٧٤٥٩ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ» (^١).
٧٤٦٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ (^٢)، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» (^٣).
هَذَا مِنَ البِشَارَةِ العَظِيمَةِ لهَذِه الأُمَّةِ، وَأنَّه لا يَزَالُ فيها مَنْ يَقُومُ بِأمرِ اللهِ ويَنصُرُ الحَقَّ إلى أن يَأتِيَ أَمرُ اللهِ بِقَبضِ أَروَاحِ المُؤمِنِينَ والمُؤمِنَاتِ، وعند ذَلكَ لا يَبقَى إلا الأَشْرَارُ فَعَلِيهم تَقُومُ السَّاعَةُ؛ ولِهذَا قَالَ: «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ»،
_________________
(١) ورواه مسلم (١٩٢١).
(٢) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وفي غيره: «وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ».
(٣) ورواه مسلم (١٠٢٧).
[ ٢٠٦ ]
«لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم».
وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ خَذَلَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهُ» (^١).
وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي على الحَقِّ مَنصُورَةً» (^٢).
والأَلفَاظُ مُتَقَارِبةٌ، هم: «قَومٌ، طَائفَةٌ، وأُمَّةٌ قَائمَةٌ» كُلُّ هَذِه أَلفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ.
والمَعنَى: أَنَّه لا يَزَالُ في هَذِه الأُمَّةِ مَنْ يَنْصُرُ دِينَ اللهِ، ويَقُومُ بِأَمرِ اللهِ ويَدعُو إلى اللهِ -وإن قَلُّوا في بِعْضِ الجِهَاتِ لا يَلزَمُ أن يَكُونَوا في مَكَانٍ وَاحِدٍ، قد يَكُونُونَ في جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ- حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ.
والوَاقِعُ شَاهِدٌ بذَلِكَ اليَومَ، وهَكَذَا بعدَ اليَومِ حَتَّى يَتِمَّ أَمرُ اللهِ الَّذي وَعدَ به رَسُولَهُ ﵊، وذَلكَ بأن يُرسِلَ اللهُ رَيحًا طِيَّبةً فَتقِبِضُ أَروَاحَ المُؤمِنِينَ، ولا يَبقَى إلا الأَشرَارُ فعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ.
فَالسَّاعَةُ لا تَقُومُ إلا على الأَشرَارِ، على من لا يَقُولُ في الأَرضِ: «الله، الله»، بل يَبقُونَ في كُفرِهِم وضَلَالِهِم، ويَعُودُونَ إلى عِبَادةِ الأَوثَانِ والأَصنَامِ، وتَمرجُ عُهُودُهُم وأَحوَالُهم، ويَكُونُونُ أَشبَهَ بِالبَهَائِمِ وبذَلكَ تَقُومُ عَلَيهِم السَّاعَةُ، يَعْنِي يَنفُخُ اللهُ في الصُّورِ وتَقُومُ القِيَامَةُ التي أَخبرَ اللهُ بها في كِتَابهِ جلا وعلا.
فإذا كَانَ الأَمرُ هَكَذَا فَيَنبَغِي لِأهلِ العِلْمِ والإِيمَانِ وأَهلِ البَصِيرَةِ وأَهلِ البَصَائرِ أن يَغتَنِمُوا الفُرصَةَ، وأنْ يَستَغِلُّوا وَقتَهُم في الدَّعْوَةِ إلى اللهِ ونَشْرِ الحَقِّ، والصَّبرِ على ذَلكَ، وبَيَانِ البَاطِلِ وتَزيِيفِهِ والتَّحذِيرِ منه؛ حَتَّى يَدخُلَ في هَذِه الطَّائِفَةِ، مَنْ قَامَ بهَذَا دَخَلَ في هَذِه الطَّائِفَةِ، سَوَاءٌ كَانَ في شَرقِ الأَرضِ أو
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٤١)، ومسلم (١٠٣٧) (١٧٤).
