قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالأَرْضِ السَّابِعَة.
٧٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا فُلَانُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا» (^١).
وهَذَا فيهِ الدَّلَالَةُ على شَرعِيَّةِ هَذِه الكَلِمَاتِ الطَّيبَةِ، إذا أَوَى الإِنسَانُ إلى فِرَاشِهِ، وجَاءَ في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «واجْعَلْهُنَّ مِنْ آخَرِ مَا تَقُولُ». إذا أَوَى الإِنسَانُ إلى فِرَاشِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧١٤).
[ ٢٧١ ]
مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».
الشَّاهِدُ: قَولُهُ: «آمَنتُ بِكِتَابِكَ الذي أَنزَلْتَ»؛ لِأنَّه أَنْزَلَ الكِتَابَ بِعلمِهِ، وأَنزَلَهُ بِعلمِهِ مُشتَمِلًا على عِلمِهِ وعلى إِرشَادٍ عِبَادِهِ إلى كُلِّ خَيرٍ.
ويُشِيرُ مُجَاهِدٌ ﵀ وهو التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ إلى أن هَذَا الإِنزَالَ يَعمُّ السَّمَوات ويُعُمَّ الأَرضَ جِمِيعًا بَطبَقَاتِهَا كمَا يَعُمُّ السَّمَوَاتِ بِطَبقَاتِهَا، كَأنَّه يُشِيرُ بهَذَا إلى قَولِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] فهو أَنزلَ هَذَا الكِتَابَ العَظِيمَ -وهو القُرآنُ- بِعلمِهِ العَظِيمِ، وعِلمُه لا يَنتَهِي، وهَذَا شَيءٌ مِنْ عِلمِهِ.
أَنْزَلَهُ على عِبَادِهِ على يَدِ أَفضَلِ خَلقِهِ وأَشرَفِهِم مُحَمَّدٍ ﵊ في أَفضلِ بُقعَةٍ وفي أَفضَلِ مَكَانٍ، في مَكَّةَ المُكَرَّمةِ ثم المَدِينَةِ الْمُنَوَّرةِ، في أَفضلِ زَمَانٍ وأَشرَفِ زمَانٍ في رَمَضَانَ في لَيلَةِ القَدرِ، هَذِه أَنوَاعٌ مِنْ الفَضلِ وأَنوَاعٌ مِنَ الشَّرفِ لِهذَا الكِتَابِ العَظِيمِ.
وفيه مِنَ العُلُومِ والتَّوجِيهِ إلى أَنوَاعِ الخَيرِ والتَّحذِيرِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِّ، والخَبرِ عَمَّن مَضَى وعمَا يَأَتيِ ما لا يُحصِيهِ إلا اللهُ ﷿، وإنما يَعلَمُ مِقدَارَ ذَلكَ مَنْ تَدَبَّرَهُ وتَعَقَّلَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ والبَصِيرةِ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٩)﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
[ ٢٧٢ ]
فَجِدِيرٌ بِأهلِ الإِيمَانِ، وجَدِيرٌ بِأهلِ العِلْمِ بِوجِهٍ خَاصٍّ أن تَكُونَ لهم العِنَايةُ العَظِيمَةُ الكَامِلَةُ بهَذَا الكِتَابِ -تَدَبُّرًا، وتَعَقُّلًا، وعَمَلًا، ودَعوَةً، وتَوجِيهًا، وإِرْشَادًا لِلعِبَادِ؛ لِيعلَمُوا حَقَّ رَبِّهم وما فَرضَ عَليهم وما دَعَاهُم إليه، وما لهم عنده مِنَ الخَيرِ العَظِيمِ إذا أَجَابُوا دَعوَتَهُ وأَدَّوا حَقَّهُ ﷾.
(الشَّيخُ): كَذَا عِندكَ «أَصَبتَ أَجْرًا»؟
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وفي رِوَايَةٍ «خيرًا»، وفي رِوَايَةٍ: «أَصبْتَ خَيرًا» (^١)، وفي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «خَيْرًا».
وفيه فَضْلُ هَذَا الذِّكرِ والضَّرَاعَةِ إلى اللهِ، وأنَّ صَاحِبَهَا إذا قَالها عن صِدِّقٍ وإِخلَاصٍ لو مَاتَ مَاتَ على الفِطرَةِ يَعْنِي: على الإِيمَانِ، وإن أَصبَحَ أَصَابَ أَجْرًا وأَصَابَ خَيرًا.
كَلِمَاتٌ عَظِيمَةٌ فيها تَجَرُّدٌ مِنْ الحَولِ والقُوَّةِ إلى اللهِ ﷿، وَأنَّه سُبحَانَهُ هو مُصَرِّفُ أَمرِهِ، مُصَرِّفُ أَمرِ العِبدِ ومُدَبِّرُهُ، وهو العَلِيمُ بِحَالِهِ، وهو القَادِرُ عليه، ثم خَتَمَ هَذَا بقَولِهِ: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». وهَذَا الخَتمُ يَتَضَمَّنُ إِيمَانَهُ بِكلِّ ما في القُرآنِ مِنْ تَوحِيدٍ وإِخْلَاصٍ وأَوَامرَ ونَواهٍ وقَصَصٍ وغَيرِ ذَلكَ.
