٧٤١٠ - حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَمَا تَرَى النَّاسَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّك حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ؛ فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاك، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ الَّتِي أَصَابَهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ، وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا؛ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَها، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ؛ فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ، عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ؛
[ ٨٩ ]
فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْتَمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعْ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الخَيْرِ ذَرَّةً» (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (١٩٣).
[ ٩٠ ]
هَذَا الحَدِيثُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَلِيلٌ، وهُوَ حَدِيثُ فَزعِ النَّاسِ يَومَ القِيامَةِ وتَوجُّهُهم إِلَى آدَمَ، ثمَّ إِلَى نُوحٍ، ثمَّ إِلَى إِبْراهِيمَ، ثمَّ إِلَى مُوسَى، ثمَّ إِلَى عِيسَى، ثمَّ إِلَى مُحمَّدٍ، عَليْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.
يَومُ القِيَامَةِ يَومٌ عَظِيمٌ، شَدِيدُ الأَهْوالِ، يُحشَرُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أوَّلِهِم إِلَى آخِرِهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]، وَقالَ تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، هَذَا يَومُ القِيامَةِ، يَومٌ مِثلُ مَا قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿(٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾ [المعارج: ٤ - ١٤]
فهُوَ يَومٌ عَظِيمُ الهَولِ، يَفزَعُ النَّاسُ فِيهِ -يَوم القِيامَةِ- ويَشْتَدُّ كَرْبُهُم، ويَجمَعُ اللهُ المُؤمِنينَ، فَيقُولُونَ: اذْهبُوا إِلَى أَبِيكُم آدَمَ؛ لِيشْفَعَ لِلنَّاسِ.
وَهوَ [يَومٌ] مُيَسَّرٌ عَلَى المُؤمِنِينَ، يَومٌ يَسِيرٌ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ، وَلكنَّهُ عَسِيرٌ عَلَى أَهْلِ الكُفرِ بِاللهِ، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦]، ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨] يَعنِي: بِالنِّسبَةِ إِلَى أَعْداءِ اللهِ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٨ - ١٠].
وتَقدَّم أنَّهُ يَعرَقُ النَّاسُ فِيهِ عَرقًا عَظِيمًا عَلَى قَدرِ خَطايَاهُم، مِنهُمْ مَنْ يَبلُغُهُ
[ ٩١ ]
العَرقُ إِلَى الكَعبِ، يَخُوضُهُ كَمَا يُخَاضُ السَّيْلُ، ومِنهُم مَنْ يَرتَفعُ العَرقُ معَهُ إِلَى رُكْبتِهِ، وإِلَى حَقْوِهِ، ومِنهُم من يُلْجِمُهُ العَرقُ إِلْجَامًا؛ فَيَأتُونَ آدَمَ -المُؤمِنُونَ يَأتُونَ آدَمَ- يَقُولُونَ: أنْتَ أبُو البَشرِ، خَلقَكَ اللهُ بِيدِهِ، وَأسْجَدَ لكَ مَلائِكتَهُ، وعلَّمَكَ أَسْمَاءَ كلِّ شَيءٍ.
وَالشَّاهِدُ قَولَهُ: «خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ» فِيهِ إِثْباتُ صِفةِ اليَدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، خَلقَ اللهُ آدَمَ بِيَدهِ، هذِهِ مِيزَةٌ لِآدَمَ ﵇، وخِصِّيصَةٌ لآدَمَ ﵇، خَلقَهُ اللهُ بِيدِهِ مُباشَرَةً.
فَاللهُ يُوصَفُ بِاليَديْنِ، كَمَا قَالَ جَلَّ وعَلَا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، فهُمَا يَدانِ حَقِيقَتانِ، لَا مَجَازًا كَمَا يَقُولُهُ أَعْداءُ اللهِ مِنَ الجَهمِيَّةِ وَالمُعتَزلَةِ وَأَشْباهِهِم، لَا، بلْ يَدانِ حَقِيقَتانِ، يُوصَفُ بِهِمَا ربُّنَا جَلَّ وعَلَا، لَا تُشبِهُ أَيدِي البَشرِ وَلَا أَيدِي غَيرِ البَشرِ، لَا تُشبِهُ أَيدِي المَخْلُوقاتِ، يَدانِ عَظِيمَتانِ لَائِقتَانِ بِاللهِ، لَا يُشبِهُ فِيهَا خَلقَهُ، كَالسَّمْعِ وَالبَصرِ وَالقَدمِ وَالغَضَبِ وَالرِّضَا وَالرَّحمَةِ وغَيرِ هَذَا مِنْ صِفاتِهِ ﷾، كلُّهَا تَلِيقُ بِاللهِ، لَا يُشابِهُ فِيهَا خَلقَهُ جل وعلا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النحل: ٧٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
ومِنْ خَصَائِصِ آدَمَ: أنَّ اللهَ أَسْجدَ لَهُ مَلائِكتَهُ؛ تَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا وتَقْدِيرًا لِمكَانَتهِ العَظِيمةِ مِنَ اللهِ، وعلَّمَهُ أسْمَاءَ كلِّ شَيءٍ، كَمَا دَلَّ عَليْهِ كِتابُ اللهِ فِي سُورَةِ البَقرَةِ.
