وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ، الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «العَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ» يُقَالُ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣]: «المَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللهِ»
٧٤٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^١).
هذِهِ مِنْ نِعمِ اللهِ العَظِيمَةِ، كَونُ المَلَائكَةِ يَحضُرُونَ صَلَاةَ المُسْلِمِينَ وَيَجْتمِعُونَ مَعهُمْ فِيهَا -مَلَائكَةُ اللَّيلِ وَمَلائِكةُ النَّهَارِ- يَتَعارَفُونَ عَلَى هَؤُلاءِ
_________________
(١) ورواه مسلم (٦٣٢).
[ ١٢٩ ]
العِبَادِ، وَيطَّلِعونَ عَلَى أَخْبارِهِم وَشُؤونِهِم، وَيَجْتمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلاةِ العَصرِ -مَلَائكَةُ اللَّيلِ وَمَلائِكةُ النَّهَارِ- ثمَّ يَصْعدُ الَّذينَ بَاتُوا بَعدَ صَلَاةِ الفَجرِ، وَيصْعدُ الَّذينَ فِينَا فِي النَّهَارِ بَعدَ العَصرِ، وَاللهُ يَسْألُهمْ -وَهُوَ أَعْلمُ ﷾- كَيفَ تَرَكتْمُ عِبَادِي؟ يَقُولُونَ: «تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». شَهادَةٌ منَ المَلَائِكةِ لِأُولئِكَ الَّذينَ حَضَروهُمْ وَشَهِدُوا صَلَوَاتِهمْ.
وَالمَقْصودُ مِنْ هَذَا الخَبرِ وَمَا ذُكِرَ مَعهُ منَ الآيَاتِ: بَيَانُ عُلوِّ اللهِ جل وعلا، وَأنَّ اللهَ فِي العُلوِّ فَوقَ العَرشِ فَوقَ جَمِيعِ خَلقِهِ ﷾؛ وَلِهذَا قَالَ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، العُرُوجُ يَكُونُ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى، وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (١٠)﴾ [فاطر: ١٠]. وَالصُّعُودَ وَالرَّفعُ يَكُونُ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى.
وَهكَذَا بَقيَّةُ الآيَاتِ ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]، ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ (٥٥)﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ أَدِلَّةِ العُلوِّ.
وَقدْ تَكاثَرَتْ أَدلَّةُ العُلوِّ فِي الكِتَابِ وَالسُّنةِ بِمَا لَا يَبْقَى مَعهُ أيُّ شَكٍّ لِمنْ مَعهُ أَدْنَى عَقلٍ، وَذَلِك لِلدَّلالَةِ عَلَى عُلوِّ اللهِ وَفَوْقيَّتِهِ، وَأنَّهُ فَوقَ العَرشِ فَوقَ جَمِيعِ الخَلْقِ، وَلَيسَ مُخْتلِطًا بِهِم، وَلَا حالًّا فِيهِمْ، بلْ هُوَ فَوقَ جَمِيعِ الخَلْقِ ﷾.
فَالْوَاجِبُ عَلَى المُسلِمِ اعْتِقادُ ذلِكَ وَالإِيمَانُ بِذلِكَ، وَأنَّ رَبَّهُ فَوقَ العَرشِ، فَوقَ جَمِيعِ الخَلقِ ﷾، وَلَا تَخْفَى عَليْهِ خَافِيةٌ، يَعلَمُ عِلْمَ عِبَادهِ وَهُوَ فَوقَ العَرشِ، فهُوَ مُحِيطٌ بِهِمْ عِلْمًا وَقُدرَةً وَتَدْبِيرًا ﷾، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ
[ ١٣٠ ]
اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥]، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧]. هُوَ العَالِمُ بِأحْوَالِ عِبَادهِ مَعَ عُلوِّهِ وَفَوقِيَّتهِ ﷾: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩].
