وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]، وَقَولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
ذكر هذه الآية بعد الآيتين للتنبيه على ان اتخاذ الأنداد هو الشرك، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] هذا هو الشرك، فمن اتخذ الند هو اتخاذ معبود مع الله، يقال فلان: أي نديده ونظيره.
فمن عبد المخلوق مع الله بتن دعاه أو أعتقد فيه أنه يصلح للعبادة فقد اتخذ ندًّا لله، وهذا هو الشرك الذي قال الله فيه ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وَ﴿مَنْ
[ ٣٤٠ ]
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ «فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ».
وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ بِهِ [الحجر: ٨]: «يَعْنِي: بِالرِّسَالَةِ وَالعَذَابِ» ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]: «المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ»، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]: «عِنْدَنَا»، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]: «القُرْآنُ» ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]: «المُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ».
قَولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]: ذَكَرَ هَذِه الآيَةَ بعدَ الآيَتَينِ للتَّنبِيهِ على أنَّ اتِّخَاذَ الأَندَادِ هو الشِّركُ، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، هَذَا هو الشِّركُ، فمِنِ اتِّخَاذِ النِّدِّ هو اتِّخَاذُ مَعبُودٍ مع اللهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ نِدُّ فُلَانٍ: أي نَدِيدُهُ ونَظِيرُهُ، فمَنْ عَبدَ المَخلُوقَ مع اللهِ بأنْ دَعَاهُ أو اعْتَقدَ فيه أَنَّه يَصلُحُ لِلعِبَادةِ فقد اتَّخَذَ نِدًّا للهِ، وهَذَا هو الشِّركُ الَّذي قَالَ اللهُ فيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وهَذَا الذي عن عِكرمَةَ هو مَعنَى ما جَاءَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ وهو تَلَقَّاهُ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] هَذَا إِيمَانُهُم تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وشِركُهُم دَعوَتُهُم الأَندَادَ مع اللهِ واتِّخَاذُهُمُ الأَندَادَ، فهم يُؤْمِنُونَ مِنْ جَانِبٍ ويَكفُرُونَ مِنْ جَانِبٍ، وشِركُهُم الذي وَقَعُوا فيه أَبطَلَ إِيَمانَهُم، فإنَّ الإِيمَانَ ما يَلتَئِمُ ولا يَصِحُّ مع الشِّركِ، فَأَحَدُهمَّا يُضَادُّ الآخَرَ.
فَإيمَانُهُم الذي نَطَقُوا به وهو اعْتِقَادُهُم أنَّ اللهَ رَبَّهُم، وقَولُهُم: رَبُّنَا اللهُ، هَذَا صَحِيحٌ أَنَّه يُسمَّى إِيمَانًا، لكن إذا سَلِمَ مِنْ الضِّدِّ، إذا جَاءَ الضِّدُّ أَبطَلَهُ، فإذا أَشرَكَ العَبدُ بِاللهِ بَطَلَ إِيمَانُهُ وصَارَ إِيمَانُهُ لَاغيًا لا وُجُودَ له ولا يَنفَعُهُ، كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]، وأَعظَمُ العَملِ الإِيمَانُ يَحبَطُ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
فهَذَا حَالُ الْمُشرِكِينَ عُبَّادُ الأَصنَامِ والأَوثَانِ والأَموَاتِ والكَواكِبِ،
[ ٣٤١ ]
يَقُولُونَ: اللهُ رَبُّنَا وخَالِقُنَا ورَازِقُنَا، وهم مع هَذَا يَعبُدُونَ الأَصنَامَ والأَوثَانَ، ويَدعُونَها مع اللهِ ويَسجُدُونَ لها، ويَستَغِيثُونَ بها ويُعَظِّمُونَ أَمرَهَا ويُقَاتِلُونَ دُونَها؛ فَصَارَ هَذَا الشِّركُ الذي وَقَعُوا فيه وعَظَّمُوه وقَاتَلُوا مِنْ أَجلِهِ مُحبِطًا ومُبْطِلًا لِمَا ادَّعُوهُ مِنْ الإِيمَانِ.
في هَذَا دَلَالَةٌ على اجْتِمَاعِ الشِّركِ الأَصغَرِ مع التَّوحِيدِ والإِيمَانِ؟
لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لأنَّ هَذَا في الكُفَّارِ الْمُشرِكِينَ، أمَّا الإِيمَانُ الذي مع أَهْلِ الشِّركِ الأَصغَرِ فهو إِيمَانٌ صَحِيحٌ لَيْسَ من جِنسِ هَذَا، إِيمَانٌ صَحِيحٌ لَكنَّهُ ضَعِيفٌ، أَضَعَفَهُ الشِّركُ الأَصغَرُ والمَعَاصِي، فَإِيمَانُ العُصَاةِ وإِيمَانُ مَنْ تَعَاطَى الشِّركَ الأَصغَرَ كَالرِّياءِ، لَيْسَ مِثلَ إِيمَانِ الكُفَّارِ الَّذِينَ أَحبَطُوهُ بِشرِكِهِم الأَكبَرِ، فَذَاكَ إِيمَانٌ قَارَنَهُ ما أَبطَلَهُ، وهَذَا إِيمَانٌ لم يَبطُلْ، ولكِنَّهُ قَارَنَهُ ما يُضعِفُهُ.