[ ٩٢ ]
هذِهِ مَزايَا لآدَمَ أَبِينَا ﵊، فَإِذَا أَتَاهُ النَّاسُ يَطلُبونَ مِنهُ الشَّفاعَةَ إِلَى اللهِ حَتَّى يُرِيحَ النَّاسَ مِنْ كَربِ هَذَا المَوقِفِ العَظِيمِ؛ قَالَ: «لَسْتُ هُنَاكُمْ» يَعنِي: لَستُ صِاحِبَ هَذَا المَقَامِ، هَذَا لَهُ غَيْرِي، ويَذكُرُ خَطِيئَتَهُ، وهيَ أنَّهُ أَكلَ منَ الشَّجَرةِ، معَ أنَّهُ تَابَ اللهُ عَليْهِ، لكِنْ مِنْ شدَّةِ مَا وَقعَ فِي نَفسِهِ مِنْها يَذكُرُها، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وَالتَّائِبُ لَا خَوْفَ عَليْهِ، ولكِنْ مِنْ شِدَّةِ مَا وقع فِي نَفسِهِ مِنْ هَذَا الأَمْرِ يَذكُرُها، ولكِنِ اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، أوَّلِ رَسُولٍ أرْسلَهُ اللهُ إِلَى أهْلِ الأَرضِ، وأوَّلِ الرُّسلِ، أرْسَلَهُ اللهُ لمَّا وَقعَ الشِّركُ فِي بَنِي آدَمَ، أَرسَلَ اللهُ نُوحًا ﵊؛ لِيُنذِرهُم وَيُحذِّرَهُم مِنَ الشِّركِ بِاللهِ.
وَكَانَ ذلِكَ بِأسْبابِ ودٍّ وسُوَاعٍ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ، كَانَ شِركُهُم أَسْبَابُهُ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحينَ، غَلَوْا فِي الصَّالِحينَ كَمَا غَلَا النَّاسُ اليَومَ، وَكمَا غَلَا النَّاسُ قَبلَ ذلِكَ فِي العُهُودِ السَّابِقةِ قَبلَ نَبيِّنا ﷺ فِي عهِدِ بنِي إِسْرَائِيلَ، غَلَوْا فِي الأَنْبيَاءِ، وغَلَوْا فِي الصَّالِحينَ، وعَبدُوهُم وعَظَّمُوهُم وَاسْتغَاثُوا بِهِمْ ونَذَرُوا لَهُمْ وبَنَوْا عَلَى قُبُورِهمُ المَسَاجِدَ وَالقِبَابَ.
كُلُّ هَذَا وَقعَ فِي الأُمَمِ، وأَصلُهُ مَا وَقعَ فِي قَومِ نُوحٍ ﵇، كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ وعَلَا: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣] هَؤُلاءِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ ﵇، مَاتُوا فِي زَمنٍ مُتقَارِبٍ، فأَسِفَ عَليْهِم قَومُهُم، وَاْشْتدَّ عَليِهِم الحُزنُ، فَجاءَهُم الشَّيطَانُ وقَالَ: صَوِّرُوا
[ ٩٣ ]
صُورَهُم وَانْصِبُوهَا فِي مَجالِسِهم، تَذْكُرُوا بِذلِكَ أعَمْالَهُم حَتَّى تَسِيرُوا عَلَى نَهْجِهِم فِي العَمَلِ الصَّالِحِ.
دَسَّ عَليْهِم هَذَا الخَبِيثُ هذِهِ الدِّسِّيسَةِ بِاسْمِ العِبادَةِ وَالصَّلاحِ وَالخَيرِ، فغَرَّهُمُ الغرُورَ حَتَّى صَوَّرُوهُم ونَصبُوهُم فِي مَجالِسِهم، ثمَّ طَالَ الأَمدُ، فَعبَدُوهُم مِنْ دُونِ اللهِ ﷿، وجَاءَ قَومٌ لمْ يَعْرفُوا الحَقَائِقَ الَّتِي مِنْ أَجْلِها صُوِّرُوا؛ فَعَبدُوهُم مِنْ دُونِ اللهِ، ثمَّ انْتَشرَ هَذَا الشِّرْكُ فِي النَّاسِ إِلَى يَومِنَا هَذَا، ولَمْ يَزَلْ يَكثُرُ فِي النَّاسِ ويَعظُمُ حَتَّى غَلبَ عَلَى الخَلقِ، إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ.