وفِي هَذَا الحَدِيثِ حَدِيثِ: «يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ المَلَائِكَةُ» هَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أنَّ المَلَائِكةَ لَهُمْ صِلَةٌ بِأهْلِ الإِيمَانِ، غَيرُ المَلائِكةِ الحَفظَةِ المُوكَّلُونَ بِالعِبادِ، هَؤلَاءِ المَلائِكَةُ غَيرُهُم، مُوكَّلُونَ بِهذَا الأَمْرِ، يَنْزِلُونَ وَيَصْعَدُونَ وَيَعْلمُونَ أَحْوَالَ العِبَادِ، وَيَحضُرُونَ الصَّلَواتِ وَيَجْتمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَغَيرُ المَلَائِكةِ الأُخْرَى: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ، يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (^١). ﵊.
وَفِيهِ: أنَّ المَلَائِكةَ أيْضًا لَهُمْ عِنَايةٌ وَحِرْصٌ عَلَى تَتبُّعِ مَجَالسِ الذِّكرِ، فَإِذَا وَجدُوهَا تَنَادّْوا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، حَتَّى يَسُدُّوا مَا بَينَ الطَّابِقيْنِ. وهَذَا مِنْ آيَاتِ اللهِ العَظِيمةِ الَّتِي تَدلُّ عَلَى كَثرَةِ جُنُودهِ وَكَثْرةِ المَلَائكَةِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وَمَا يُحْصِيهِم إلَّا هُوَ ﷾.
عَفَا اللهُ عَنكَ، التَّرجَمَةُ هذِهِ فِي العُلوِّ وَالتَّرجَمةُ السَّابِقَةُ فِي العُلُوِّ؟
السَّابِقَةُ لِإِثْباتِ العَرْشِ وَالعُلُوِّ، وَأنَّ العَرْشَ فَوقَ السَّمَوَاتِ، هُوَ سَقْفُ المَخْلُوقَاتِ. وَهُنا العُلوُّ مُطْلقًا.
_________________
(١) رواه أحمد في «المسند» (٣٦٦٦)، والنسائي (١٢٨٢).
[ ١٣١ ]
٧٤٣٠ - وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».
وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ» (^١).
وهُنَا الشَّاهدُ لِلعُلوِّ كَونُهُ يَصعَدُ؛ لِأنَّ الصُّعُودَ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى كَمَا تَقدَّمَ.
وفي هَذَا فَضْلُ الصَّدَقَةِ - وَلوْ قَلِيْلًا - فَمنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَصعَدُ إِلَى اللهِ إلَّا الطَّيِّبُ- إلَّا تَقبَّلَها اللهُ بِيَمِينهِ حَتَّى يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِها، كَمَا يُربِّي صَاحِبُها فُلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثلَ الجَبلِ.
هَذَا مِنْ فَضلِهِ ﷾، أنَّ هذِهِ الصَّدَقاتِ القَلِيلَةِ تُربَّى لِأَهْلِها، وُتُنمَّى لِأهْلِها، وَيُعطِي اللهُ لَهُمْ منَ الأُجُورِ إِذَا كَانَتْ مِنْ كَسبٍ طَيِّبٍ خَالِصةً لِوْجهِهِ الكَرِيمِ حَتَّى تَكُونَ جِبَالًا منَ الحَسَناتِ وَالأُجُورِ لِأهْلِها.
وَلِهذَا فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ ﵁ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ
_________________
(١) ورواه مسلم (١٠١٤).
[ ١٣٢ ]
تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (^١). وَأَصلُ حَدِيثِ عَديٍّ ﵁ يَقُولُ فِيهِ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانُ» يَعنِي: وَاسِطةً، التُّرجُمَانُ: الوَاسِطةُ، بَلْ يُكَلِّمُهُ اللهُ كِفَاحًا مِنْ غَيرِ وَاسِطةٍ، «فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (^٢). يَعنِي: مَنْ لَمْ يَجِدْ صَدَقةً فَلْيرُدَّ بِردٍّ طَيِّبٍ، أَغْناكَ اللهُ، أَعْطاكَ اللهُ، وَمَا أَشْبهَ ذلِكَ.
