٧٥٦٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ كَالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا» (^١).
هَذَا الفَاجِرُ وفي اللَّفظِ الآخَرِ «المُنَافِقُ»، والمُرَادُ الكَافِرُ الذي يِدَّعِي الإِسلَامَ.
وهَذِه أَمثِلَةٌ عَظِيمَةُ مَثَّلَ بها النَّبيُّ ﷺ لِأهلِ القُرآِن، «فَالمُؤمِنُ الذي يَقرَأُ القُرآنَ كَمثلِ الأُترُجَّةِ طَعمُهَا طَيبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ والمُؤمِنُ الَّذِي لا
_________________
(١) ورواه مسلم (٧٩٧).
[ ٤٢٨ ]
يَقرَأُ القُرآنَ - أُمِّيٌّ - كَمثَلِ التَّمرَةِ طَعمُهَا طَيبٌ وليسَ لهَا رِيحٌ». ولَكنَّه مُؤمِنٌ.
«والفَاجِرُ» وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «المُنَافِقُ الذي يَقرَأُ القُرآنَ كَالرَّيحَانَةِ لها رِيحٌ طَيِّبٌ» (^١) وهو ما يَصدُرُ منه من القُرآنِ «وطَعمُهَا مُرٌّ»؛ لأنَّ عَمَلَهُ خَبِيثٌ.
فَالمُنَافِقُ الذي لا يَقرَأُ أو الفَاجِرُ لا رِيحَ ولا طَعمَ كَالحَنظَلَةِ لا رِيحَ طِيبٌ ولا طَعمَ طَيِّبٌ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
وفي هَذَا فَضلُ قِرَاءَةِ القُرآنِ والاستِكثَارِ مِنْ قِرَاءةِ القُرآنِ، فَيَنبَغِي للمُؤمِنِ أن يَكُونَ له نَصِيبٌ من ذَلكَ.
الفَاجِرُ هنا يُفَسَّرُ بِالمُنَافِقِ؟
كما في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى المُنَافِقُ، أمَّا الفَاجِرُ الذي هو العَاصِي هَذَا بَينَ بَينَ، على طَرِيقَةِ الأَدِلَّةِ، وقد ذَكَرَ العُلمَاءُ أنَّ العَاصِيَ يُسَمَّى ذا الشَّائِبَتَينِ، في الغَالِبِ النُّصُوصُ تَسكُتُ عنه: المُؤمِنُ والكَافِرُ، المَؤمِنُ والمُنَافِقُ. يُسكَتُ عن صَاحِبِ الشَّائِبَتَينِ، يَبقَى بين الرَّجَاءِ والخَوفِ، فليس مع هَؤلَاءِ مَذكُورًا ولا مع هَؤلَاءِ مَذكُورًا، فَيبقَى تَحتَ الخَوفِ وتَحتَ الحَذرِ، ولكن عند النِّهَايةِ وعند التَّحقِيقِ يَرجِعُ إلى القِسمِ الأَوَّلِ، قِسمِ أَهْلِ الإِيمَانِ لِعَقِيدَتهِ الصَّالحَةِ وتَوحِيدِهِ، وإن جَرَى عليه ما يَجرِي منَ التَّعذِيبِ في النَّارِ بِأعمَالِهِ السَّيئَةِ التي مات عليها ولم يَتُبْ، لكنه مُلحَقٌ بالمُؤمِنِينَ في النّهَايَةِ.
(الشَّيخُ): رَاجِعْ نَبَّهَ الشَّارِحُ على الرِّوَايَةِ الأُخْرَى المنَافق أو الفَاجِر؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٦)]: «قوْلُهُ بَابُ قِرَاءَةِ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ وَتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»:
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٥٩)، ومسلم (٢٤٣) (٧٩٧).
[ ٤٢٩ ]
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ بِالْفَاجِرِ الْمُنَافِقُ، بِقَرِينَةٍ جَعَلَهُ قَسِيمًا لِلْمُؤْمِنِ فِي الْحَدِيثِ -يَعْنِي الْأَوَّلَ- وَمُقَابِلًا لَهُ؛ فَعَطْفُ الْمُنَافِقِ عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: «وَتِلَاوَتُهُمْ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ «لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»، وَإِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ. قَالَ: وَزِيدَ فِي بَعْضِهَا: «وَأَصْوَاتُهُمْ». قُلْتُ: هِيَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ «قِرَاءَةُ الْفَاجِرِ أَوِ الْمُنَافِقِ» بِالشَّكِّ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ الْكِرْمَانِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ، وَالْفَاجِرُ أَعَمُّ مِنَ الْمُنَافِقِ؛ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَهُوَ الْأَشْعَرِيُّ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي «فَضَائِلِ الْقُرْآنِ»، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَبْوَابِ أَنَّ التِّلَاوَةَ مُتَفَاوِتَةٌ بِتَفَاوُتِ التَّالِي؛ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ عَمَلِهِ.
وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى هَذَا الْبَابِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ لَا تَرْتَفِعُ إِلَى اللَّهِ وَلَا تَزْكُو عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا يَزْكُو عِنْدَهُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ وَكَانَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَشَبَّهَهُ بِالرَّيْحَانَةِ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِبَرَكَةِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَفُزْ بِحَلَاوَةِ أَجْرِهِ، فَلَمْ يُجَاوِزِ الطِّيبُ مَوْضِعَ الصَّوْتِ وَهُوَ الْحَلْقُ وَلَا اتَّصَلَ بِالْقَلْبِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ودُخُولُ الخَارِجِيُّ في ذَلكَ لَيْسَ أيضًا بِبَعِيدٍ؛ لأنَّ الخَوَارجَ يَتَكَلَّفُونَ ويَتنَطَّعُونَ وابْتَدَعُوا، حَتَّى قَالَ جَمعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِكُفرِهِم؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «يَحقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مع صَلَاتِهِم وقِرَاءَتَهُ مع قِرَاءَتِهِم يَمرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ ثمَّ لا يَعُودُونَ إليه» (^١)، في اللَّفظِ الآخَرِ: «لا تَتَجَاوُزُ قِرَاءَتُهُم حَنَاجِرَهُم» (^٢)، فهَذَا يَدخُلُ فيه الفَاجِرُ، فنَصَّ النَّبيُّ ﷺ على أن قِراءَتَهُم لا تَتَجَاوُز حَنَاجِرَهُم ولا تَرتَفعُ لِبِدعَتِهِم الشَّنِيعَةِ أو لِكُفرِهِم على القَولِ الآخَرِ.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٨).
(٢) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٣) (١٤٢).
[ ٤٣٠ ]
أمَّا الفَاجِرُ الذي هو العَاصِي هَذَا تَنْقُصُ قِرَاءتُهُ ويَنقُصُ فَضلُهُ على حَسَبِ مَعَاصِيهِ، ولكِنْ لَيْسَ مِثلَ المُنَافِقِ وليسَ مِثلَ المُؤمِنِ السَّالِمِ -السَّلِيمِ- بل بينهما، وهو صَاحِبُ الشَّائِبَتَينِ، لا مع هَؤلَاءِ المُؤمِنِينَ في سَلَامَةِ إِيمَانِهِ وفي كمَالَ قِرَاءتِهِ وفَضلِهَا، ولا مع المَنَافِقِينَ والخَوَارِجِ؛ لِأنَّه خَيرٌ منهم، ولكنَّه بين ذَلكَ.
ما مَعنَى لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهَمُ؟
لا يُقبَلُ يَعْنِي، ما يَرتَفَعُ إلى اللهِ نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. ويَحتَمِلُ مَعنًى ثانيًا: وهو أَنَّه لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم وهو أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفعَلُونَ، يَقرَؤونَ القُرآنَ وهم يُكَفِّرُونَ المُؤمِنِينَ، ويَقُولُونَ بِخلُودِهِم في النَّارِ إذا عَصَوا، فَصَارَت قِرَاءَتُهُم لم تَتَجَاوَزِ الحَنَاجِرَ؛ لأنهم لم يَعمَلُوا بها ولم يَتَأَثَّرُوا بها التَّأَثُرَ الشَّرعِيَّ. والأَوَّلُ أَظهَرُ، وهو أَنَّها لا تُقبَلُ ولا تَرتَفِعُ إلى اللهِ ﷾.
المُنَافِقُ يُؤجَرُ على قِرَاءَةِ القُرآنِ؟
لا، الْمُنَافقُ أَعمَالُه بَاطِلَةٌ، حَابِطَةٌ، ولِهذَا شبَّهَ قِرَاءَتَه بأنَّهَا رَيحَانَةٌ، التي رِيحُهَا طَيِّبٌ ولا طَعمَ لها.
٧٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يقول: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ
[ ٤٣١ ]
يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا؟ قَالَ: فَقال النَّبِيُّ ﷺ: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» (^١).