فَيأْتُونَ إِبْراهِيمَ ﵇ يَطلُبونَ مِنهُ الشَّفاعَةَ فيَعْتذِرُ، ويَذكُرُ أَشْياءَ يَحتَجُّ بِهَا أنَّهُ لَيسَ أهْلًا لِهذَا المَقَامِ، فِي الرِّوايَةِ الأُخْرَى: «كَذَبَاتُهُ الَّتِي كَذَبَهَا»، وكُلُّها فِي سَبِيلِ اللهِ، وكُلُّها فِي ذَاتِ اللهِ، حَيثُ قَالَ: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا (٦٣)﴾ [الأنبياء: ٦٣] لمَّا كَسَّرَ الأَصْنامَ، وَحَيثُ قَالَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٩] أَرَادَ أنْ يَرجِعَ لِيَكسِرَ أَصْنامَهُم، وَحَيثُ قَالَ فِي زَوجَتهِ: إنَّهَا أُختِي، وهُوَ أَرادَ أُختَهُ فِي اللهِ، لكِنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا هَذَا الكَلَامَ يَظنُّونَها أُختَهُ فِي النَّسبِ، وقَالَهُ خَوفًا عَليْهَا مِنَ الجَبَّارِ، كلُّهَا فِي ذَاتِ اللهِ، لكِنْ لِعِظمِ خَوفِ الأَنْبِياءِ مِنَ اللهِ وتَعْظيمِهِم لَهُ ﷾ وفَرَقِهِم مِنهُ جَلَّ وعَلَا -جَعلَ هذِهِ الكَذَبَاتِ عُذْرًا فِي أنَّهُ لَا يَتقدَّمُ لِلشَّفاعَةِ.
ثمَّ أَوْصاهُمْ وَنَصحَهُم بِأنْ يَذهَبُوا إِلَى مُوسَى كَلِيمِ اللهِ، مُوسَى بنِ عِمْرانَ ﵇، فأَتَوهُ أيْضًا، أَتَاهُ النَّاسُ فِي هَذَا الكَربِ العَظِيمِ يَسْألُونَهُ أنْ يَشفَعَ، فَاعْتَذرَ أيْضًا مُوسَى ﵊، وذَكَرَ قَتْلهُ لِلنَّفسِ الَّتِي قَتَلهَا وَلمْ يُؤمَرْ بِقَتْلها، ثمَّ أَرْشدَهُم إِلَى أنْ يَأتُوا عِيسَى ﵇ عَبدَ اللهِ ورَسُولَهُ وكَلِمَتَهُ.
[ ٩٤ ]
فأَتَوْا عِيسَى ﵊وهُوَ عِيسَى ابنُ مَرْيمَ- فَاعْتذَرَ أيْضًا قَالَ: «لَسْتُ هُنَاكُمْ»؛ فلَمْ يَذكُرْ خَطِيئةً وَلمْ يَتَعَذَّرْ بِعُذرٍ، بلْ قَالَ: «لَسْتُ هُنَاكُمْ»، وأَوْصَاهُم بِأنْ يَذهَبُوا إِلَى محمَّدٍ ﵊، قَالَ: «عَبْدٌ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» ﵊.
وبِهَذَا وَبِغيْرِه منَ الأَدِلَّةِ عَرفَ أهْلُ العِلْمِ أنَّهُ ﵊ هُوَ أفْضَلُ الرُّسُلِ، وهُوَ مُقدَّمُهُم، وهُوَ خَطِيبُهم إِذَا اجْتَمعُوا، وَإِمامُهُم ﵊، فَتَقدَّمَ لِلشَّفاعَةِ، ولَمْ يَشْفعْ أوَّلًا، بِلْ سَجَدَ، أَتَى ربَّهُ، فلَمَّا رَآهُ خَرَّ سَاجِدًا للهِ، وفَتحَ اللهُ عَليْهِ بِمَحامِدَ عَظِيمةٍ علَّمَهُ إيَّاهَا ﷾، فَأثْنَى عَليْهِ جَلَّ وعَلَا وَحَمِدهُ كَثِيرًا، فقِيلَ لَهُ: «ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ»؛ فَرَفعَ رَأسَهُ وَطلَبَ الشَّفاعَةَ.
فِي هَذَا بَيانُ الشَّفاعَةِ فِي أَهْلِ النَّارِ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ، وفِي ضِمنِهَا فِي بَعضِ الطُّرُقِ: الشَّفاعَةُ أنْ يُقضَى بَينَ العِبادِ، وهُوَ المَقْصُودُ، لكِنْ لمْ يُذكَرْ هُنَا، المَقْصودُ: الشَّفاعَةُ فِي أنْ يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَالمَعنَى: أنَّهُ شَفَعَ لِأنْ يُقضَى بَينَهُم، ثمَّ شَفعَ فِيمَنْ دَخلَ النَّارَ مِنْ أُمَّتهِ ﵊.
فقَضَى اللهُ بَينَ العِبَادِ بِحُكمِهِ العَدلِ ﷾، فَانْصرَفَ النَّاسُ مِنْ مَحْشرِهِم إِلَى الجنَّةِ وَالنَّارِ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى: ٧]، وشَفَعَ فِي أُنَاسٍ دَخَلُوا النَّارَ مِنْ أُمَّتهِ ﵊ بِمعَاصِيهِم، وَأخْبرَ ﷺ أنَّهُ: «لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ، مِثْقَالُ بُرَّةٍ،
[ ٩٥ ]
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ»، فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» (^١).
يَعنِي: مَنْ كَانَ فِي قَلبِهِ تَوْحيدٌ وَإِيمَانٌ لَا يُخلَّدُ فِي النَّارِ، وَإنَّمَا يُخلَّدُ فِيهَا الكُفَّارُ الخُلَّصُ الَّذينَ لَيسَ عِنْدهُم تَوحِيدٌ وَلَا إِسْلَامٌ، كُلُّهُم مُخلَّدُونَ فِيهَا أَبدَ الآبَادِ.
