وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ».
وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، يُقَالُ: ﴿يُتْلَى﴾ [النساء: ١٢٧]: يُقْرَأُ، حَسَنُ التِّلَاوَةِ: حَسَنُ القِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ.
﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩]: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالقُرْآنِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا المُوقِنُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ: الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ عَمَلًا.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِبِلَالٍ: «أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ»، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ إِلَّا صَلَّيْتُ (^١).
وَسُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الجِهَادُ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ».
قوله: وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ»: سمَّاه عَملًا، سمَّى تِلَاوَتَهُم وعَمَلَهُم بما فيهِ عَمَلًا. والمَتلُو غَيرُ الفِعلِ، التِّلَاوَةُ فِعلُ العَبدِ، والْمَتلُو كَلَامُ الرَّبِّ.
وقوله: «وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: …» إلى آخره: يَعْنِي: يُقَالُ هَذَا وهَذَا، يُقَالُ: يَتلُوهُ تِلَاوَةً يَعْنِي قَرأَهُ، يُقَالُ: حَسنُ التِّلَاوَةِ حَسنُ القِرَاءَةِ، ويُقَالُ: تَلَاهُ بِمَعنَى عَملَ به واتَّبَعَهُ، وفي الحَدِيثِ: «لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ» (^٢)، ما فَهمْتَ الحَقَّ ولا اهْتَدَيتَ إلى الحَقِّ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٤٥٨).
(٢) رواه البخاري (١٣٣٨).
[ ٣٧٥ ]
[البقرة: ١٢١] يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ الاتِّبَاعِ، فلو تَلَوَه أَحسنَ التِّلَاوَةِ ولم يَتَّبِعُوه لَهَلَكُوا.
(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ «لا يَمَسُّه أي لا يَجِدُ طَعمَهُ»، تَعَرَّضَ له أو ما تَعَرَّضَ له؟ أو العَينِيُّ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠٩)]: «قَوْلُهُ: لَا يَمَسُّهُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُوقِنُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: الْمُؤْمِنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وَحَاصِلُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَى لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ: لَا يَجِدَ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ، فَهُوَ الْمُطَهَّرُ مِنَ الْكُفْرِ وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُ مِنَ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ، لَا الْغَافِلُ عَنْهُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ فَيَكُونُ كَالْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ مَا لَا يَدْرِيهِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا لَتَنبِيهِ الآيَاتِ، وقَول جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ والْمَشهُورُ: ﴿لا يمسه﴾ أي: لا يَحمِلُهُ ويَمسُّهُ بِيدِه: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (﴾ [الواقعة: ٧٩] مِنْ
[ ٣٧٦ ]
الأَحدَاثِ، وأَمَّا حَملُهُ على: لا يَجِد طَعمَهُ ولا يَذُوقُ طَعمَهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الكُفرِ فهَذَا مَعنًى أَعظَمُ وأَكمَلُ، لكن هل هَذَا المُرَادُ؟ أو هَذَا مِنَ التَّنبِيهِ؟
يُقالُ هَذَا من تَنبِيهِ النَّصِّ ومِن بَابِ أَولَى ومِن فَحوَاهُ؛ لِأنَّه إذا كَانَ لا يَمَسُّهُ في الدُّنيَا الْمَسَّ الحِسيَّ إلا الْمُطَهَّرُ مِنَ الأَحدَاثِ فمِن بَابِ أَولَى لا يَذُوقُ طَعمَهُ ولا يَنتِفِعُ به ولا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ على الحَقِيقَةِ إلا الْمُؤمِنُ الْمُطَهَّرُ مِنْ الكُفرِ.
هَذَا مَرجُوحٌ؟ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]؟
لا، مُرَادُ الْمُؤلِّفِ التَّنبِيهُ، يَعْنِي: الْمَسّ الحَقيقِيّ ما يَحصُلُ إلا للمُؤمِنِ وهو ذَاقَ طَعمَهُ، وأما ذَاكَ المَعنَى الأَظهَرُ المْشهُورُ عنِ السَّلفِ، لا بُدَّ مِنْ الطَّهُورِ عند مَسِّ القُرآنِ. لكن هَذَا مِنْ بَابِ التَّنبِيهِ ومِن بَابِ الفَحوَى ومِن بَابِ أَولَى يَعْنِي.
وقوله: «وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ عَمَلًا»:
[ ٣٧٧ ]
سَمَّى تَطَهُّرَهُ للصَّلَاةِ عَمَلًا، وهَذَا أَمَرُ مَعلُومٌ بِإِجمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، بِإجمَاعِ العُقَلَاءِ، أنَّ أَفعَالَ العَبدِ تُنَسبُ إليه؛ لِأَنَّهَا عَمَلُهُ: طَهَارَتُهُ عَملٌ وصَلَاتُهُ عَملٌ، وصِيَامُهُ عَملٌ، أَمرُهُ بِالمَعرُوفِ إلى غَيرِ ذَلكَ، فَالعَبدُ تُنسَبُ إِليهِ أَعمَالُهُ ويُجَازَى على خَيرِهَا ويَستَحِقُّ العِقَابَ على شَرِّهَا.
