﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] قَالَ قَتَادَةُ: مَكْتُوبٌ، ﴿يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]: يَخُطُّونَ، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤]: جُمْلَةِ الكِتَابِ وَأَصْلِهِ، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق: ١٨]: مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْتَبُ الخَيْرُ وَالشَّرُّ، ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: ٤٦]: يُزِيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ﷿، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ، يَتَأَوَّلُونَهُ عَنْ غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٥٦]: تِلَاوَتُهُمْ، ﴿وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]: حَافِظَةٌ، ﴿وَتَعِيَهَا﴾ [الحاقة: ١٢]: تَحْفَظُهَا، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩]، يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]: هَذَا القُرْآنُ فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ.
٧٥٥٣ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ - أَوْ قَالَ - سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٥١).
[ ٤١٥ ]
٧٥٥٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَبَا رَافِعٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» (^١).
(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الشَّارِحُ «مُحمَّدُ بنُ أَبِي غَالِبٍ»؟ هَذَا غَرِيبٌ من مَشَايخِ المُؤَلِّفِ. العَينِيُّ أو الحَافِظُ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٢٦)]: «قَوْلُهُ: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ»، فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ «حَدَّثَنَا» وَهُوَ قُومَسِيٌّ نَزَلَ بَغْدَادَ وَيُقَالُ لَهُ: الطَّيَالِسِيُّ وَكَانَ حَافِظًا مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي «بَابِ الْأَخْذِ بِالْيَدِ» مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ.
وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَةً بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ مُعْتَمِرٍ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِيرَ بِوَاسِطَةِ وَاحِدٍ، فَعِنْدَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالصُّلْحِ وَاللِّبَاسِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا مُسَدَّدٌ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: أَخرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ عن مُسَدَّدٍ، لَعلها عن مُسَدَّدٍ، يَعْنِي الْمُؤلِّفَ في هَذَا عن شَيخِهِ مُسَدَّدٍ عن مُعتَمِرٍ.
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٥١).
[ ٤١٦ ]
[قال الحَافِظُ ﵀]: «عن مُسَدَّدٍ عَنْ مُعتَمِرٍ وَدَرَجَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ الْكَثِيرُ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ وَاحِدٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، وَالْأَنْصَارِيُّ سَمِعَ مِنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي «الْجَامِعِ»، وَمُحَمّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ بَصرِيٌّ يُقَال لَهُ ابنُ أَبِي سَمِينَةَ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ وَزْنُ عَظِيمَة، مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي «التَّارِيخِ» بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلَمْ أَرَ عَنْهُ فِي «الْجَامِعِ» شَيْئًا إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِثْلُ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظِ الْمُلَقَّبِ جَزَرَةً بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ وَمُوسَى بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِمَا». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: مثل ما قَالَ المُؤلِّفُ ما أَذكُرُ أَنَّه مَرَّ معَنَا إلا هَذِه المرَّةَ مُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلُ هَذَا، مُحَمَّدُ بنُ أَبِي غَالِبٍ هَكَذَا، كذَلكَ قَلِيلٌ، غَفرَ اللهُ له.
يُراجَعُ بَعضُ الْمَوَاضِعِ هَذِه، الظَّاهِرُ أنَّ الكَلَامَ «أَخرَجَهُ عن مُسَدَّدٍ»، يَعْنِي: المُؤلِّفَ يُرَاجَعُ بَعضُ المَوَاضِعِ التي أَشَارَ لها.
قَولُهُ: «إن رَحمَتِي سَبَقَت غضَبِي»: وهَذَا مما يَجعَلُ المُؤمِنَ تَغلِبُ عليه عِبَادَةُ الرَّجَاءِ وحُسنِ الظَّنِّ بِاللهِ ﷿، ولكِنْ لا يَحمِلُهُ ذَلكَ على الأَمنِ مِنْ مَكرِ اللهِ، بل على حُسنِ الظَّنِّ باللهِ وحُسنِ الرَّجَاءِ؛ فإن رَحمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وهو القَائلُ سُبحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقال عنه المَلَائِكَةُ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
فَالمُؤمِنُ يُحسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، ويَحذَرُ الأَمنَ مِنْ مَكرِهِ، فقد قَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي
[ ٤١٧ ]
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦] ثم قَالَ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَليست هَذِه الرَّحمَةُ تَنالُ مَنْ كَفَرَ به وتَركَ دِينَهُ، ولكنَّهَا وَاسِعَةٌ، يَنَالُهم منها نَصِيبُهُمْ مِنْ الرَّزقِ في الدُّنيَا، والصَّحَّةِ في الدُّنيَا، والتَّمكِينِ مِنْ سَمَاعِ الحُجَجِ، وهَذَا مِنْ رَحمَتِهِ ﷾.
فَرحمَتُهُ عَامَّةٌ لهم في الدُّنيَا، ولكن لا يَفُوزُ بها في الآخِرَةِ ويَحصُلُ له أَثَرُهَا في الآخِرَةِ إلا مَنْ اتَّقَى واسْتَقَامَ على أَمرِهِ، ووَحَّدَهُ وأَخلَصَ له، هَؤلَاء هم أَهْلُ الرَّحمَةِ، فمَنِ استَقَامَ على التَّقوَى حَصَلَت له الرَّحمَةُ الكَامِلَةُ، ومَن أَخَلَّ بِالتَّقوَى بِبَعضِ المَعَاصِي نَالَهُ منها بِقَدرِ ما عنده مِنَ الخَيرِ والهُدَى.
هو مَكتُوبٌ عنده فَوقَ العَرشِ؟
نعم. يَعْنِي كِتَابَهُ.
العَرشُ فَوقَ المَخلُوقَاتِ، فَوقَهُ الكِتَابُ؟
الكِتَابُ فَوقَ العَرشِ نعم، عند اللهِ سُبحَانَهُ، ما في مَانِعٌ، العَرشُ سَقفُ المَخلُوقَاتِ، ولا مَانِعَ أن يَكُونَ فَوقَهُ شَيءٌ بِأمرِ اللهِ، لا مَانِعَ.
* * *
[ ٤١٨ ]