وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَنْزِلُ (^١) عَلَيْهِ الوَحْيُ وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي (^٢) وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ».
٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا - فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]. قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨]. قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ» (^٣).
_________________
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «يُنْزَلُ».
(٢) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «حَيْثُمَا ذَكَرَنِي».
(٣) ورواه مسلم (٤٤٨).
[ ٣٥٣ ]
يُبَيِّنُ الْمُؤلِّفُ ﵀ في البَابِ وما قَبلَهُ وما بَعدَه أنَّ أَفعَالَ الْمَخلُوقِينَ وَصفٌ لهم، وأنَّ فِعلَ اللهِ وصفٌ له ﷾: تَحرِيكُ النَّبيِّ ﷺ لِسَانَهُ وقِرَاءَةُ النَّبيِّ وغَيرُ ذَلكَ هَذِه مِنْ أَفعَالِهِ، والْمَقرُوءُ هو كَلَامُ اللهِ ﷿، واللهُ سُبحَانَهُ هو الخَلَّاقُ، هو الرَّزَّاقُ، وهو الْمُحِيي، وهو الْمُمِيتُ، وهو الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ﷾، وكَلَامُهُ صِفةٌ من صِفَاتِهِ، كما أَنَّه الخَلَّاقُ والرَّزَّاقُ والْمُحِيي والْمُمِيتُ وكُلُّ ذَلكَ صِفةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فهَكَذَا كَلَامُهُ بِالقُرآنِ وكَلَامهُ بِغيرِ القُرآنِ كُل ذَلكَ صِفةٌ من صِفَاتِهِ، تَلِيقُ بِاللهِ لا يُشَابِهُهُ فيها خَلقُهُ جل وعلا، كما قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
أمَّا الْمَخلُوقُ فله أَفعَالٌ وله كَلَامٌ لَائقٌ به، يَعتَرِيهِ النَّقصُ والفَنَاءُ والْمَرضُ وغَيرُ ذَلكَ.
فَصِفَاتُ الْمَخلوُقِينَ تَلِيقُ بهم وتُنَاسبُهُم، ولها آفَاتُهَا وعَوَارضُهَا، وصِفَاتُ اللهِ تَلِيقُ به ولها الكَمَالُ ولها البَقَاءُ والدَّوَامُ، فهو سُبحَانَهُ الكَامِلُ في ذَاتِهِ وأَسمَائِهِ وصِفَاتِهِ وأَفعَالِهِ، لا شَبِيهَ له ولا شَرِيكَ له.
وكان ﷺ يُصِيبُهُ شِدَّةٌ عند سَمَاعِ الوَحِي؛ حِرْصًا منه على حِفظِ الوَحِيِ، وأن يَحفَظَهُ كما جَاءَ به جَبرَائِيلُ ﵊، وكان يُحَرِّكُ لِسَانَهُ عند سَمَاعِ ما يَقرَؤُهُ جَبِرَائِيلُ لِيحفَظَ ولِيضْبِطَ الأَلفَاظَ؛ فَنَهَاهُ اللهُ عن ذَلكَ
[ ٣٥٤ ]
قَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦] وفي الآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
وهَذَا مِنْ لُطفِ اللهِ به وَرحمَتِه إِيَّاهُ ألَّا يَتعَبَ بل يُنصِتُ ويَستَمِعُ، فإذا انْتهَى جَبرَائِيلُ مِنْ الوَحِيِ حِفظَهُ ﵊. ما هو بِحَاجةٍ إلى تَكَلُّفٍ، بلِ اللهُ يَجمَعُهُ في قَلبِهِ ويُقرِئهُ إِيَّاهُ ويُحفِّظُهُ إِيَّاه ﷾.
ولِهذَا قَالَ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧] يَعْنِي: جَمْعَهُ في صَدرِكَ وقِراءَتَهُ، يَعْنِي: يَجِبُ أن تَقرأَهُ كَمَا أَنْزِلَ، فكَان يَستَمِعُ لَجبرَائِيلَ ﵇ ويُنصِتُ، فإذا انْتَهَى جَبرَائِيلُ ﵇ قَرأَهُ كمَا أُنزِلَ، ولم يُخرِمْ منه شَيْئًا (^١).
وهَذَا من حِفظِ اللهِ لِهذَا الكِتَابِ العَظِيمِ، وأنَّ هَذَا النَّبيَّ الأُمِيَّ ﷺ الذي لا يَكْتبُ ولا يَقرَأُ الخَطَّ أَنزلَ اللهُ عليه هَذَا الكِتَابَ العَظِيمَ الْمُعجِزَ، الذي قَرأَهُ وحَفِظَهُ وبَلَّغَهُ لِلأُمَّةِ، وأَنزَلَ عليه الوَحيَ الثَّانِيَ -السُّنَّةَ- على أَنوَاعِهَا وكَثرَتِهَا فَحفِظهَا وبَلَّغَها أُمَّتَهُ ﵊ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرعد: ٤٠].