حُذَيفَةُ ﵁ لَمَّا رَأَى الخَيطَ قَطَعَهُ وتَلا هَذِه الآيَةَ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]؟
هَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ من حَيثُ المَعنَى؛ لأنَّ أَعظَمَ ذَلكَ ما عليه المُشرِكُونَ الأَوَّلُونَ قد يَدخُلُ في المَعنَى مِنْ حَيثُ جِنسُ الشِّركِ؛ لأنَّ الآيَاتِ التي نَزَلَت في الأَكبَرِ يُحتَجُّ بها على الأَصغَرِ، يَعُمُّ اسمَ الشِّركِ، ولِتَحرِيمِ النَّوعَينِ جميعًا مِثلمَا فَسَّرَهُ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] بِأنوَاعٍ منَ الشِّركِ الأَصغَرِ لِلعُمُومِ، لكن هَذِه الآيَةُ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، أَظهَرُ في إِبطَالِ إِيمَانِهِم؛ للدَّلَالَةِ على أنَّ إِيمَانَهُم هَذَا لا يَنفَعُهُم، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
* * *
[ ٣٤٢ ]
٧٥٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» (^١).
وفي هَذَا الحَدِيثِ جَمعٌ بين الشِّركِ والمَعصِيَةِ؛ لِأَنَّهَا ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ، لكن أَعظَمُهَا الشِّركُ الأَكبَرُ؛ أَعظَمُهَا الشِّركُ؛ لِأنَّه ضِدُّ التَّوحِيدِ الذي بَعثَ اللهُ به الرُّسُلَ، وأَنزلَ به الكُتُبَ، وخَلقَ مِنْ أَجلِهِ الثَّقَلَينِ، فَالشِّركُ هَضمٌ للرُّبُوبِيَّةِ وعَدَمُ إِيمَانِهِم بها على الحَقِيقةِ وتَنَقُّصٌ لِلإِلَهيةِ، وسُوءُ ظَنٍّ بِاللهِ ﷾ وكُفرٌ به.
_________________
(١) ورواه مسلم (٨٦).
[ ٣٤٣ ]
وهو أَعظَمُ الذُّنُوبِ وأَخطَرُهَا، وليسَ مع صَاحِبِهِ مَغفِرةٌ ولا رَجَاءٌ في دُخُولِ الجَنَّةِ، بل هو آيسٌ مِنْ رَحمَةِ اللهِ ومن مَغفِرَتِهِ ما لم يَتَبْ، بِخِلَافِ الْمَعَاصِي؛ فإنَّهَا وإن كَانَتْ عَظِيمَةً وإن كَانَتْ خَطِيرَةً وإن كَانَ صَاحِبُهَا على شَفَا جُرُفٍ لكنَّهَا لَيْسَتْ من جِنسِ الكُفرِ بالله ﷿، بَلْ هي دُونَهُ.
ولذَلكَ من مَاتَ عليه لا يُخَلَّدُ في النَّارِ إن دَخَلَهَا، وإنما يُعَذَّبُ إذا شَاءَ اللهُ تَعذِيبَهُ على قَدرِ مَعَاصِيهِ، وقد يَعفُو اللهُ عنه لِأسبَابٍ اقْتَضَت ذَلكَ، أمَّا الْمُشركُ فلا حِيلَةَ فيه، من مَاتَ على الشِّركِ الأَكبَرِ فَالنَّارُ أَولَى به أَبدَ الآبَادِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
والآيَةُ الكَرِيمَةُ ذَكَرَ فيها سُبحَانَهُ القَتلَ والزِّنَا قَرينَي الشَّركِ (^١)، والحَدِيثُ ذَكرَ قَتلَ الوَلَدِ والزِّنَا بِحَلِيلَةِ الجَارِ، فَالحَدِيثُ نبَّهَ على أَقبَحِ أَنْواَعِ القَتلِ، وأَقبَحِ أَنوَاعِ الزِّنَا، وَأنَّه أَلصَقُ بِالآيَةِ بِكَونِهِ يَلِي الشِّركَ -نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ- لِأنَّه إذا قَتلَ وَلَدَه جَمَعَ بين قَتلِ النَّفسِ بِغَيرِ الحَقِّ وبَين قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وإذا زَنَا بِحَلِيلَةِ الجَارِ جَمَعَ بينَ شَرَّينِ، بين الزِّنَا وبينَ إِيذَاءِ الجَارِ وإِفسَادِ زَوجَتِهِ عليه.
وصَارَ هَذَانِ النَّوعَانِ أَخطَرَ أَنْوَاعِ الزِّنَا والقَتلِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ، وكُلُّ أَنوَاعِ الزِّنَا شَرٌّ، وكُلُّ أَنوَاعِ القِتلِ بِغَيرِ حَقٍّ شَرٌّ، لكن إذا كَانَ القَتلُ للقَرِيبِ أو للوَلَدِ أو الوَالِدِ أو الأَخِ صَارَ أَقبَحَ، وهَكَذَا إذا كَانَ الزِّنَا بِزَوجَةِ الجَارِ، أو الْمحْرمِ صَارَ أَقبَحَ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
* * *
_________________
(١) يقصد سماحته قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]
[ ٣٤٤ ]