يَعْنِي أَفعَالَهَم؟ قَصدُ المُؤَلِّفِ؟
يَعْنِي أَفَعالَهُم نعم مِنْ كَذِبِهِم وافتِرَائِهِم وزِيَادَتِهِم فيما يَسمَعُونَ.
مع أنَّ التَّرجَمَةَ في القِرَاءةِ فَقَطْ وهَؤلَاءِ ما يَقرَؤُونَ يَعْنِي؟
قد يَسمَعُونَ أَشيَاءَ ويُوهِمُونَ مَولَاهُم أَنَّها قُرْآنٌ أو أَنَّها شَيءٌ مما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ ﵊، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
٧٥٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ»، قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٢٢٨).
[ ٤٣٢ ]
قَالَ: «سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ - أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ» (^١).
وهَؤلَاءِ هم الخَوَارجِ؛ لأنهم يُوجِبُونَ التَّحلِيقَ، وهو مِنْ خِصَالِهِم.
يُوجِبُونَهُ؟
هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ طَريقِهِم، ولِهذَا جَعَلَها سِيمَا لهم، جَعلَهَا عَلَامَةً على أَصحَابِهِم.
(الشَّيخُ): ماذا قَالَ على (التَّسبِيدِ)؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٦)]: «قَولُهُ: التَّحْلِيقُ أَوْ قَالَ التَّسْبِيدُ. شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، بِمَعْنَى التَّحْلِيقِ وَقِيلَ: أَبْلَغُ مِنْهُ وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْصَالِ، وَقِيلَ: إِنْ نَبَتَ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: هُوَ تَرْكُ دَهْنِ الشَّعْرِ وَغَسْلِهِ.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعَلَامَةِ وُجُودُ ذِي الْعَلَامَةِ فَيَسْتَلْزِمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَحْلُوقَ الرَّأْسِ فَهُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا لَا يَحْلِقُونَ رؤوسهم إِلَّا لِلنُّسُكِ أَوْ فِي الْحَاجَةِ، وَالْخَوَارِجُ اتَّخَذُوهُ دَيْدَنًا؛ فَصَارَ شِعَارًا لَهُمْ وَعُرِفُوا بِهِ.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَلْقُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَجَمِيعُ شُعُورِهِمْ، وَأَنْ يُرَادَ
_________________
(١) ورواه مسلم (١٠٦٤).
[ ٤٣٣ ]
بِهِ الْإِفْرَاطُ فِي الْقَتْلِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ فِي أَمْرِ الدِّيَانَةِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالثَّانِي مُحْتَمِلٌ، لَكِنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ الْمُتَكَاثِرَةِ كَالصَّرِيحَةِ فِي إِرَادَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَالثَّالِثُ كَالثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هو الظَّاهِرُ تَحلِيقُهم له، لكن هم لَتَدَيُّنِهِم به وتَعَبَّدِهِم به، فَحلقُ الرأسِ لَيْسَ من العِبَادةِ إلا في النُّسُكِ، لكن هو من المُبَاحِ، إن شَاءَ حَلقَهَ وإن شَاءَ تَرَكَهُ.
وأمَّا هم فَتَعبَّدُوا بذَلكَ وأَلزَمُوا به وصَارَ دَيدَنًا لهم يُعرَفُونَ به، ولِهذَا صَارَ وَصفًا لهم، وليس المُرَادُ كُلَّ مَنْ حَلَقَ فهو خَارِجِيٌّ مِثْلمَا قَالَ الكَرمَانِيُّ، بِالتَّأكِيدِ لَيْسَ هَذَا مُرَادًا؛ فإن الرَّسُولَ ﷺ حَلقَ في الحَجِّ، وأَمرَ بِحَلِق أَولَادِ جَعفَرَ ﵁ وخَفَّفُوا رُؤُسَهُم، وقال لِصَاحِبِ القَزعِ: «احْلِقْهُ كُلَّهُ أو دَعْهُ كُلَّهُ».
المَقْصُودُ: أن الحَلقَ في نَفسهِ جَائزٌ، ومَن ربَّاهُ للتَّعَبُّدِ به فلا بَأْسَ، أمَّا الخَوَارجَ فهم تَعَبَّدُوا به، تَعَبّدُوا بِالحَلقِ، وصَارَ شِعَارًا لهم بين النَّاسِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
هل لهم شَيءٌ في الحَلقِ يَتَعَلَّقُونَ به؟
لا أَعلمُ لهم شَيْئًا، إلا أَنَّهُمْ كَأَنَّهم أَرَادُوا أنْ يَكُونَ شِعَارًا لهم يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا به، أو لِأَسبَابٍ أُخرَى لا نَعرِفُهَا.
