾، بل هو القَاهِرُ لِعِبَادِهِ وهو الذي يَفعَلُ ما يَشَاءُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] ﷾.
وفي الحَدِيثِ: السُّؤَالُ، وأنَّ السَّائِلَ يَعزِمُ في سُؤَالِهِ، ويُعَظِّمُ الرَّغبَةَ، وُيقبِلُ على اللهِ بِدُعَاءِ الْمُضْطَرِّ الْمُحتَاجِ الذي يَعلَمُ أَنَّه لا حِيلَةَ له ولا خَلاصَ له إلا باللهِ، وَأنَّه في أَشدِّ الضَّرُورَةِ لِرَبِّهِ في مَغفِرَتِهِ ورَحمَتِهِ وإِحسَانِهِ إِلَيه، وإِدخَالِهِ الجَنَّةَ وإِنجَائهِ مِنَ النَّارِ، وتَيسِيرِ أُمُورِهِ، إلى غَيرِ ذَلكَ.
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٦٧٩).
[ ٢٥٢ ]
فلِهذَا لا يُنَاسِبُ أن يَقُولَ: «إن شِئتَ»، إنما يَقُولُ: «إن شِئتَ» الذي عندَه غنَاءٌ، عنده سَعَةٌ يَستَطِيعُ أن يَستَغْنِيَ، أمَّا العِبَادُ فلَيْسَ عندَهُم سَعَةٌ وليْسَ عندَهُم قُدْرَةٌ وليس لهم مَلجَأٌ إلَّا إلى اللهِ ﷾، فهم فُقَرَاءُ إليه وإِنْ مَلكُوا الدُّنيَا؛ ولِهذَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي يا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي، اللَّهُمَّ أَنْجِنِي من النَّارِ بِرَحمَتِكَ يا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. لا يِقُولُ: إن شِئتَ.
كرَّرَ الحَدِيثَ، هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ كَرَّرَهُ في نَفسِ البَابِ: «إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» ثم أَعَادَهُ هنا؟
(الشَّيخُ): الَّذِي عِنْدَكَ هَذَا عنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ أو عَنْ أَنسٍ ﵁، الأَخِيرُ هَذَا؟
(الطَّالِبُ): عن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁.
التَّكرَارُ لِأجلِ الصَّحَابِي، أَقُولُ: لِأَجلِ الصَّحَابِيِّ.
٧٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى أَهُوَ خَضِرٌ؟ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ،
[ ٢٥٣ ]
هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ فَقَالَ مُوسَى: لَا، فَأُوحِيَ إِلَى مُوسَى، بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى يَتْبَعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ» (^١).
(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ على «أَبِي حَفصٍ عَمرو»؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٥٢)]: «وقد تقَدَّمَ شَرحُهُ مُستَوفًى في التَّفسِيرِ، وتَقَدَّمَ شَيءٌ منه في كِتَابِ العِلمِ، وشَيخُهُ عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدٍ هو الْمُسنَدِيُّ، وشَيخُ الْمُسندِيِّ أَبُو حَفْصٍ عَمرو بِفتحِ العَينِ، هو ابنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيّ بِمُثَنَّاةٍ ونُونٍ ثَقِيلَةٍ مَكسُورةٍ، وأَبُو سَلَمَةَ أَبُوهُ لم أَقِفْ على اسْمِهِ». [انتهى
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٣٨٠).
[ ٢٥٤ ]
كلامه].
(الشَّيخُ): عندك فَقَالَ: «إِنِّي تَمَارَيْتُ» (^١) أو «تَمَادَيْتُ»؟ بِالدَّالِ أو بِالرَّاءِ؟
(الطَّالِبُ): بِالدَّالِ في الشَّكلِ بِالدَّالِ.
(الشَّيخُ): ضَبَطَ عندَكُم؟ المَعرُوفُ «تَمَارَيتُ»: اخْتَلَفَتْ. ما ضَبَطَ عِندَكُم؟ القَسْطَلَّانِي عِندَكُم؟ ما جَاءَ؟ مَنْ الذي عِندَهُ القَسطَلَّانِي؟
(الطَّالِبُ): وفي النُّسخَةِ الثَّانِيَةِ بِالرَّاءِ.
المَعرُوفُ الرَّاءُ «تَمَارَيتُ»، وإن كَانَ لها وَجهٌ «تَمَادَيتَ» يَعْنِي: طَالَ الخِلَافُ، طَالَ النِّزَاعُ بينَنا، تَمَادَى يَعْنِي طَالَ، المَعرُوفُ في الرِّوَايةِ الرَّاءُ.
(القَارِئُ): في الأَوَّلِ أَنَّه تَمَارَى بِالرَّاءِ ثم قالَ: «إِنِّي تَمَادَيْتُ».
قال ابنُ بَازٍ ﵀: ضَعْ عَليهِ إِشَارَةً، رَاجعِ القَسْطلَّانيَّ، [أَحَدٌ] مِنْكُمْ يُحضِرهُ. سُلْطانُ (^٢) تُجِيء بِهِ؟
(سُلطَانُ): إنْ شَاءَ اللهُ.
قال ابنُ بَازٍ ﵀: والشَّاهِدُ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٩].
_________________
(١) قرأها الطالب من نسخته (تماديت) بالدال.
(٢) وهو الشيخ سلطان الخميس وفَّقه الله.
[ ٢٥٥ ]
٧٤٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ، أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «نَنْزِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ يُرِيدُ المُحَصَّبَ» (^١).
يَعْنِي في حَجَّةِ الوَدَاعِ ﵊، بِالأَبطَحِ يَعْنِي، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيه وسَلِّمْ.
٧٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَفْتَحْهَا، فَقَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ». فَقَالَ المُسْلِمُونَ: نَقْفُلُ وَلَمْ نَفْتَحْ، قَالَ: «فَاغْدُوا عَلَى القِتَالِ». فَغَدَوْا فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ». فَكَأَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَهُمْ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٢).
_________________
(١) ورواه مسلم (١٣١٤).
(٢) ورواه مسلم (١٣١٤).
[ ٢٥٦ ]
والتَّبسُّمُ للدَّلَالَةِ على ضَعفِ ابنِ آدَمَ، وَأنَّه مَتَى مَسَّه الضُرُّ فَرِحَ بِأسبَابِ العَافِيَةِ.
في اليَومِ الأَوَّلِ ما أَحَبُّوا أن يَقفُلُوا ولم يَفتَحُوا البِلَادَ؛ لأنَّهم كانوا في سَلَامةٍ يَرجُونَ الفَتحَ، فَلمَّا أُصِيبُوا بِالجِرَاحَاتِ قَالَ: «إنا قَافِلُونَ غدًا إنْ شَاءَ اللهُ»؛ سَكَتُوا لِأجلِ ما أَصَابَهُم مِنْ الضُرِّ، وهَذَا من طَبِيعَةِ ابنِ آدَمَ وضَعفِهِ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
* * *
[ ٢٥٧ ]