فقد بلَّغَ البَلَاغَ الْمُبِينَ، وأَدَّى الأَمَانَةَ، وجِمِيعُ أَصحَابِهِ يَشهَدُونَ له بذَلكَ، ثم مَنْ بَعدَهُم مِنْ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، وهو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ إلى يَومِنَا هَذَا، يَشهَدُونَ له بِالبَلَاغِ، ونحن نَشهَدُ له بِالبَلَاغِ، وكُلُّ مُسلمٌ عَقلَ ذَلكَ، كلٌّ يَشهَدُ له بذَلكَ وُيؤمِنُ بذَلكَ، أَنَّه بَلَّغَ البَلَاغَ الْمُبِينَ ﵊، وَأنَّه حَفظَ ما أُنْزِلَ إِلَيهِ وأَدَّى الأَمَانَةَ، ولم يَتَوَفَّ إلا وقد بَلَّغَ ما أُنزِل إليه، وأَكَمَلَ اللهُ به الدِّينَ، وأَتَمَّ به النِّعمَةَ ﵊.
_________________
(١) أي: لم يسقط.
[ ٣٥٥ ]
(الشَّيخُ): تَكَلَّمْ عندكم على المُعلَّقِ: «وقال أَبُو هُرَيرَةَ»؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠٠)]: «قَولُهُ: وقال أَبُو هُرَيرَةَ عن الَّنبيِّ ﷺ: «قال اللهُ ﷿: أنا مع عَبدِي إذا ذَكَرَنِي». في رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: «ما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَت بي شَفَتَاهُ»، هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخرَجَهُ أَحمَدُ والبُخَارِيُّ في «خَلقِ أَفعَالِ العِبَادِ»، والطَّبَرَانيُّ مِنْ رِوَايةِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابرٍ عَنْ إِسمَاعِيلَ بنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبِي الْمُهاجِرِ، عن كَرِيمَةَ بِنتِ الحَسحَاسِ -بِمهمَلَاتِ- عن أَبِي هُرَيرَةَ فَذَكَرَهُ بِلفْظِ: «إذا ذَكَرَنِي»، وفي رِوَايةٍ لِأحمَدَ: حدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ ونحنُ في بَيتِ هَذِه -يَعْنِي أُمَّ الدَّردَاءِ- أَنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ.
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» مِنْ طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ فَلَمَّا سَلَّمْتُ جَلَسْتُ؛ فَسَمِعْتُ كَرِيمَةَ بِنْتَ الْحَسْحَاسِ وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ فِي بَيْتِ هَذِهِ -تُشِيرُ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ- سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ «مَا ذَكرنِي».
وَأَخرَجَهُ أحْمَدُ أَيْضًا وابنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ كَرِيمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَجَّحَ الْحُفَّاظُ طَرِيقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ كَرِيمَةَ وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ مَعًا، وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
[ ٣٥٦ ]
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَا مَعَ عَبْدِي زَمَانَ ذِكْرِهِ لِي، أَيْ أَنَا مَعَهُ بِالْحِفْظِ وَالْكِلَاءَةِ، لَا أَنَّهُ مَعَهُ بِذَاتِهِ حَيْثُ حَلَّ الْعَبْدُ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا هو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، أَنَّها مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ مِثلُ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. مَعيَّةٌ خَاصَّةٌ تَقتَضِي الحِفظَ والكَلَاءَةَ والتَّوفِيقَ، بِخِلَافِ المَعِيَّةِ العَامَّةِ، فإن لها مَعنًى آخَرَ وهو العِلمُ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
(الشَّيخُ): رَاجَعِ «التَّقرِيبَ» كَرِيمةَ بِنتِ الحَسْحاسِ.
[قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقْرِيبِ التَّهذِيبِ» (٨٦٧١)]: «كَريمَةُ بنتُ الحَسحَاسِ المُزَنِيةُ، مِنْ الثَّالِثَةِ، عخ».
(الشَّيخُ): رَاجِع إِسمَاعِيلَ بنَ عُبَيدِ اللهِ بن أَبِي الْمُهَاجرِ.
[قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقْرِيبِ التَّهذِيبِ» (٤٦٦)]: «إِسمَاعِيلُ بنُ عُبَيدِ اللهِ بن أَبِي الْمُهَاجرِ الْمَخزُومِيِّ مَولَاهُمُ الدِّمَشِقِيُّ، أَبُو عبدِ الحَمِيدِ، ثِقَةٌ منَ الرَّابِعَةِ، مَات سَنَةَ إِحدَى وثَلَاثِينَ وله سَبعُونَ سَنَةً، خ م د س ق».