فكان هَذَا كلامًا عظيمًا، وخَاتِمَةً عَظِيمَةً، وصَاحِبُهُ جَدِيرٌ بأن يَحصُلَ له هَذَا الخَيرُ: إن مَاتَ مَاتَ على الفِطرَةِ وإن أَصبَحَ أَصَابَ أَجرًا وأَصَابَ خَيْرًا: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ،
_________________
(١) ورواه مسلم (٥٨) (٢٧١٠).
[ ٢٧٣ ]
آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا». والأفضل أن يَكُونَ مِنْ آخِرِ كَلَامِهِ عند النَّومِ.
كيفَ الجَمعُ بينَهُ وبين: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»؟
لا مُنَافَاةَ، هَذَا عَامٌّ وهَذَا خَاصٌّ، هَذَا خَاصٌّ عند النَّومِ وذاك عَامٌّ في آخِرِ حَيَاةِ الإِنسَانِ.
الجَمعُ بين الأَدْعِيَةِ الوَارِدَةِ عند النَّومِ يُشرَعُ التَّنَوعُ أو الجَمْعُ؟
الظَّاهِرُ: أَنَّه يُشرَعُ أن يَأتِيَ بها كُلِّهَا إذا تَيسَرَ؛ لأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ما بينَ مُعلِّمٍ لها وما بينَ فَاعِلٍ لها، فإذا تَيَسَّرَ لِلعَبدِ أن يَأتِي بها جَمِيعَها أو ما تَيَسَّرَ منها فهو المَطلُوبُ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، يُشرَعُ عند النَّومِ أنْ يَقُولَ كَلمَةَ التَّوحِيدِ ثم يَقُولُ هَذَا الدُّعَاءَ جَمعًا بَينَ الحَدِيثَينِ؟
لا أَعلمُ، كُلُّهُ خَيرٌ، لا أَعلَمُ مِنْ ذَلكَ، إذا قالَ: سُبحَانَ اللهِ والحَمدُ للهِ ولا إِلهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكبَرُ، أو قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، أو قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، كُلُّهُ خَيرٌ. لكن لا أَتَذَكَّرُ الآن في كَلِمَاتِ النَّبيِّ ﷺ عند النَّومِ غَيرَ هَذِه الكَلِمَةِ، وهي دَاخِلَةٌ في قَولِهِ: «آمَنتُ بِكِتَابِكَ …»؛ لأنَّ في كتَابِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] دَاخِلَةٌ في الكَلِمَةِ هَذِه.
* * *
[ ٢٧٤ ]
٧٤٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اهْزِمِ الأَحْزَابَ، وَزَلْزِلْ بِهِمْ».
زَادَ الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (^١)، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ (^٢).
٧٤٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قَالَ: «أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ سَمِعَ المُشْرِكُونَ، فَسَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ».
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ حَتَّى يَسْمَعَ المُشْرِكُونَ»، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أَسْمِعْهُمْ وَلَا تَجْهَرْ، حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ القُرْآنَ (^٣).
_________________
(١) كذا في «عمدة القارئ» وفي غيره، وفي «الفتح»: زَادَ الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ.
(٢) ورواه مسلم (١٧٤٢).
(٣) ورواه مسلم (٤٤٦).
[ ٢٧٥ ]
وذَلكَ لأنَّ القُرآنَ هو أَعظَمُ مُهِمَّةٍ في الصَّلَاةِ؛ فلِهذَا أَطلَقَ عليهِ الصَّلَاةَ، يَعْنِي: قِرَاءَتَكَ.
وهَذَا مِثلمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ في «الصَّحِيحِ»: «يَقُولُ اللهُ ﷿: قَسَمتُ الصَّلَاةَ بَينِي وبَينَ عَبدِي نِصفَينِ» (^١). يَعْنِي: القِرَاءَةَ، يَعْنِي: الفَاتِحَةَ؛ لأنَّ القِرَاءَةَ رُكنُهَا العَظِيمُ والمَقصُودُ العَظِيمُ مِنْ فَرضِهَا، ولِمَا في ذَلكَ مِنْ تَوجِيهِ النَّاسِ وإِسمَاعِهِم كِتَابَ اللهِ في حَالِ خُشُوعٍ وحَالِ إِقْبَالٍ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: زَادَ الحُمَيدِيُّ، حَدَّثنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثنَا ابنُ أَبِي خَالِدٍ؟
كَأنَّ الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى ما فيها: حَدَّثنَا.
(القَاِرئُ): سَاقِطَةٌ في المَتِن مَوجُودةٌ في الشَّرحِ.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (٣٨) (٣٩٥).
[ ٢٧٦ ]