(٢) رواه البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (٢٤٧) (١٥٦) بنحوه، ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٦٧١٤)، واللفظ لابن حبان.
[ ٢٠٧ ]
في غَربِهَا أو في جَنُوبِهَا أو شَمَالِهَا.
مَنْ قَامَ بهَذِه المُهِمَّةِ -وهي الدَّعوَةُ إلى اللهِ، وإِظهَارُ الحَقِّ، ونَصرُهُ وبَيَانُه للنَّاسِ- ولو كَانَ وَاحِدًا في قَرِيةٍ، أو وَاحِدًا في مَدِينَةٍ، أو في إِقلِيمٍ أو في قَبِيلَةٍ، يَعمُّهُ هَذَا الخَيرُ وهَذَا الفَضلُ، ويَكُون مِنْ الغُربَاءِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ ﵊: «فَطُوبَى للغُرَبَاءِ»، قِيلَ: ومَنِ الغُرَبَاءُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إذا فَسدَ النَّاسُ» (^١) وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «يُصْلِحونَ ما أَفسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي» (^٢)، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «هم النُّزَّاعُ مِنْ القبَائِلِ» (^٣) وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «هم أُناسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ في أُناسِ سُوءٍ كَثِيرٍ» (^٤).
هَؤلَاءِ همُ الغُربَاءُ، وهم دُعَاةُ الحَقِّ، وهم أَنْصَارُ الهُدَى، وهمُ المُشَارُ إليهم في هَذِه الأَحَادِيثِ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَتِّي على الحَقِّ مَنصُورَةً» (^٥)، «لا يَزَالُ قَومٌ ظَاهِرِين حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ» (^٦). «لا تَزَالُ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأمِرِ اللهِ لا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ» (^٧) هم هَؤلَاءِ، سَواءٌ اجْتَمَعُوا في مَكَانٍ، أو اخْتَلَفُوا، أو تَنَوَّعُوا، أو تَفَرَّقُوا.
_________________
(١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٥٣١)، واللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة» (١٧٤).
(٢) رواه الترمذي (٢٦٣٠).
(٣) رواه أحمد في «المسند» (٣٧٨٤)، وابن ماجه (٣٩٨٨).
(٤) رواه أحمد في «المسند» (٦٦٥٠).
(٥) رواه ابن ماجه (١٠).
(٦) رواه البخاري (٣١١٦)، ومسلم (١٩٢٠) (١٧٠).
(٧) رواه البخاري (٧٤٦٠).
[ ٢٠٨ ]
المَقْصُودُ: أَنَّهم هم هَؤلَاءِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ دِينَ اللهِ، ويَدْعُونَ إلى اللهِ، لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم ولا مَنْ خَالَفَهُم، ولا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم، ولا مَنْ سَخِرَ بهم، والوَاجِبُ عَلَيهِم الصَّبرُ لا يَهتَمُّونَ بمن كَذَّبَ أو خَذَّلَ أو سَخِرَ أو اسْتَهزَأَ، لا يُهمُّهُم ولا يَلتَفِتُون إليه، فقد سَخِرَ أَقوَامُ الأَنبِيَاءِ بِالأنبِياءِ ﵈ ولم يَضُرُّهُم ذَلكَ، ولم يَثنِهم عن دَعَوتِهِم إلى اللهِ، وقد استَهزَأَ أَهْلُ مَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كما اسْتَهزَأَ المُنَافِقُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، واليَهُودُ كذَلكَ اسْتَهزَؤوا به، فَمَا ضَرَّه ذَلكَ، صَدَعَ بِأمِرِ اللهِ، وقَامَ بِأَمرِ اللهِ، وصَبرَ على ذَلكَ حَتَّى أَظهَرَهُ اللهُ على الدِّينِ كُلِّهِ.
وهَكَذَا مَنْ قَبلَهُ مِنْ الرُّسُلِ ﵈ صَبَرُوا ونَجَحُوا وأَفلَحُوا، ومَن أُوذِيَ مِنْهُم زَادَهُ اللهُ كَرَامَةً وَرِفعَةً ودَرَجَاتٍ، ومَن قُتِلَ كذَلكَ.