وَأمَّا أَهْلُ التَّوحِيدِ، وَإنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَعَاصٍ وسَيِّئاتٌ، فَإنَّهُم لَا يُخلَّدونَ إِذَا دَخلُوهَا، بلْ لَهُمْ نِهَايَةٌ، لهُم نِهَايةٌ يَنْتهُونَ إِليْهَا عَلَى قَدرِ خَطَايَاهُم: مِنْهُم مَنْ تَطُولُ مُدَّتهُ فِي النَّارِ، وَمِنهُم مَنْ لَا تَطُولُ مُدَّتهُ، عَلَى حَسبِ مَعاصِيهِم الَّتِي دَخَلُوا بِهَا النَّارَ.
وَما وَردَ فِي بَعضِ العُصَاةِ مِنَ الخُلُودِ فهُوَ خُلُودٌ مُؤقَّتٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ الفُرقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] ذَكَرَ الخُلُودَ وهُوَ خُلُودٌ دَائِمٌ فِي حقِّ المُشْرِكِينَ، وخُلُودٌ مُؤقَّتٌ فِي حَقِّ الزُّنَاةِ وَالقَتَلةِ الَّذينَ لمْ يَستَحِلُّوا ذلِكَ، بلْ فَعَلُوا ذلِكَ عَلَى سَبِيلِ المَعصِيَةِ، وهُمْ يَعرِفُونَ حُرمَةَ ذلِكَ.
وَهكَذَا مَا جَاءَ منَ الخُلُودِ فِي أهْلِ الرِّبَا، فِي قَاتِلِ نَفسِهِ، كلُّهُ خُلُودٌ مُؤقَّتٌ فِي حقِّ مَنْ لَيسَ بِكَافرٍ، وَالخُلُودُ عِنْدَ العَربِ خُلُودَانِ: خُلُودٌ لَا يَنْتهِي، وهَذَا خُلُودُ الكُفَّارِ، وخُلُودٌ لَهُ نِهَايةٌ وهُوَ خُلُودُ بَعضِ العُصَاةِ؛ لِأنَّ الإِقَامَةَ الطَّوِيلَةَ تُسَمَّى خُلُودًا عِنْدَ العَرَبِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ (^٢):
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (٣٠٤) (١٨٤).
(٢) وهو مالك بن نويرة، الشاعر الجاهلي المعروف وكان قد أدرك الإسلام وأسلم، وهو من قصيدته التي يصف فيها يوم «مخطط»، وهو يوم في الجاهلية كان لبني يربوع على بكر بن وائل. وتمام البيت: يُهِلُّونَ عُمَّارًا إذَا مَا تَغَوَّرُوا … وَلاقَوْا قُرَيْشًا خبَّرُوهَا فأنْجَدُوا بأبناءِ حيٍّ مِنْ قبائِلِ مالِكٍ … وعمرِو بنِ يَرْبُوعٍ أقامُوا فأخلَدُوا انظر: «الأصمعيات» (١/ ١٠).
[ ٩٦ ]
أَقَامُوا فَأخْلَدُوا
المَقصُودُ: أنَّهُم قِسْمانِ: قِسْمٌ يُخلَّدُونَ أَبَدَ الآبَادِ، وهُمُ الكُفَّارُ، وقِسْمٌ لَا يُخلَّدُونَ إلَّا خُلُودًا مُؤقَّتًا لَهُ نِهَايَةٌ، وهُم العُصَاةُ الَّذينَ تَقتَضِي جَرائِمُهم وَمَعاصِيهِم تَخْليدَهُم، يَعنِي: تَطْويلَ عَذابِهِم.
وفِي هَذَا الحَدِيثِ أنَّهُ شَفعَ ثَلَاثَ شَفَاعَاتٍ، وجَاءَ فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى فِي «الصَّحِيحِ» أنَّهُ شَفعَ أَرْبعَ شَفاعَاتٍ -أرْبَعًا- يَشفَعُ فَيَحُدُّ اللهُ لَهُ حَدًّا، فيَذْهبُ إِلَى النَّارِ فيُخْرجُهُم بِالعَلامَاتِ الَّتِي يَجْعَلُها اللهُ لَهُ، ثمَّ يَعُودُ فَيَشفَعُ فيَحُدُّ اللهُ لَهُ حَدًّا، ثمَّ يَعُودُ فيَشْفعُ فيَحُدُّ اللهُ لَهُ حَدًّا، ثمَّ يَعُودُ فيَشفَعُ، أَرْبعَ مرَّاتٍ، ثمَّ يَقُولُ: «يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ فِي النَّارِ إلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ» يَعنِي حَسبَ عِلمِهِ ﵊، حَسَبَ العَلَامَاتِ الَّتِي أُعْطِيَ إِيَّاهَا، وَإلَّا فَقدْ بَقِيَ فِي النَّارِ غَيرُهُم، لكِنْ حَسبَ عِلمِهِ ﵊ وَحَسبَ مَا عِندَهُ مِنَ العَلَامَاتِ يَقُولُ: «لَمْ يَبْقَ فِي النَّارِ إلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ»، إلَّا الَّذِي يَعنِي لَهُ الخُلُودُ الدَّائِمُ.