في نُسخةٍ: ابنُ أَبِي المُهَاجِرِ؟
وعند «التَّقرِيبِ» كذَلكَ.
أَيُّهما صَحِيحٌ؟
ضَعْ نُسخَةً عندَكَ، ابنُ الْمُهَاجرِ، يُرَاجَع «التَّهذِيبُ» وغَيرُهُ، غَالِبُ ظَنِّي أَنَّه ابنُ أَبِي المُهَاجِرِ.
[ ٣٥٧ ]
قَولُهُ: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ [البروج: ٢٠]؟
هَذَا مَعنَاهُ أَنَّه مُحِيطٌ بهم، يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ، وهو فَوقَ العَرشِ، «من وَرَاءِ كُلِّ شَيءٍ» يَعْنِي مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ وهو يَعلَمُ سِرَّهَم وما يُخفُونَ وما يُبدُونَ وما يَعمَلُونَ في جَمِيعِ الأَحوَالِ ﷾، وهو فَوقَ العَرشِ، فَمَعنَى أَنَّه وَرَاءَهُم أَنَّه مُحِيطٌ بهم جل وعلا، لا يَخفَى عليه شَيءٌ مِنْ شُؤونِهم. تَقُولُ العَربُ «أنا مِنْ وَرَائِكَ»، يَعْنِي لا أَغْفلُ عنك.
.؟
يَعْنِي تَزُورُهُ وتُحِبُّهُ وتَسمعُ حَدِيثَهُ.
وهَذَا الأَثرُ الْمُعلَّقُ يُوافِقُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْمُتصِلَ في «الصَّحِيحَينِ»: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفسِهِ ذَكرتُهُ في نَفسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكرتُهُ في مَلإٍ خَيرٍ منه» (^١)، فهو يُشبِهُهُ في المَعنَى، فيه الحَثُّ على إِدَامَةِ الذِّكرِ بِالقَلبِ واللِّسَانِ والعَملِ، وأنَّ المُؤمِنَ كَثِيرُ الذِّكرِ بِقَلبِهِ ولِسَانهِ وعَمَلهِ، بِالقَلبِ مِثلُ خَوفِ اللهِ ومَحبَّتهِ، وتَذكُّرِ عَظَمَتِهِ واستِحقَاقِهُ العِبَادَةَ، وتَذَكُّرِ ما يَجبُ عليكَ له مِنْ حَقٍّ يَكُونُ على بَالِك، ذَاكِرًا له بِالقَلبِ خَوفًا وشَوقًا وَرَجَاءً ومَحَبَّةً وتَعظِيمًا، وبِاللِّسَانِ بِأنْوَاعِ الذِّكرِ مِثل التَّسبِيحِ والتَّحمِيدِ والتَّهلِيلِ والتَّكبِيرِ، وقَولِ: لا إِلهَ إلا اللهُ، إلى غَيرِ ذَلكَ.
وبِالعَملِ مِثْل الجَوَارِحِ: كَالصَّلَاةِ، والصَّدَقَاتِ، والجِهَادِ، والأَمرِ بِالمَعرُوفِ، والنَّهيِ عنِ الْمُنكَرِ، وغَيرِ هَذَا من أَنْوَاعِ أَعمَالِ الخَيرِ.
_________________
(١) تقدم برقم (٧٤٠٥).
[ ٣٥٨ ]
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ذِكرُ اللهِ لِلعِبَادِ، كيف يَذْكُرُهُم؟
يَذكُرُهُم في المَلَإ الأَعلَى عند المَلَائِكَةِ «ذَكَرتُهُ في نَفسِي»، هَذَا صِفَةٌ تَخُصُّهُ، فهَذَا ذِكرٌ لِلعَبدِ في نَفسِهِ، وأنَّ العَبدَ يَذكُرُ مَولَاهُ، وأنَّ اللهَ ﷿ يَذكُرُهُ، فهَذَا مِنْ نِعمِ اللهِ العَظِيمَةِ، ومِن أَسبَابِ تَوفِيقِ اللهِ له وهِدَايَتهِ له بِسبَبِ ذِكرِهِ للهِ، وأمَّا ذِكرُهُ في المَلإِ: ذِكرُهُ في المَلَائِكَةِ. الجَزَاءُ مِنْ جِنسِ العَمَلِ.
وهَذَا فيه إِثبَاتُ النَّفسِ للهِ كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] لكن نَفسٌ تَلِيقُ بِاللهِ، ما يَعلَمُ كَيفِيَّتَهَا إلا هو ﷾.
* * *
[ ٣٥٩ ]