* * *
«فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا، يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ».
والمَعنَى: أَنَّهُمْ يَكُونُونَ بِالشَّامِ يومًا ما، أو دَهْرًا ما، ولكن لا يَلزَمُ ذَلكَ في كُلِّ وَقتٍ، قد يَكُونُ في الشَّامِ طَائِفَةٌ، وفي البِلَادِ الأُخْرَى طَوَائِفُ كما هو الوَاقِعُ الآنَ.
الآن في أَمرِيكَا، في آسِيَا على طُولِهَا وعَرضِهَا، في أَفرِيقِيَا، في أُورُوبَّا دُعَاةٌ للحَقِّ، وأَنصَارٌ للحَقِّ، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم ولا مَنْ خَذَلَهم، وهَذَا الوَاقِعُ شَاهِدٌ لهَذِه الأَحَادِيثِ، وهَذِه الحَركَةُ الجَدِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ واليَقظَةُ الإِسلَامِيةُ
[ ٢٠٩ ]
شَاهِدٌ لِهذَا الأَمرِ.
حَفِظَك اللهُ يا شَيخُ، قَولُهُ: «لا تَزَالُ» ما يُفِيدُ الدَّيمُومَةَ والاسْتِمرَاريَّةَ؟
نعم، إلى أن يَأْتِيَ أَمرُ اللهُ، لكنْ يَكثُرُونَ في مَكَانٍ ويَقِلُّونَ في مَكَانٍ، ويَكثُرُونَ في زَمَانٍ ويَقِلُّونَ في زَمَانٍ، أَمرُهُم يَتَنَوَّعُ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: «ظَاهِرِينَ على النَّاسِ» يَعْنِي النَّاسَ الَّذِينَ حَولَهُم فَقَطْ أو كُلِّ النَّاسِ؟
يَحتَمِلُ هَذَا وهَذَا، قد يَكُونُونَ في وَقْتٍ ما ظَاهِرِينَ على النَّاسِ الَّذِينَ حَولَهُم، وفي وَقتٍ ما ظَاهِرينَ على النَّاسِ الَّذِينَ لهم السَّلطَةُ والإِمَامَةُ، كما وَقعَ في عَهدِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃، وفي أَئِمَّةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وفي أَوقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَوقَاتِ بَنِي العَبَّاسِ، وَقَعَ في أَقَاليمَ وجِهَاتٍ ومُنَاطقَ مُتَعَدِّدةٍ إلى يَومِنَا هَذَا.
ومِثلمَا وَقعَ في عَهدِ الشيَّخِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَابِ ﵀ وآلِ سُعُودٍ في مَنطِقَةِ الجَزِيرَةِ، ومِثلمَا وقع في بِعْضِ مَنَاطقِ المَغرِبِ وأَفْرِيقيَا في أَوقَاتٍ كَثِيرَةٍ، وهَكَذَا في الهِندِ قَبلَ التَّقسِيمِ وبعدَ التَّقسِيمِ.
٧٤٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٢٧٣).
[ ٢١٠ ]
وقد وَقَعَ ذَلكَ، أَدبَرَ وعَقَرَهُ اللهُ ﷿، أَدبَرَ واسْتَمَرَّ في طُغيَانِهِ ودَعوَاهُ النُّبُوةَ؛ فَعقَرهُ اللهُ وقَتَلَهُ المُسلِمُونَ في عَهدِ الصَّدِّيقِ ﵁، وهَذَا مِصدَاقُ ما أَخبَرَ به ﵊ «لَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ»، وقد أَدبَرَ وكَذَّبَ وافْتَرَى وزَعَمَ أَنَّه يُوحَى إِليهِ، وأَتَى بِخُرَافَاتٍ لا تَرُوجُ على ذَوِي العُقُولِ حَتَّى قَتَلَهُ اللهُ على يدِ المُسْلِمِينَ في عَهدِ الصِّدِّيقِ ﵁.