كُنْتُ كَثِيرًا مَا أَذْكرُ حَدِيثَ عَائِشةَ ﵂ الَّذِي رَوَاهُ البُخارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ» - وهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَلِيلٌ، فِيهِ عِظةٌ وَدَلالَةٌ عَلَى فَضْلِ اللهِ ﷾ وَسِعَةِ جُودِهِ - وهُوَ مَا رُوِيَ عَنْها ﵂ أنَّهَا جَاءَتْها سَائِلةٌ - امْرَأةٌ تَسأَلُ - وَمَعهَا ابْنَتانِ، فَلَمْ تَجِدْ فِي البَيتِ إلَّا ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطتْهُنَّ الثَّلَاثَ، فَدفَعَتْ الأُمُّ لِكلِّ وَاحِدةٍ مِنْ بَنَاتِها وَاحِدةً، وَرَفعَتِ الثَّالِثةَ لِتَأكُلَها، فَنَظرَ إِليْهَا ابْنَتاهَا يَطْلُبانِهَا الثَّالِثَةَ؛ فَشقَّتْهَا بَيْنهُمَا وَلمْ تَأكُلْ شَيْئًا؛ فَعَجِبتْ عَائِشةُ ﵂ مِنْ ذلِكَ وَقَالَتْ: لَأذْكُرنَّ شَأْنَها إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلمَّا جَاءَ ذَكَرتْ لَهُ شَأْنَ المَرْأةِ وَابْنَتيْهَا، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجْنَّةَ» (^٣). يَعنِي: بِهذِهِ الرَّحْمَةِ وَهَذَا العَطْفِ، تَمْرةٌ شَقَّتْهَا بَينَ ابْنَتيْهَا رَحْمةً لَهُما وَلمْ تَأكُلْ مِنْها شَيْئًا.
وَفِي هَذَا أيْضًا منَ الدَّلَالةِ عَلَى أنَّ المُسْلِمينَ أَصَابَهُم جَهدٌ فِي المَدِينَةِ، وَمَشقَّةٌ فِي المَدِينَةِ؛ حَتَّى إنَّ عَائِشةَ ﵂ فِي بَعضِ الأَيَّامِ مَا تَجدُ شَيْئًا وَلَا
_________________
(١) رواه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦) (٦٦).
(٢) رواه البخاري (٦٥٣٩)، ومسلم (١٠١٦).
(٣) رواه مسلم (٢٦٣٠) (١٤٨).
[ ١٣٣ ]
تَمْرةً فِي البَيتِ، حَتَّى الضَّيفُ لَا يَجدُ شَيْئًا عِندَهُم، وفِي رِوَايةٍ: «أَنَّها لَمْ تَجِدْ إلَّا تَمْرتَينِ فَدَفَعتْهَا إِلَى المَرأَةِ، فَدفَعتْهَا إِلَى ابْنَتيْهَا» (^١)، وَكَانُوا فِي بَعضِ الأَحْيانِ يَخرُجُ الوَاحِدُ مِنْ بَيْتهِ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ يَطلُبُ الرِّزقَ لَعلَّهُ يَجِدُ شَيْئًا.
وَتَقدَّمَ قِصَّةُ الصِّدِّيقِ وَعُمرَ ﵄ لمَّا لَقِيَا النَّبيَّ ﷺ وَسَأَلَهُما: «مَا أَخْرَجَكُمَا؟». قَالَا: أَخْرجَنَا الجُوعُ. قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَخْرَجَنِي إلَّا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا» (^٢) -وهُوَ الجُوعُ- فَزارُوا أَبَا الهَيْثمِ بْنَ التَّيِّهَانِ الأَنْصارِيَّ ﵁ فِي بُسْتَانِهِ، وهلَّا بِهِمْ وَرَحَّبَ، وقدَّمَ لهُمْ شَيْئًا منَ الرُّطبِ وَالمَاءِ، ثمَّ ذَبحَ لَهُمْ دَاجِنًا … الحَدِيثَ المَعْرُوفَ.