وفي هَذَا الدَّلَالَةُ على أَفضَلِيَّةِ التَّطَهُّرِ بعد الحَدَثِ وصَلَاةِ رَكعَتَينِ، وأنها عَملٌ صَالِحٌ: سُنَّةُ الوُضُوءُ.
وأَعمَالُ القُلُوبِ أَصلَحُ اللهُ عَمَلَكَ تُعتَبرُ عَمَلًا؟
نعم بِإِجمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، مِثلُ الْمَحَبةِ، والشَّوقِ إلى لِقَاءِ اللهِ، والخَوفِ والرَّجَاءِ، هَذِه أَعمَالُ القُلوبِ والإِخلَاصُ، هَذِه أَعظَمُ الأَعمَالِ، أَعظَمُ الأَعمَالِ مِنْ حيث الأَجرِ والثَّوَابِ؛ لِأَنَّهَا هي الأَسَاسُ.
٧٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتِ العَصْرُ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ القُرْآنَ، فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابِ: هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا.
[ ٣٧٨ ]
قَالَ اللَّهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
هَذَا حظُّ هَذِه الأُمَّةِ ما بَينَ صَلَاةِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، والَبِقيَّةُ قد مَضَت قد مَضَى قَبلَنَا.
وهَذَا فَضلُ اللهِ أن هَذِه الأُمَّةَ ضُوعِفَ لها الأَجرُ مع قِلَّةِ العَملِ، وهَذَا مِنْ فَضلِهِ ﷾ وجُودِهِ وكَرَمِهِ؛ ولَعلَّ ذَلكَ لِأَسبَابٍ: أَنَّها آخِرُ الأُمَمِ، ونَبِيُّهَا ﷺ آخِرُ الرُّسُلِ، وأنها تُلَاقِي من الصُّعُوبَاتِ والْمَتَاعبِ في قِيَامِهَا بِأَمرِ اللهِ وصَبرِهَا على طَاعَةِ اللهِ ما لَيْسَ لِغَيرِهَا، بِخِلَافِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ، كُلَّمَا مَضَى نَبيٌّ جَاءَ نَبيٌّ يُذَكِّرُهُم ويَأمُرُهُم ويَنهَاهُم ويُثَبِّتُهُم، أما هَذِه الأُمَّةُ فليس لها إلا نَبيٌّ وَاحِدٌ، قد مَضَى ﵊، وهو خَاتَمُ الأَنبِيَاءِ، وبَقِيَ عليها أن تُصَابِرَ وتُجَاهِدَ وتَأخُذَ بما جَاءَ به، وتُمسِكَ به، وتَبتَعِدَ عمَّا يَدعُو إِلَيه أَهْلُ الضَّلَالَةِ، وهَذَا يَحتَاجُ إلى صَبرٍ عَظِيمٍ وثَبَاتٍ وقُوَّةٍ، فمِن رَحمَةِ اللهِ أن ضَاعفَ لها الأَجرَ.
عَفَا اللهُ عنكَ يا شَيخُ، ما يُؤخَذُ من الحَدِيثِ قِصرُ أَعمَارِ هَذِه الأُمَّةِ مِنْ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ؟
مَحَلُّ نَظرٍ، الْمَقصُودُ أنَّ مُدَّتَهَا أَقَلُّ مِمَّا مَضَى، البَاقِي من الْمُدَّةِ قَليلٌ، هَذَا الْمُرَادُ، أمَّا قِصرُ الأَعمَارِ مَأخُوذَةٌ من أَدِلَّةٍ أُخرَى.
[ ٣٧٩ ]
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، هل تَعنِي: بَقَاءُ الأُمَّةِ في ثُلُثِ الدُّنيَا؟
أَقلُّ، يَمكِنُ حَملُهُ على الرُّبُعِ أو الخُمُسِ ما بين صَلَاةِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ بِالنِّسبَةِ إلى ما مَضَى مِنْ الدُّنيَا.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ يا شَيخُ مِنْ الأُمَّةِ اليَهُودُ والنَّصَارَى؟
الأُمَّةُ الْمُستَجِيبَةُ، الْمُطِيعُ لِلرَّسُولِ ﷺ يُقَالُ لها: أُمَّةُ الإِجَابةِ، وأمَّا ذَاك يُقَالُ لها: أُمَّةُ الدَّعوَةِ، الكُفَّارُ والنَّصَارَى واليَهُودُ والْمُشرِكِينَ يقالُ لهُم: أُمَّةُ الدَّعوَةِ، وأمَّا الْمُرَادُ بالَّذِينَ أَعطَاهُم اللهُ مُضَاعفَةَ الأَجرِ مَعنَاهُ همُ الْمُستَجِيبُونَ الَّذِينَ أَجَابُوا الرَّسُولَ واتَّبَعُوهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيه وسَلِّمْ.
بِالنِّسبَةِ لِلَّيلِ والنَّهَارِ أو نِصفِ النَّهَارِ؟
عَامٌّ، عَامٌّ.
* * *
[ ٣٨٠ ]