٧٤٦٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بِعْضِ حَرْثِ المَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟
فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»، قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٩٤).
[ ٢١١ ]
قِرَاءَتَانِ «أُوتُوا» يَعْنِي اليَهُودَ السَّائِلينَ، «وما أُوتِيتُمْ» يَعمُّ الأُمَّةَ، ويَعُمُّ اليَهُودَ.
عَفَا اللهُ عنكَ: التَّرجَمَةُ هَذِه والتَّرجَمَةُ السَّابِقَةُ مُتَشَابِهَتَانِ وتَكَررَّ الحَدِيثُ هنا مِثلُ التَّرجَمَةِ السَّابِقَةِ، التَّرجَمَةُ السَّابِقَةُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ [الصافات: ١٧١]. وهنا: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، وجَاءَ بِالحَدِيثِ هُنَا وَهُناكَ؟
اللهُ أَعلَمُ، الوَجهُ هُناكَ أنَّ الحَدِيثَ يَدُلُّ على أن مَنْ سَبَقَتْ لَه السَّعَادَةُ يُصَدِّقُ بِأمرِ اللهِ، ولا يَتَعَنَّتْ ويَقبَلُ الحَقَّ، ويُؤمِنُ بما بُيِّنَ وبما أُخفِي، ويَكِلُهُ إلى اللهِ.
وهنا قَولُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]؛ فَالرُّوحُ مِنْ أَمرِهِ إذا أَرَادَها كوَّنها لِلإنسِ والجِنِّ والمَلَائِكَةِ والدَّوَابِّ وغَيرِ ذَلكَ.
وفي هَذَا في بِعْضِ الرِّوَاياتِ: أن اليَهُودَ قَالُوا: لقد أُوتِي مُوسَى ﵇ التَّورَاةُ فهل هي عِلمٌ قَلِيلٌ؟ التَّورَاةُ فيها عِلمٌ كَثِيرٌ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
[ ٢١٢ ]
«نعم ولكن في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ». التَّورَاةُ والزَّبُورُ والقُرآنُ والكُتُبُ كُلُّهَا في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ؛ لأنَّ عِلمَ اللهِ وَاسعٌ لا يَحدُّهُ حَدٌّ.
فالتَّورَاةُ والإِنجِيلُ والقُرآنُ والزَّبُورُ كُلُّهَا في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ، ولِهذَا قَالَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
(الشَّيخُ) رَاجِع كَلَامَ الشَّارِحِ على البَابِ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤)]: «قَوْلُه: بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: «إنما أمرنا لشَيْء إِذا أردناه» زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَنَقَصَ: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾. مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ. قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيِّ وَالْقَابِسِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَصَوَابُ التِّلَاوَةِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُتَرْجِمَ بِالْآيَةِ الأُخْرَى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠]، وَسَبَقَ الْقَلَمُ إِلَى هَذِهِ.
قُلْتُ: وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ﴿﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ على وفْق التِّلَاوَة، وَعَلَيْهَا شَرحُ ابنِ التِّينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ إِصْلَاحِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، قَالَ ابن أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ»: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَدِيثُ عُبَادَةَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ اكْتُبْ …» الْحَدِيثَ.
قَالَ: وَإِنَّمَا نَطَقَ الْقَلَمُ بِكَلَامِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، قَالَ: فَكَلَامُ اللَّهِ سَابِقٌ عَلَى أَوَّلِ خَلْقِهِ؛ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ الْبُوَيْطِيَّ يَقُولُ: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُ بِقَوْلِهِ: «كُنْ» فَلَوْ كَانَ «كُنْ» مَخْلُوقًا لَكَانَ قد خَلقَ الْخلقَ بِمخلُوقٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ
[ ٢١٣ ]
فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ الْأَوَّلُ:
حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ وَقَوْلُهُ فِيهِ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ -هُوَ ابنُ أَبِي خَالِد- وَقيسٌ -هُوَ ابنُ أَبِي حَازِمٍ- وَالْغَرَضُ مِنْهُ وَمِنَ الَّذِي بَعْدَهُ قَوْلُهُ: «حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ عِنْدَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ «الِاعْتِصَام».
وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ السَّاعَةُ. والصَّوَابُ: أَمْرُ اللَّهِ بِقِيَامِ السَّاعَةِ فَيَرْجِعُ إِلَى حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ».
قال ابنُ بَازٍ ﵀: والصَّوَابُ كمَا تَقَدَّمَ أنَّ أَمرَ اللهِ هنا الرِّيحُ التي تَقبِضُ أَرْوَاحَ المُؤمِنِينَ؛ لأنَّ السَّاعَةَ ما تَقُومُ على المُؤمِنِينَ ولا عَلى دُعَاةِ الحَقِّ، وإنَّمَا تَقُومُ على الأَشْرَارِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالُ في الأَرْضِ اللهُ اللهُ» (^١).
[قال الحَافِظُ ﵀]: «وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ -بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَتَخْفِيفِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ- عَنْ مُعَاذٍ وَهُمْ بِالشَّامِ، وَذَكَرَ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِيهِ: «وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ».
وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: «حِذَاهُمْ» بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ دَال مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ لَيِّنَةٌ، قَالَ: وَلَهَا وَجْهٌ. يَعْنِي: «مَنْ جَاوَرَهُمْ مِمَّنْ لَا يُوَافِقُهُمْ». قَالَ: وَلَكِن الصَّوَابُ بِفَتْح الخاء المعجمة وباللَّام منَ الخِذْلانِ، وابنُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، نُسِبَ لِجَدِّهِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ فِي شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ، ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مَعَ شَرْحِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: «وَلَنْ يَعْدُوَ أَمْرُ اللَّهِ فِيكَ» أَيْ: مَا قَدَّرَهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّقَاء أَوْ السَّعَادَة.
الحَدِيث الْخَامِ
حَدِيث ابن مَسْعُودٍ فِي سُؤَالِ الْيَهُودِ عَنِ الرُّوحِ
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٨) (٢٣٤).
[ ٢١٤ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرُّوحَ قَدِيمَةٌ، زَعْمًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا الْأَمْرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَهُوَ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ لمعانٍ يتَبيُّنُ الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهَا مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ: ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّلَبِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ، وأمَّا الْأَمرُ فِي حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ هَذَا؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَأْمُورُ، كَمَا يُقَالُ: الْخَلْقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَفِي تَفْسِيرِ السُّديّ عَنْ أبي مَالكٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَعَنْ غَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] يَقُولُ: هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ الْمَسْؤولِ عَنْهَا: هَلْ هِيَ الرُّوحُ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحَيَاةُ أَوِ الرُّوحُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤]؟
وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي بِأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ عَمَّا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَالرُّوحُ الَّتِي بِهَا الْحَيَاةُ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِخِلَافِ الرُّوحِ الْمَذْكُورِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، بَلْ هِيَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، بِخِلَافِ الْأُولَى، وَقَدْ أَطْلَقَ اللَّهُ لَفْظَ «الرُّوحِ» عَلَى الْوَحْيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [غافر: ١٥]، وَعَلَى الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ وَالنَّصْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وَعَلَى جِبْرِيلَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَعَلَى عِيسَى ابن مَرْيَمَ،
[ ٢١٥ ]
وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَةُ رُوحِ بَنِي آدَمَ رُوحًا، بَلْ سَمَّاهَا نَفْسًا فِي قَوْلِهِ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] وَالنَّفْسُ الْأَمَارَةُ بِالسُّوءِ، وَالنَّفْسُ اللَّوَّامَةُ، وَأَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.
وَتَمَسَّكَ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ بِإِضَافَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]. وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقَعُ عَلَى صِفَةٍ تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَعَلَى مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ: «رُوحُ اللَّهِ» مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ».