وَجَاءَ فِي «الصَّحِيحِ» أيْضًا أنَّهُ يَبْقَى فِي النَّارِ بَقيَّةٌ لَا تَشمَلُهُم شَفَاعَةُ الشُّفَعاءِ، فيُخْرجُهُم اللهُ بِفضْلِ رَحْمتِهِ ﷾: «لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» (^١)، إلَّا أنَّهُم مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ، إلَّا أنَّهُم مَاتُوا وهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، يَعنِي: مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ، لكِنْ لهُمْ ذُنُوبٌ ولهُمْ سَيِّئاتٌ حَبَستْهُم، مَا تَابُوا مِنْها وَلمْ تَشْمَلْهُم الشَّفَاعَاتُ؛ فيُخْرجُهُم اللهُ بَعدَ ذلِكَ بِفضْلِ رَحمَتهِ، وبَعْدهَا
_________________
(١) رواه مسلم (٣٠٢) (١٨٣).
[ ٩٧ ]
تُطبَقُ النَّارُ عَلَى أَهْلِها أَبدَ الآبَادِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
وفِي هَذَا إِثْباتُ الشَّفَاعَةِ ردًّا عَلَى المُعتَزِلةِ وَالخَوارِجِ الَّذينَ يَقُولُونَ: مَنْ دَخلَ النَّارَ منَ العُصَاةِ لَا يُخرَجُ منَ النَّارِ، عِنْدَ الخَوارِجِ وَالمُعتَزِلةِ ومَنْ سَلكَ مَذْهبَهُم مِنْ سَائِرِ طَوائِفِ المُبْتدِعَةِ يَقُولُونَ: العَاصِي لَا يُخْرَجُ منَ النَّارِ، بلْ يُخلَّدُ أَبدَ الآبَادِ. فعِنْدهُم الزَّانِي مُخلَّدٌ، وَالسَّارِقُ مُخلَّدٌ، وشَارِبُ الخَمْرِ مُخلَّدٌ، وَهكَذَا.
وَهذَا غَلَطٌ مِنْهُم عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ، وَالخَوارِجُ يَزِيدُونَ فِي هَذَا ويُكفِّرُونَهُم أيْضًا، لكِنْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ يَقُولُونَ: لَا، لَيسُوا كُفَّارًا وَليْسُوا مُخلَّدِينَ الخُلُودَ خُلُودَ الكُفَّارِ، بلْ هُمْ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فِي آيَتَينِ مِنْ كِتَابِهِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ.
فَأَبانَ سُبْحانَهُ أنَّ العُصَاةَ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ سُبْحانَهُ، لَا يُخلَّدُونَ، بلْ تَحتَ مَشِيئتِهِ ﷿.
وهَذَا هُوَ الحَقُّ، أنَّ لهُمْ نِهايَةً، وأنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى المَعْصيَةِ لَيسَ مُستَحِلًّا لَهَا وَليْسَ كَافِرًا أنَّهُ لَهُ نِهايَةٌ، فَيَبقَى فِي النَّارِ مَا شَاءَ اللهُ، ثمَّ يُخرِجُهُ اللهُ منَ النَّارِ بِتوْحِيدِهِ وَإِسْلَامِهِ الَّذِي مَاتَ عَليْهِ، وإنْ مَضَى عَليْهِ دَهرٌ طَوِيلٌ فِي النَّارِ بِسبَبِ مَعاصِيهِ وَجَرائِمهِ الَّتِي مَاتَ عَليْهَا، فَإنَّ لَهُ نِهَايةً.
وَهذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ يَنْبغِي لِطَالبِ العِلْمِ أنْ يَكُونَ عَلَى بيِّنةٍ مِنهُ، فَإنَّهُ فِيهِ مُفتَرقُ الطُّرقُ، وقدْ وَقعَ فِي هَذَا البَابِ أَخْطاءٌ عَظِيمَةٌ، وشَرٌّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، فأَهْلُ
[ ٩٨ ]
السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ قَاطِبةً وهُم أَصْحابُ النَّبيِّ ﷺ وأَتْباعُهُم بِإِحْسَانٍ، هَذَا قَولُهُم فِي هَذَا المَقَامِ، لَا يُخلَّدُ فِي النَّارِ إلَّا الكُفَّارُ بِاللهِ، الكُفْر الأَكْبَر، همُ المُخلَّدُونَ فِي النَّارِ أَبدَ الآبَادِ.
