بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وَ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] «وَأَنَّ حَدَثَهُ لَا يُشْبِهُ حَدَثَ المَخْلُوقِينَ»، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ».
والمَعنَى: أن حَدَثَهُ لَيْسَ عن جَهْلٍ ولا عن تَغَيُّرِ عِلْمٍ، ولكنَّهُ له الحِكْمَةُ البَالِغَةُ في تَعجِيلِ هَذَا وتَأجِيلِ هَذَا، وشَرعِ هَذَا قَبلَ هَذَا، والتَّخفِيفِ في هَذَا والزِّيَادةِ في هَذَا أو العَكسِ، له الحِكمَةُ البَالِغَةُ في ذَلكَ.
بِخِلَافِ الْمَخلُوقِ فإنه قد يَغِيبُ عنه الشَّيءُ ويِجهَلُهُ ثم يَعلَمُه، وقد يَبدُو له ظُهُورُ شَيءٍ ثم يَتَغَيرُ حَالُهُ ويَتَغَيَّرُ فِقهُهُ فيه وعِلمُهُ به.
أما هو سُبحَانَهُ فلا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ، وكُلُّ شِيءٍ عنده مَعلُومٌ، ولكنَّهُ له الحِكمَةُ البَالِغَةُ في تَقدِيمِ هَذَا وتَأخِيرِ هَذَا وتَخفِيفِ هَذَا وتَشدِيدِ هَذَا، والعَكْسُ في ذَلكَ، هو الحَكِيمُ العَلِيمُ جل وعلا.
[ ٣٤٨ ]
فَالحَدَثُ الذي يَقعُ هو الأَمرُ بِالشَّيءِ أو شَرعُهُ بعد أنْ لم يَكنْ شَرَعَهُ، والتَّجدِيدُ بِالشَّيءِ بِالأَمرِ به بعدَ أنْ لم يَكُنْ أَمرَ به، أو إِنزَالُهُ بعدَ أنْ لم يَكُنْ أنَزَلَهُ.
والْمُحدَثُ: الجَدِيدُ لَيْسَ سَابِقًا: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] لَيْسَ الْمُرادُ به الحَدثَ الذي هو المَخلُوقُ، وإِنَّما الشّيءُ الذي جَاءَ بعد أن لم يَأتِ، الجَدِيدُ.
وقَولُهُ: «يُحدِثُ مِنْ أَمرِهِ ما يَشَاءُ». مِنَ الشَّرَائِعِ، شَرعَ الصَّلَاةَ بعد أنْ لم يَشرَعْهَا، الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، شَرعَ تَحرِيمَ الخَمرِ بعدمَا كَانَ مُستَعمَلًا بينَهُم، شَرعَ الزَّكَاةَ وأَنصِبَتَهَا وتَفصِيلَهَا بعد أن لم يكُن شَرعَها، وهَكَذَا، كُلُّ شَيءٍ جَاءَ في وَقتِهِ لِحِكمَةٍ بَالِغَةٍ، فهو جَدِيدٌ بِالنِّسبَةِ إلى الْمَخلُوقِينَ وهو عندَه مَعلُومٌ ﷾، لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ.
بِخِلَافِ حَدَثِ الْمَخلُوقِ، هَذَا شَيءٌ آخَرُ، الْمَخلُوقُونَ كُلُّهُم مُحدَثُونَ مَخلُوقُونَ مَربُوبُونَ، هَكَذَا السَّمَاءُ هَكَذَا الأَرضُ، أَحدَثَها بِمَعنَى خَلَقَهَا وأَوجَدَهَا، لكنَّ الحَدَثَ في الشَّرَائِعِ وفي المُنزَّلِ مِنَ القُرآنِ والكُتُبِ لَيْسَ مَعنَاهُ الحَدَثَ الذي يُصَارُ به السَّمَاءُ أو الأَرضُ أو الجِبَالُ أو البِحَارُ؛ فذاكَ إِحدَاثُ مَخلُوقٍ، وهَذَا إِحدَاثُ وَصفٍ وُصِفَ به جل وعلا لم يَتَقَدَّم به إلى الْمَخلُوقِينَ ثم تَقَدَّمَ به سُبحَانَهُ مِنْ إِنزَالِ القُرآنِ، إِنزَالِ التَّورَاةِ، إِنزَالِ الإِنْجِيلِ، إِنزَالِ الشَّرائِعِ التي نَوَّعَهَا ﷾.