فَهذَا يَدلُّ عَلَى أنَّهُم أَصَابهُمْ شِدَّةٌ؛ فَصَبرُوا وَجَاهدُوا فِي اللهِ، وَاسْتَقَامُوا عَلَى دِينِ اللهِ، ورَفعَ اللهُ بِهِمْ شَأنَ الإِسْلامِ، وَأَغْنَاهُم بَعدَ الفَقرِ، وَصَارُوا رُؤُوسَ النَّاسِ بَعدَ ذلِكَ وَقَادَتَهُم، وَفَتحُوا فُتُوحَاتٍ فِي بِلَادِ اللهِ، وَرَفعُوا رَايَةَ الإِسْلامِ، وَنَصرُوا الحَقَّ بَعدَ العَيْلَةِ وَالفَقرِ.
(الشَّيخُ): رَاجِعِ التَّعْليقَ عَلَى خَالِدِ بْنِ مَخْلدٍ.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٧)]: «قَوْلُهُ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ فِي شَرْحِهِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ …
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ. هُوَ ابْنُ بِلَالٍ الْمَدَنِيُّ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ فِي «الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ» قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ،
_________________
(١) رواه البخاري (١٤١٨)، ومسلم (٢٦٢٩) (١٤٧)، بلفظ: «غير تمرة».
(٢) رواه مسلم (٢٠٣٨) (١٤٠).
[ ١٣٤ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ … فَذَكَرَهُ مِثْلَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ سَوَاءً.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَبَيَّضَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْمُسْتَخْرَجِ» ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ فَقَالَ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ. لَكِنْ خَالَفَ فِي شَيْخِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، كَمَا أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ. وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي «مُسْتَخْرَجَيْهِمَا»، فَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
وَدَلَّتِ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَمُوَافَقَةُ الْجَوْزَقِيِّ لَهَا عَلَى أَنَّ لِخَالِدٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ، كَمَا أَنَّ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيقُ الَّذِي بعده». [انتهى كلامه].
٧٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٣٠).
[ ١٣٥ ]
هذَهِ دَعَوَاتٌ ثُنَائيَّةٌ، دَعَوَاتٌ فِي لَفْظِها الثَّنَاءُ وَالتَّعْظيمُ وَمَعْناهَا الدُّعَاءُ؛ لِأنَّ دُعَاءَ الِعَبادَةِ هُوَ دُعَاءٌ فِي الحَقِيقَةِ، هَذَا مِنْ دُعَاءِ العِبَادةِ؛ لِأنَّهُ ذِكْرٌ مَقُصُودُهُ طَلبُ الفَرَجِ، طَلبُ إِزَالَةِ الشِّدَّةِ، وَإِذَا دَعَا مَعهُ بَعدَ ذلِكَ كَمَا فِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ: «ثَمْ يَدْعُو» أيْ: بَعدَ هَذَا الذِّكرِ، وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ».
هُنَا سَقطَتِ «الأَرضُ»، وفِي الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى «وَرَبُّ الأَرْضِ» فهَذَا دُعَاءٌ عَظِيمٌ، وهُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ وَشَهَادَةٌ بِأَسْمائِهِ وَصِفاتِهِ العَظِيمَةِ، فهُوَ مِنْ أَعْظمِ الدُّعَاءِ؛ لِأنَّهُ تَوسُّلٌ إِليْهِ بِأسْمَائهِ وَصِفَاتِهِ العَظِيمَةِ.