وَأمَّا العُصَاةُ الَّذينَ مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ، المَحكُومُ بِإِسْلامِهم حِينَ مَاتُوا، لكِنْ عِنْدَهم جَرائِمُ مِنَ الزِّنَا أوِ السَّرِقةِ أوِ الخَمرِ أوِ العُقُوقِ لِلوَالِديْنِ أوِ الرِّبَا أوْ شِهادَةِ الزُّورِ أوْ غَيرِ هَذَا منَ المَعَاصِي الَّتِي لم يَستَحِلُّوهَا، بلْ فَعلُوهَا لِأهْوَاءٍ وَلِشهَوَاتٍ ولِأَغْراضٍ -هَؤُلاءِ تَحتَ مَشِيئةِ اللهِ، إنْ شَاءَ عذَّبَّهُم وَلهُمْ نِهايَةٌ يَخْرجُونَ مِنَ النَّارِ، وإنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُم لِأسْبَابٍ تَقْتضِي ذلِكَ بِمَحْضِ جُودِهِ وكَرمِهِ، ولَيْسُوا كفَّارًا ولَيسُوا مُخلَّدِينَ، لَيسَ العُصَاةُ كُفَّارًا كَمَا تَقُولُهُ الخَوارِجُ، وَليْسُوا مُخلَّدِينَ فِي النَّارِ كَمَا تَقُولهُ المُعتَزِلةُ وَمَنْ سَارَ فِي رِكابِهِم، كَالإِبَاضيَّةِ ونَحْوِهِم، هَؤلَاءِ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَخَالفُوا الأدِلَّةَ الشَّرعِيَّة وخَالَفُوا مَا دَرجَ عَليْهِ سَلفُ الأُمَّةِ.
وَالصَّوابُ أنَّهُم لَيسُوا كفَّارًا وَلَا مُخلَّدينَ خُلُودًا دَائمًا، بَلْ لهُمْ نِهايَةٌ يَخْرجُونَ [فِيهَا] مِنَ النَّارِ، إِذَا كَانُوا مَاتُوا عَلَى الإِسْلامِ لَيسُوا كُفَّارًا، ولَكنْ عِنْدَهُمْ مَعَاصٍ مَاتُوا عَليْها لمْ يَتُوبُوا مِنْها، فهُمْ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، ولهُمْ أمَدٌ يَنْتهُونَ إِليْهِ بِخُروجِهِم، وهُم مُتَفاوِتُونَ عَلَى قَدرِ مَعاصِيهِم، مِنهُم مَنْ تَطُولُ مُدَّتهُ فِي النَّارِ، وَمنْهُم مَنْ لَا تَطُولُ، عَلَى حَسبِ أَحْوالِهِم وَمَعاصِيهِم وَكَثْرتِها وقِلَّتِها، رَزَقَ اللهُ الجَمِيعَ العَافِيةَ وَلَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ.
[ ٩٩ ]
أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، قَولُهُ عَنْ نُوحٍ ﵇: «إِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى الأَرْضِ». وَآدَمُ وَإِدْريسُ -﵉- كَانَا مِنَ الرُّسلِ؟!
آدَمُ ﵇ رَسولٌ إِلَى نَفسِهِ وإِلَى ذُرِّيتهِ، مَا بَعدُ وَقعَ الشِّركُ، ونُوحٌ ﵇ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسلَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ بَعدَ وُقُوعِ الشِّركِ.
وقَالَ بَعضٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي آدَمَ ﵇: لَيسَ بِرَسُولٍ، ولَكنَّهُ نَبيٌّ فقَطْ، أُوحَى اللهُ إِليْهِ بِشَرعٍ دَرَجَ عَليْهِ هُوَ وَجَماعَتُهُ -ذُرِّيتُهُ- وأمَّا نُوحٌ ﵇ فهُوَ أوَّلُ رَسُولٍ، كَمَا قَالَ آدَمُ ﵇ لمَّا قَالَ لِلأُمَّةِ: «اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَإنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ». وهَذَا قَولٌ جيِّدٌ، فإِنَّ النُّبوَّةَ ثَابِتةٌ لآدَمَ ﵇، وَالنَّبيُّ يُوحَى إِليْهِ بِشَرعٍ يَسِيرُ عَليْهِ وَيَعبُدُ اللهَ بِهِ، وَالرَّسُولُ هُوَ الَّذِي يُؤمَرُ بِالتَّبلِيغِ، يُؤمَرُ بِتبْلِيغِ النَّاسِ.
ويَحتَمِلُ أنَّهُ مِثلُ مَا تَقدَّمَ أنَّهُ رَسُولٌ وَنبِيٌّ، لكِنْ قَبلَ وُقُوعِ الشِّركِ، قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ ﵄: كَانَ آدَمُ وَعَشرَةٌ قُرُونٍ بَعدَهُ كُلُّهُم عَلَى الإِسْلَامِ مِنْ ذُرِّيتِهِ، حَتَّى وَقعَ الشِّركُ فِي قَومِ نُوحٍ، فَأرْسَلَ اللهُ إِليْهِم نُوحًا ﵊ (^١)، فَكَانَ أوَّلَ رَسُولٍ بِالنِّسبَةِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ بَعدَما وَقعَ فِيهِمُ الشِّركُ.
عَفَا اللهُ عَنكَ، قَولُهُ: «فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا» يَدلُّ عَلَى أنَّهُ يَرَى ربَّهُ؟
نعَمْ، صَرِيحٌ، يَرَاهُ يَومَ القِيامَةِ، وَالمُؤمِنُونَ يَرَوْنهُ يَومَ القِيَامَةِ أيْضًا.
_________________
(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥) موقوفًا، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٩٦)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
[ ١٠٠ ]
٧٤١١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (^١).