كَونُ السَّلفِ كانوا لا يَحلِقُونَ رُؤُوسَهُم إلا للنُّسُكِ أو للحَاجَةِ؟
يَعْنِي الكَثيرَ منهم.
[ ٤٣٤ ]
[قال الحَافِظُ ﵀]: «تَنْبِيهٌ: وَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ فِي وَصْفِ الْخَوَارِجِ خَبْطٌ أَرَدْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي قَوْمٍ عَرَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْوَحْيِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِبِدْعَتِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ حِينَ قَالُوا: إِنَّكَ رَبُّنَا. فَاغْتَاظَ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَحُرِّقُوا بِالنَّارِ؛ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ فِتْنَةً وَقَالُوا: الْآنَ تَيَقَّنَّا أَنَّكَ رَبُّنَا؛ إِذْ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ. انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ لِعَلِيٍّ فِي الْفِتَنِ وَلَيْسَتْ لِلْخَوَارِجِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلزَّنَادِقَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَوَقَعَ فِي «شَرْحِ الْوَجِيزِ» لِلرَّافِعِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ قَالَ: هُمْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُمْ؛ لِرِضَاهُ بِقَتْلِهِ وَمُوَاطَأَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً فَقَدْ كَفَرَ وَاسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَيَطْعَنُونَ لِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ. انْتَهَى.
وَلَيْسَ الْوَصْفُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ وَصْفَ الْخَوَارِجِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفُ النَّوَاصِبِ أَتْبَاعِ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَمِنْ مُعْتَقَدِهِمْ تَكْفِيرُ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ. وَلَمْ يَزَالُوا مَعَ عَلِيٍّ حَتَّى وَقَعَ التَّحْكِيمُ بِصِفِّينَ فَأَنْكَرُوا التَّحْكِيمَ وَخَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ وَكَفَّرُوهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمْ مَبْسُوطًا فِي «كِتَابِ الْفِتَنِ»». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: المَقصُودُ ضبط، ابن بَطَّالٍ التبَسَ عليه الخَوَارجِ بِالزَّنَادقَةِ الغُلَاةِ الَّذِينَ قالوا: أنت رَبُّنَا. هَؤلَاءِ هم الرَّافِضَةُ البَاطِنِيَّةُ الَّذِينَ غَلَوا
[ ٤٣٥ ]
في عَلِيٍّ ﵁، حَتَّى لِمَّا أَحرَقَهُم بِالنَّارِ قالوا: الآن زِدنَا فيك علمًا بأنك رَبُّنَا؛ لأن النَّارَ لا يَحرِقُ بها إلا اللهُ. وهَذَا مِنْ ضَلَالِهِم وجَهلِهِم نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
ورَأسُهُمُ ابنُ سَبَإٍ الذي قِيلَ: إنه حُرِّقَ، وقيلَ: إنه هَرَبَ ولم يُحرَّقْ، وأَتبَاعُهُ إلى الآنَ مُوجُودُونَ مِنْ الرَّافِضَةِ وأَشبَاهِهِم مِنَ البَاطِنِيَّةِ من نُصَيرِيَّةٍ وإِسمَاعِيلِيَّةٍ وغَيرِهِم، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
والمَقْصُودُ: أنَّ الخَوَارجَ غَيرُ هَؤلاء، هَؤلَاءِ زَنَادِقَةٌ بَاطِنِيَّةُ، والخَوَارجُ غَلَوا في الأَحكَامِ وإِثبَاتِ الأَحكَامِ والتَّحذِيرِ منَ المَعَاصِي حَتَّى جَعَلُوا المَعصِيَةَ كُفرًا، وجَعَلُوا صَاحِبَهَا مُخَلَّدًا في النَّارِ؛ فَتَابَعَتهُمُ الْمُعتَزِلَةُ في ذَلكَ بِالتَّخلِيدِ، تَخلِيدِ العَاصِي في النَّارِ.
فالخَوَارجُ شَيءٌ والبَاطِنِيَّةُ شَيءٌ آخَرُ، فابنُ بَطَّالٍ التَبسَ عليه أَمرُ هَؤلَاءِ بِأمرِ هَؤلَاءِ.
[ ٤٣٦ ]