وهُو دُعَاءٌ فِي المَعْنَى -وإِنْ لمْ يَدْعُ- فهُوَ قَالَهَا لِيَطلُبَ إِزَالَةَ الشِّدَّةِ، قَالَها لِيَطلُبَ الفَرَجَ، كَأنْ يُضَايَقَ مِنْ جِهَةِ دَيْنٍ وهُوَ مُعسِرٌ بِهِ، يُضَايَقُ مِنْ جِهةِ قَتلٍ بِغيْرِ حَقٍّ، يُضَايقُ مِنْ جِهةِ أَشْياءَ أُخْرَى فِي دِينِهِ أوْ دُنْياهُ؛ فَيقُولُ هَذَا الكَلَامَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ». ثمَّ يَدعُو مَع هَذَا بِمَا أَحبَّ: اللهُمَّ فرِّجْ كُرْبتِي، اللَّهُمَّ يسِّرْ أَمْرِي، اللَّهُمَّ اقْضِ حَاجَتِي، اللَّهُمَّ اكْفِنِي شرَّ فُلَانٍ، اللَّهُمَّ أَعْطِني كَذَا. يَدعُو بِحَاجتِهِ معَ الذِّكْرِ.
(الشَّيخُ) مَاذَا قَالَ الشَّارِحُ عَليْهِ؟ أوِ العَينِيُّ؟
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١١٩)]: «لَيْسَ هَذَا
[ ١٣٦ ]
بِمُطابِقٍ للتَّرْجَمَةِ، وَمحلُّهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَلَعَلَّ النَّاسِخَ نَقلهُ إِلَى هُنَا. وَسَعِيدٌ: هُوَ ابْنُ أبِي عَرُوبَةَ، وَأَبُو الْعَالِيَةَ رَفِيعٌ. وَقدْ مَرَّ الحَدِيثُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبلَهُ. قَالَ الكِرْمَانِي: هَذَا ذِكْرٌ وَتَهْليلٌ وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ.
قُلتُ: هُوَ مُقَدّمَةُ الدُّعَاءِ، فَأُطلِقَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ ذَلِك، أَوْ الدُّعَاءُ أَيْضًا ذِكرٌ، لَكنَّهُ خَاصٌّ، فَأَطْلقهُ وَأَرَادَ الْعَامَّ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وَالصَّوابُ أنَّهُ دُعاءٌ؛ لِأنَّ الدُّعَاءَ قِسْمانِ: دُعاءُ عِبادَةٍ، وَدُعَاءُ مَسْألَةٍ، فاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمنِي وَنَحو ذلِكَ هَذَا دُعَاءُ مَسْألةٍ، وَلَا إِلهَ إلَّا اللهُ، وَسُبْحانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ، هَذَا يُسمَّى دُعَاءَ عِبَادَةٍ، وَهكَذَا الصَّلَواتُ وَالصَّدَقَاتُ جَمِيعُها دُعَاءٌ؛ لِأنَّهُ يَتَصدَّقُ يُرِيدُ ثَوَابَ اللهِ، وَصلَّى يُرِيدُ ثَوَابَ اللهِ.
فَأَعْمالُ الخَيرِ دُعَاءٌ فِي المَعْنَى، وَالذِّكرُ دُعَاءٌ فِي المَعْنَى؛ لِأنَّهُ إنَّمَا فَعلَ هَذَا يُرِيدُ فَضلَ اللهِ، فهُوَ يَسْألُهُ فِي المَعْنَى، يَسْألُهُ مِنْ فَضلِهِ أنْ يُثِيبَهُ عَلَى هَذَا العَملِ، وَأنْ يُدخِلَهُ الجَنَّةَ، وَأنْ يُجِيرَهُ منَ النَّارِ إِلَى غَيرِ ذلِكَ. فهُوَ ثَنَاءٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ يُرَادُ مِنهُ ثَوابُهُ، وَلِهذَا يُقَالُ لهُ: دُعَاءُ العِبَادَةِ.
وَأمَّا دُعَاءُ المَسْأَلةِ فهُوَ الَّذِي فِيهِ صَرِيحُ السُّؤَالِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي.
وَهذَا أيْضًا - صَرِيحُ السُّؤَالِ - يَتَضمَّنُ دُعَاءَ العِبَادةِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَضمَّنُ وَصفَ رَبِّهِ بِالمَغفِرةِ، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي، وَصَفَ رَبَّهُ بِالرَّحْمَةِ، وهَذَا ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ، فَيكُونُ دُعَاءَ عِبَادةٍ.