٧٤١٢ - حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَرْضَ، وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ».
رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: سَمِعْتُ سَالِمًا، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا (^٢).
٧٤١٣ - وَقَالَ أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ» (^٣).
وَهذَا إِشَارَةٌ إِلَى قَولِهِ جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
_________________
(١) ورواه مسلم (٩٩٣).
(٢) ورواه مسلم (٢٧٨٨).
(٣) ورواه مسلم (٢٧٨٧).
[ ١٠١ ]
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]، فهُوَ يَقْبضُ الأَرضَ يَومَ القِيامَةِ عَلَى عَظَمتِهَا وَسِعَتِها، وَيَطوِي السَّمَاءَ بِيَمينِهِ، وَالأَرْضَ بِشِمالِهِ -وَكِلْتا يَدَيهِ يَمِينٌ مُبارَكَةٌ جل وعلا كِلْتاهُمَا يَمِينٌ فِي الفَضْلِ وَالشَّرفِ- فَيَهُزهُنَّ وَيقُولُ: «أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟». لَهُ الْمُلكُ ﷾، وكُلٌّ خَاضِعٌ خَائِفٌ وَجِلٌ.
(الشَّيخُ): مَاذا قَالَ الشَّارحُ عَلَى: «وَقَالَ عُمرُ بنُ حَمزَةَ»؟ أوِ العَينِيُّ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فتحِ البارِي» (١٣/ ٣٩٦)]: «قَولُهُ: وَقالَ عُمرُ بنُ حَمْزةَ، يَعنِي: ابنَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ الَّذِي تَقدَّمَ ذِكْرهُ فِي الاسْتِسقَاءِ، وَشَيخُهُ سَالِمُ هُوَ ابنُ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ عمُّ عُمرَ المَذْكورِ، وَحَدِيثهُ هَذَا وَصلَهُ مُسلِمٌ وَأَبو دَاوُدَ وَغَيرُهُما مِنْ رِوايَةِ أَبِي أُسَامةَ عَنهُ.
قَالَ البَيْهقِيُّ: تَفرَّدَ بِذِكرِ الشِّمَالِ فِيهِ عُمرُ بْنُ حَمْزةَ، وَقَدْ رَواهُ عَنِ ابْنِ عُمرَ أَيْضًا: نَافِعُ وَعُبَيدُ اللهِ بنُ مِقْسَمٍ بِدُونِها، وَرَواهُ أَبُو هُرَيرَةَ وَغَيرُهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ كَذلِكَ، وَثَبتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَفَعهُ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»، وَكذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُريرَةَ قَالَ آدَمُ: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ».
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: كُلُّ هَذَا شَاهِدٌ لِإثْباتِ الشِّمَالِ، لِأنَّهُ مَع إِثْباتِ اليَمِينِ، لكِنْ كِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَاركَةٌ فِي الفَضْلِ وَالشَّرفِ، وَإنْ سُمِّيتْ شِمَالًا، وَلَيسَ فِيهَا نَقْصٌ بِالنِّسبَةِ إِلَى الرَّبِّ ﷿، أمَّا المَخلُوقُ فَاليُسْرَى تَكُونُ أَضْعَفَ منَ اليُمنَى فِي الغَالِبِ، أمَّا رَبُّنا ﷿ فكِلْتَا يَديْهِ يَمِينٌ مُبارَكَةٌ،
[ ١٠٢ ]
كِلْتَا يَديْهِ يَمِينٌ فِي الشَّرَفِ وَالفَضْلِ وَالعَظَمةِ.
[قَالَ الحَافِظُ ﵀]: «وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ أبِي يَحْيَى القتَّاتِ -بِقَافٍ وَمُثنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ وبَعدَ الأَلِفِ مُثنَّاةٌ أيْضًا- عَنْ مُجاهِدٍ فِي تَفْسيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] قَالَ: «وكِلْتا يَديْهِ يَمِينٌ»، وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفعَهُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ».
وقَالَ القُرطُبيُّ فِي «المُفْهِمِ» (٢٤/ ٤٨): كَذَا جَاءَتْ هذِهِ الرِّوَايةِ بِإِطْلاقِ لَفظِ الشِّمَالِ عَلَى يَدِ اللهِ تَعَالَى عَلَى المُقَابَلةِ المُتَعارَفةِ فِي حَقِّنا، وفِي أَكْثرِ الرِّوَايَاتِ وَقعَ التَّحرُّزُ عَنْ إِطْلاقِها عَلَى اللهِ، حَتَّى قَالَ: «وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» لِئلَّا يُتَوَهَّمَ نَقصٌ فِي صِفَتهِ ﷾؛ لِأنَّ الشِّمَالَ فِي حَقِّنا أَضْعَفُ منَ اليَمِينِ.
