٧٤٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] (^١).
سَبقَ هَذَا، نَعَمْ، وَفِيهِ إِثْباتُ الأَصَابِعِ، خِلَافًا لِلْجَهمِيَّةِ وَالمُعتَزلَةِ وَمَنْ أوَّلَ الصِّفَاتِ، هذِهِ الأَخْبَارُ شذًى فِي حُلُوقِهِم وَعَليْهِم فِي النَّارِ -نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ- لِفَسادِ القُلُوبِ، وَفَسادِ الضَّمَائرِ، وَسُوءِ العَقَائدِ يَأْنفُونَ مِنْ هذِهِ الأَخبَارِ؛ لِأنَّ قُلُوبَهُمْ تَنفِرُ مِنْهَا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
اللهُ جل وعلا جَعلَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ السُّنَّةِ البَصِيرَةَ وَالهُدَى وَالنُّورَ؛ حَتَّى
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٨٦).
[ ١٩١ ]
قَبِلَتِ الحَقَّ، وَأَقرَّتْ بِهِ وَدَعتْ إِليْهِ، وَأَنْكرَتْ عَلَى مَنْ خَالَفهُ.
وَأيُّ مَحْذُورٍ فِي وَصفِهِ سُبْحانَهُ بِمَا أَخْبرَ بِهِ عَنْ نَفْسهِ: مِثلِ يَدهِ، وَأَصَابِعهِ، وَقَدمِهِ، وَسَمعِهِ، وَبَصرِهِ، وَغَيرِ ذَلِك؟!
هَذِه الصِّفَاتُ هِيَ الَّتِي اقْتَضتْ أنَّهُ الحَكِيمُ، وَأنَّهُ الإِلَهُ الحقُّ، وَأنَّهُ المُستَحِقُّ لِلعِبَادةِ، فَإِلهٌ لَيسَ لَهُ صِفَاتٌ عَدمٌ؛ وَلِهذَا قَالَ أَئمَّةُ السَّلفِ: إنَّ مَدَارَ قَولِ الجَهْميَّةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجهِمْ مَدَارُهَا أنَّهُم يَقُولُونَ: لَا شَيءَ، لَيسَ هُناكَ إِلهٌ يُعْبَدُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ النَّفيُ وَالتَّعْطيلُ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، التَّرْجمَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] وَالحَدِيثُ فِي إِثْباتِ الأَصَابعِ؟
قَولُهُ: «أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟» يَعنِي: هُوَ الَّذِي أَمْسَكَهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخرَى: «يَطْوِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ …» إلخ. إِشَارةٌ إِلَى بَقيَّةِ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أنَّهُ المُتَصرِّفُ فِيهَا سُبْحانَهُ، وَلَو تَركَهَا لَهَلكَتْ، أيِ: انْدَكَّتْ، وَهُو عَادَتُهُ أنْ يُشِيرَ بِالرِّوَايةِ إِلَى الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى. ثمَّ هُوَ الَّذِي جَعَلَ هُوَ الَّذِي أَمْسَكَ وَجَعلَهُ (^١) يَومَ القِيَامةِ، كمَا أَمْسكَها فِي الدُّنْيَا.
أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، التَّردُّدُ «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ» نِسبَتُهُ للهِ؟
هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ
_________________
(١) كلمة غير واضحة لعلها: في يده.
[ ١٩٢ ]
عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، ولَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» (^١). تَردُّدٌ يَلِيقُ بِجَلالِهِ وَعَظمَتهِ، لَيسَ مِنْ جِنسِ تَردُّدِنَا، كَسَائرِ الصِّفَاتِ، لَيسَ تَردُّدَ شَكٍّ وَلَا جَهلٍ، وَإنَّمَا هُوَ لِحِكمَةٍ بَالِغةٍ ﷾.
تَفْسِيرُهُ بِأنَّهُ تَعَارُضُ إِرَادَتَينِ؟
الأَولَى -مِثلُ مَا تَقدَّمَ- يَلِيقُ بِاللهِ، اللهُ أَعلَمُ بِكَيفِيَّتهِ، لَا نَعْلمُ كَيفِيَّتَهُ، لَكِن لَيسَ مِثلَ تَردُّدِنَا؛ لِأنَّ تَردُّدَنا يَكُونُ عَنْ جَهلٍ وَعَنِ اشْتِباهٍ عِنْدَنَا وَشكٍّ، أمَّا هُوَ سُبْحانَهُ فهُوَ العَلِيمُ بِكلِّ شَيءٍ وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كلِّ شَيءٍ وَلَا يَغِيبُ عَنْ عِلمِهِ شَيءٌ ﷾. فَتَردُّدُهُ لِمَعنًى آخَرَ لَيسَ مِنْ جِنسِ حَالِنَا، اللهُ أَعْلمُ بِهِ هوُ، وَأَعلَمُ بِكيَفيَّةِ صِفَاتهِ ﷾.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٢).
[ ١٩٣ ]