[ ١٣٧ ]
وَ«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ»: هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ مِنْ دُعَاءِ عِبَادِهِ يَسْتلْزِمُ كَمَا يَقُولُ بَعضُهُم: دُعَاءَ المَسْألَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذلِكَ المُسْلِمُ يَرجُو ثَوَابَ اللهِ، وَيُريدُ فَضلَهُ ﷾.
٧٤٣٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ - أَوْ أَبِي نُعْمٍ - شَكَّ قَبِيصَةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ.
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: «بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِاليَمَنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَتَغَيَّظَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ فَقَالُوا: يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا. قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَمَنْ يُطِيعُ اللهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلَا تَأْمَنُونِي».
فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ قَتْلَهُ، أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ
[ ١٣٨ ]
ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» (^١).
وَهذَا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ منَ اعْتِراضِ النَّاسِ، إِذَا كَانَ الرَّسُولُ ﷺ لمْ يَسْلَمْ، فَمَنْ يَسْلَمُ بَعَد ذلِكَ؟! فهُوَ اجْتَهدَ ﵊، وقَسَّمَها بَيْنهُم الأَرْبعَةِ لِيتَأَلَّفهُم عَلَى الإِسْلامِ؛ لِأنَّ اللهَ جَعلَ لِلمُؤلَّفةِ حقًّا، المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ جَعلَ لهُمْ حَقًّا فِي بَيتِ المَالِ وفِي الزَّكَاةِ.
وَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ يَتأَلَّفُ رُؤَسَاءَ العَربِ وَشُيوخَهُم وَكِبارَهُم؛ لِأنَّهُم إِذَا هَداهُمُ اللهُ هَدَى اللهُ بِهِمْ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَإِذَا ضَلَّ الرَّئِيسُ تَبِعَهُ قَومُهُ، فَكانَ يَتَألَّفُ الرُّؤَسَاءَ وَالأَعْيَانَ بِالمَالِ ﵊. وَمِنهُم هَؤُلَاءِ الأَرْبعَةِ: «عُيَينَةُ بنُ حِصْنِ بنِ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، وَالأَقْرعُ بنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَلْقمَةُ بنُ عُلَاثَةَ العَامِريُّ، وَزَيدُ الخَيْلِ» ﵃، كُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ رُؤسَاءِ وَكِبارِ العَرَبِ فِي نَجْدٍ؛ وَلِهذَا كَانَ يَتَألَّفُهُم فَاسْتَنكَرَ ذلِكَ مَنِ اسْتَنكَرَ مِنْ قُرَيشٍ وَالأَنْصَارِ حَتَّى أَخْبرَهُم وبَيَّنَ لهُمْ ﷺ أنَّ القَصدَ مِنْ ذلِكَ التَّألِيفُ.
هَكذَا مَا فَعلَ يَومَ حُنَينٍ حِينَ فَعلَ بِالغَنائِمِ مَا فَعلَ مِنْ جِهةِ إِعْطاءِ كَثِيرٍ منَ النَّاسِ عَلَى مَائةٍ منَ الإِبلِ مِنْ غَنَائمَ حُنَينٍ لِيتَألَّفَهُم، وَاسْتَنكَرَ ذلِكَ مَنِ اسْتَنكَرَ؛ بيَّنَ لهُمْ ﷺ أنَّهُ يَتأَلَّفُهُم عَلَى الإِسْلامِ؛ لَعلَّهُم يَسْتقِيمُ لهُمْ إِيمَانُهُم وَتَتْبعُهُم أَقْوامُهُم بِالهِدايَةِ.
_________________
(١) ورواه مسلم (١٠٦٤).
[ ١٣٩ ]
فَاسْتَنكَرَ هَذَا الَّذِي قَامَ وَقَالَ: يَا مُحمَّدُ اعْدِلْ (^١). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: اعْدِلْ فَإنَّكَ لمْ تَعدِلْ (^٢). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ قَالَ: إِنَّ هذِهِ القِسمَةَ لمُ يُرَدْ بِها وَجهُ اللهِ (^٣). كَمَا وَقعَ فِي يَومِ حُنَينٍ. فَقَالَ ﵊: «مَنْ يُطِعِ اللهَ إِذَا عَصَيْتُهُ» (^٤). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ يَعْدِلْ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ». وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أكُنْ أَعْدِلُ» (^٥)، «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» (^٦). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي» (^٧).