أَحَدثَ في الصَّلَاةِ أَلَّا يَتَكَلَّموا، وكانوا قَبلَ ذَلكَ يَتَكَلَّمُونَ في حَاجَاتِهِم كَرَدِّ السَّلَامِ والأَمرِ بِالحَاجَةِ، ثم نَسَخَ اللهُ ذَلكَ وأَمرَ بِالخُشُوعِ في الصَّلَاةِ والسُّكُوتِ فيها وعَدمِ الكَلَامِ.
[ ٣٤٩ ]
٧٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ، وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، أَقْرَبُ الكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ».
مَعنَى «مَحضًا» يَعْنِي: خَالِصًا، لَيْسَ فيه تَحرِيفٌ ولا إِدخَالُ شَيءٍ لَيْسَ منه، بِخِلَافِ كُتُبِ المَاضِينَ؛ فقد حَرَّفُوا وغَيَّرُوا وأَدخَلُوا فيها ما لَيْسَ منْهَا، أمَّا هَذَا الكِتَابُ فقد حَفِظَهُ اللهُ مِنْ التَّغييرِ والتَّبدِيلِ، والزِّيَادَةِ والنَّقصِ، وهو أَحدَثُ الكُتُبِ، هي أَقرَبُهَا إلى اللهِ وآخِرُهَا وأَفضَلُهَا وأَعظَمُها، ولا يَلِيقُ بِأُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ أن يَحتَاجُوا إلى كُتُبِ التَّورَاةِ والإِنجِيلِ وكُتُبِ الأَوَائلِ، وقد أَغنَاهُمُ اللهُ بهَذَا في دِينِهِمْ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] يَشمَلُ السُّنَّةَ أو مُقتَصِرٌ على القُرآنِ؟
عَامٌّ يَشمَلُ السُّنَّةَ والقُرآنَ لا شَكَّ، كذَلكَ يَشمَلُ ما يَأتِي يَومَ القِيَامةِ مِنْ مُحَدَثٍ أَيضًا «هل رَضِيتُمْ يِا أَهْلَ الجَنَّةِ هل رَضِيتُمْ» (^١)، وقولُهُ لآدَمَ ﵇: «أَخرِجْ بَعثَ النَّارِ» (^٢)، وما أَشبَه ذَلكَ، يَعُمُّ السُّنَّةَ، السُّنَّةُ وَحِيٌ مِنْ اللهِ، وَحِيٌ ثانٍ.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩) (٩).
(٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢) (٣٧٩).
[ ٣٥٠ ]
٧٥٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ (^١)، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلَا وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ».
والشَّاهِدُ: قَولُهُ: «هو أَحدَثُ الكُتُبِ»، وأن الحَادِثَ لا يَلزَمُ المَخلُوقَ، فهو أَحدَثُ الكُتُبِ يَعْنِي: أَقرَبُهَا إلى اللهِ، جَدِيدٌ يَعْنِي، بعدَ التَّورَاةِ والإِنْجِيلِ، وأَقرَبُهَا وأَعظَمُهَا وأَفضَلُهَا وأَحكَمُهَا.
ما حُكمُ قِرَاءةِ التَّورَاةِ والإِنجِيلِ لِلرَّدِّ على أَصحَابِهِما؟
إذا دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذَلكَ عند أَهْلِ العِلْمِ لا بَأْسَ، كما أن النَّبيَّ ﷺ أَتَى بِالتَّورَاةِ وأَمَرَ بِتِلَاوتِهَا لِلرَّدِّ عَلَيهِم بِإِنكَارِهِمُ الرَّجمَ، إذا كَانَ لِمَقصَدٍ صَالِحٍ وبَيانِ بَاطِلِهِم وبَيَانِ تَزيِيفِهِم وخِدَاعِهِم ومَكرِهِم مِنْ أَهْلِ العِلْمِ
_________________
(١) كذا في «الفتح» و«عمدة القارئ»، وفي نسخة شعيب الأرنؤوط زيادة: «الكُتُبَ».
[ ٣٥١ ]
والبَصِيرَةِ الَّذِينَ لهم قَدَمُ صِدقٍ ولهم بَصِيرةٌ وعِلمٌ، مِثلمَا فَعلَ السَّلَفُ، ومثلمَا فَعلَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ، وابنُ القَيِّمِ وغَيرُهُم مِمن قَبلَهُم مِنَ الأَئمَةِ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيهِم من كُتُبِهِم ﵏.
ومُنَاظَرَتُهم أَحسَنَ اللهُ إِليكَ؟
كذَلكَ، إذا كَانَ من عَالمٍ بَصِيرٍ بِدِينِهِ، ويَرجُو فيها الخَيرَ ويَرجُو فيها الْمَصلَحَةَ لِلمُسلِمِينَ أو يَرجُو هِدَايَتَهُم.
* * *
[ ٣٥٢ ]