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: يَعْنِي مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَاِلقِهِ، رُوحُ آدَمَ وَرُوحُ عِيسَى ﵉ كُلُّهَا مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِه إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وتَكرِيمٍ، كَنَاقَةِ اللهِ، وبَيتِ اللهِ، ورَسُولِ اللهِ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «الثَّاني: وهي إِضَافَةُ تَخصِيصٍ وتَشرِيفٍ، وهي فَوقَ الإِضَافَةِ العَامَّةِ التي بِمَعنَى الإِيجَادِ، فَالإِضَافَةُ على ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إِضَافَةُ إِيجَادٍ، وإِضَافَةُ تَشرِيفٍ، وإِضَافَةُ صِفةٍ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ويُضَافُ إليهِ إِضَافَةُ صِفَةٍ، كَعلْمِ اللهِ، وقُوَّةِ اللهِ، وإِضَافَةٌ الذَّاتِ إلى غَيرِهَا، وإِضَافَةُ الذَّاتِ على قِسمَينِ:
١ - إِضَافَةُ مُخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ، كَأرضِ اللهِ وسَمَاءِ اللهِ.
٢ - وإِضَافَةُ تَشرِيفٍ وتَكَرِيمٍ مع أنَّها إِضَافَةُ مَخلُوقٍ، كَبَيتِ اللهِ ونَاقةِ اللهِ.
ولا مُشَاحَّةَ في الاصطِلَاحِ، إذا جُعِلَ ثَلَاثةَ أَقْسَامٍ، أو قِسْمَينِ ثم جُعِلَ
[ ٢١٦ ]
القِسمُ الثَّاني قِسمَينِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، المَخلُوقٌ مَعرُوفٌ أَنَّه بِإيجَادِ اللهِ؟
لكِنَّه على قِسمَينِ: تَارَةً يَكُونُ مِنْ بَابِ الإِيجَادِ فَقَطْ، وتَارَةً مِنْ بَابِ ذَلكَ مع التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ لِأجلِ الإِضَافةِ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «والَّذِي يَدُلُّ على أنَّ الرُّوحَ مَخلُوقَةٌ عُمُومُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، [الزمر: ٦٢]، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾ [الشعراء: ٢٦]. والأَروَاحُ مَربُوبَةٌ، وكُلُّ مَربُوبٍ مَخلُوقُ رَبِّ العَالَمِينَ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وكُلُّ مَربُوبٍ مَخلُوقُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَصلُحُ إِضَافةُ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ، يَعْنِي مَخلُوقٌ لِرَبِّ العَالَمِينَ على تَقدِيرِ اللَّامِ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلم تَكُ شَيْئا﴾ وَهَذَا الْخِطَابُ لِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ مَعًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان: ١]، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ: «خَلَقْنَا» يَتَنَاوَلُ الْأَرْوَاحَ وَالْأَجْسَادَ مَعًا، أَوِ الْأَرْوَاحَ فَقَطْ.
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَخْلُوقُونَ وَهُمْ أَرْوَاحٌ. وَحَدِيثُ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ». وَالْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَخْلُوقَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَشَرْحُهُ فِي «كِتَابِ الْأَدَبِ».
[ ٢١٧ ]
وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ بِلَالًا ﵁ قَالَ لَمَّا نَامُوا فِي الْوَادِي: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ». وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الرُّوحُ قَطْعًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ …» الْحَدِيثَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، الْآيَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي سُورَةِ «سُبْحَانَ».
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: «وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ [الإسراء: ٨٥] عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّتِهِ: قَالَ الْأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قراءتنا.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلشَّيْءِ: كُنْ؛ فَيَكُونُ بِأَمْرِهِ لَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ وَقَوْلَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ يَقُولُ: «كُنْ» حَقِيقَةً، وَأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ الْخَلْقِ؛ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]». [انتهى كلامه].
* * *
[ ٢١٨ ]