المَقْصُودُ: أنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الإِنْسَانَ مَهمَا بَلغَ مِنَ الفَضلِ وَمَهمَا بَلغَ مِنَ العَدَالةِ وَمَهمَا بَلغَ منَ العِلْمِ فَإنَّهُ لَا يَسلَمُ مِنْ شرِّ النَّاسِ وَاعْتِراضِهِم، وَلوْ كَانَ نَبيًّا كَنَبيِّنَا مُحمَّدٍ ﵊.
ثم قَالَ: «يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا». أيْ: مِنْ أَصلِ هَذَا أوْ مِنْ جِنسِ هذَا. «قَوْمٌ» يَخْرجُونَ أيْ: بَعدَهُ ﷺ. «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» وهمُ الخَوارِجُ.
وقدْ وَقعَ ذلِكَ الَّذِي أَخْبرَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ، وَقعَ، فَإنَّهُم خَرجُوا فِي زَمنِ عَليٍّ ﵁، وَحَصَلَ مَا حَصَلَ منَ الفِتْنةِ بِهِمْ وَقَاتَلَهُم عَليٌّ ﵁،
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٣) (١٠٦٣).
(٢) رواه ابن ماجه (١٧٢).
(٣) رواه البخاري (٣٤٠٥)، ومسلم (١٤١) (١٠٦٢).
(٤) رواه النسائي (٤١٠١).
(٥) رواه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٤٢) (١٠٦٣).
(٦) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٤٤) (١٠٦٤).
(٧) رواه البخاري (٧٤٣٢)، ومسم (١٤٣) (١٠٦٤).
[ ١٤٠ ]
وَقَتلَ مِنهُم جَمًّا غَفِيرًا، وَهدَى اللهُ مَنْ هَدَى مِنهُمْ، وَبقِيَ مِنهُم بَقَايَا إِلَى يَومِنَا هَذَا، فِي كلِّ زَمَانٍ وفِي كلِّ عَصرٍ إِلَى زَمانِنَا هَذَا مَوجُودُونَ، مِنهُمْ طَوائِفُ فِي الجَزائِرِ وفِي لِيبْيَا وفِي عُمَانَ لهُمْ بَقايَا، وَبعْضُهُم تَنازَلَ عَنِ التَّكْفيرِ -تَكْفيرِ العُصَاةِ- وَلَا يُصِرُّ فِي تَكْفيرِ العُصَاةِ، وَلكِنَّهُ يَرَى أنَّ العَاصِيَ مُخلَّدٌ فِي النَّارِ، وَأنَّهُ مَع الكَفرَةِ، عَلَى طَرِيقَةِ الخَوارِجِ الأَوَائلِ، نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.
أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، مُنَاسبَةُ الحَدِيثِ لِلتَّرجَمةِ؟
المُنَاسَبةُ قَولُهُ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ». يَعنِي: اللهَ ﷾، وهُوَ فِي السَّمَاءِ، وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» يَعنِي: العُلُوَّ.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٨)]: «قَوْلُهُ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَغَازِي: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ». وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ».
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: قَولُهُ: «فِي السَّمَاءِ»، وَكَونُهُ يَأمَنهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ كَذلِكَ يُشِيرُ إِلَى هَذَا، يَأمَنُهُ عَلَى أَهْلِ الأَرضِ، يَعنِي: وهُوَ فِي السَّمَاءِ ﷾.
[قَالَ الحَافِظُ ﵀]: «لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي إِدْخَالِ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ لِلَفْظَةٍ تَكُونُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ هِيَ الْمُنَاسِبَةُ لِذَلِكَ الْبَابِ، يُشِيرُ إِلَيْهَا وَيُرِيدُ بِذَلِكَ شَحْذَ الْأَذْهَانِ، وَالْبَعْثَ عَلَى كَثْرَةِ الِاسْتِحْضَارِ، وَقَدْ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الضُّبَعِيِّ قَالَ: الْعَرَبُ تَضَعُ «فِي» مَوْضِعَ «عَلَى» كَقَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، وَقَولِهِ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] فَكَذَلِك قَوْلُهُ: «مَنْ فِي السَّمَاء» أَيْ: عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ كَمَا صَحَّتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ».
[ ١٤١ ]
[انتهى كلامه].
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٢١)]: «قَوْلُهُ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ» أَيْ: مِنْ أَصْلِ هَذَا الرَّجُلِ، وَهُوَ بِكَسْر الضَّادَينِ المُعْجمَتينِ وَسُكُونِ الْهَمزَةِ الأُولَى، «قَوْمًا» وَيُرْوى: «قَومٌ» فَإمَّا أَنَّهُ كُتِبَ عَلَى اللُّغَةِ الرَّبِيعِيَّةِ، فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوبَ بِدُونِ الْألفِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي «إِنَّ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: الرَّبِيعِيَّةَ نِسبَةً إِلَى رَبِيعَةَ، رَبِيعَةُ يَقِفُونَ بِالسُّكُونِ يَقُولُونَ: (رَأَيتُ زَيدْ) مَا يَقُولُونَ: (رَأيْتُ زَيدًا)، (رَأَيتُ زَيدْ) (رَأَيتُ عَامِرْ).
وَأمَّا المُضَريَّةُ فَيقِفُونَ بِالأَلفِ: (رَأَيتُ عَامِرًا) المَنْصوبُ المُنَوَّنُ يُوقَفُ عَليْهِ بِالأَلِفِ، هَذَا الأَفْصَحُ: (رَأَيتُ زَيدًا) (رَأَيتُ عَامِرًا) فـ ﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] هَذَا الأَفْصَحُ، الوُقُوفُ عَلَى المَنْصوبِ بِالأَلفِ مُنوِّنًا، ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥]، لُغةُ قُرَيشٍ المُضَريَّةُ، وَتَقرَأُ رَبِيعةُ: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِر﴾ [مريم: ٥]، بِدُونِ ذِكرِ الأَلِفِ عِنْدَ الوَقفِ.
٧٤٣٣ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (١٥٩).
[ ١٤٢ ]
كَمَا فِي الرِّوايَةِ الثَّانِيةِ: «تَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ»، وَازَنتِ العَرشَ فِي سَيْرِها تَحتَ الأَرضِ وَسَجدَتْ، سُجُودًا يَلِيقُ بِهَا، اللهُ أَعلَمُ بِكَيْفيَّتهِ، وَالأَصلُ فِي هَذَا السُّجُودِ لِلشَّجَرِ وَالحَجَرِ خُضُوعٌ خَاصٌّ، اللهُ أَعلَمُ بِكيْفيَّتِهِ ﷾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]، وهَكَذا تَسْبِيحُها شَيءٌ يَلِيقُ بِهَا.
قَولُهُ: تَحتَ العَرْشِ؟
يَعنِي: حِذاءَهُ، تَحتَ العَرشِ يَعنِي: حِذاءَهُ.
يَعنِي: فِي الوَسَطِ؟
إِذَا صَارَتْ وَتَوسَّطتْ فِي السَّيرِ.
كُلُّ شَيءٍ تَحتَ العَرشِ؟ المَخْلوقَاتُ كُلُّها؟
هُوَ سَقفُ المَخْلوقَاتِ، لَكِنِ المَقْصودُ وَاللهُ أَعْلمُ: تَوسَّطتْ يَعنِي.
الوَعدُ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ …» إلخ، يَعُمُّ الفَرِيضَةَ وَالنَّافِلةَ؟
الظَّاهِرُ أنَّهُ يَعمُّ، الحَدِيثُ يَعمُّ الجَمِيعَ.
* * *
[ ١٤٣ ]