قَالَ البَيهَقِيُّ: ذَهبَ بَعضُ أَهْلِ النَّظرِ إِلَى أنَّ اليَدَ صِفَةٌ لَيْسَتْ جَارِحَةً، وكُلُّ مَوْضِعٍ جَاءَ ذِكْرُها فِي الكِتَابِ أوِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَالمُرَادُ تَعلُّقُها بِالكَائنِ المَذْكورِ مَعَها، كَالطَّيِّ وَالأَخذِ وَالقَبْضِ وَالبَسطِ وَالقُبُولِ وَالشُّحِّ وَالإِنْفاقِ وغَيرِ ذلِكَ، تَعلُّقُ الصِّفةِ بِمُقتَضَاهَا مِنْ غَيرِ مُمَاسَّةٍ، وَلَيسَ فِي ذلِكَ تَشْبِيهٌ بِحَالٍ، وَذَهبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْويلِ ذلِكَ بِمَا يَلِيقُ بهِ. انْتَهى.
وَسَيأْتِي كَلامُ الخَطَّابِيُّ فِي ذلِكَ فِي بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: المَقْصودُ: أنَّ عُمَرَ هَذَا انْفَردَ بِهَا، وَفِيهِ بَعضُ الضَّعفِ، وَلكِنْ الرِّوَايَاتُ الأُخْرَى كُلُّهَا تَشْهَدُ لِذلِكَ؛ لِأنَّهُ قَالَ: «وَكِلْتَا يَدَيْهِ» إِشَارَةٌ إِلَى أنَّ هَذَا التَّعْبيرَ بِاليَمِينِ لَا يَتضَمَّنُ نَقْصًا فِي الثَّانِيةِ، فهِيَ وَإنْ كَانَتْ تُسمَّى شِمَالًا فلَا نَقصَ فِيهَا، فهِيَ يَمِينٌ فِي المَعْنَى وَالشَّرفِ وَالفَضْلِ، وإِلَّا
[ ١٠٣ ]
فَتَخْصِيصُ اليَمِينِ يدُلُّ عَلَى الأُخْرَى وهِيَ الشِّمَالِ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، «يَمِينُ اللهِ مَلْأَى …» (^١)، إِلَى آخِرِهِ.
(الشَّيخُ): راجِعْ عُمرَ بنَ حَمزَةَ فِي «التَّقرِيبِ».
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تَقْريبِ التَّهذيبِ» (٤٨٨٤)]: «عُمرُ بْنُ حَمزَةَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ العُمَرِيُّ المَدنِيُّ، ضَعِيفٌ منَ السَّادِسةِ. خت م د ت ق».
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: جَزْمُ المُؤلِّفِ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ بِإِطْلَاقٍ فِيهِ نظرٌ، فقدْ وثَّقَهُ آخَرُونَ.
المَقْصودُ: أنَّ تَعْلِيقَ البُخارِيِّ هُنَا كَمَا تَقدَّمَ لَا يَتضَمَّنُ التَّوثِيقَ وَلَا التَّلْيِينَ، لكِنْ يَتضَمَّنُ ثُبُوتَه لَديْهِ، أنَّهُ ثَبتَ هَذَا الأَثَرُ بِالنِّسبَةِ إِلَى عُمرَ، يَكُونُ ثَبتَ عِنْدَ المُؤلِّفِ إِلَى عُمرَ.
وَلكِنَّ النُّصُوصَ كلَّهَا شَاهِدةٌ لِمَعْناهُ.
عَفَا اللهُ عَنكَ، قَولُ آدَمَ ﵇: «فَاخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي» مَاذا يُؤخَذُ مِنهُ؟
كَذلِكَ، تَضَمَّنَ إِثْباتَ اليَدَينِ لَهُ سُبْحانَهُ، اخْتَارَ يَمِينَ ربِّهِ وهِيَ فِيهَا أَرْواحُ أَهْلِ السَّعادَةِ، وَاليُسْرَى فِيهَا أَرْواحُ أهْلِ الشَّقَاوةِ.
أحْسَنَ اللهُ عَمَلكَ، الخَوارِجُ وَالمُعتَزِلةُ يَومَ القِيامَةِ مِنْ أَهْلِ الكَبائِرِ أوْ مُخلَّدُونَ فِي النَّارِ؟
اخْتَلفَ فِيهِمُ العُلمَاءُ، مِنهُمْ مَنْ كفَّرهُمْ، ومِنْهُم مَنْ لمْ يُكفِّرْهُم،
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤١٩)، ومسلم (٣٦) (٩٩٣).
[ ١٠٤ ]
وَالأَظْهرُ منَ الأَدلَّةِ أنَّهُم كفَّارٌ؛ لِأنَّهُم كَذَّبُوا الصِّفَاتِ وَأنْكَرُوهَا، فَالأَظْهرُ منَ الأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ أنَّ الجَهمِيَّةَ وَالمُعتَزِلةَ ودُعَاةَ النَّارِ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذينَ أَنْكرُوا صِفَاتِ اللهِ وَأَنْكرُوا أَسْماءَهُ أنَّهُم كُفَّارٌ؛ لِأنَّهُم أنَكْرُوا أَمْرًا واضِحًا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولهِ ﵊.
مَا يُبطِلُ قَولَهُمُ الإِيمُانُ (^١)، أَحْسنَ اللهُ عَملَكَ؟
هُوَ يُبطِلُهُ الكُفرُ، الإِيمَانُ الَّذِي مَعهُ كُفرٌ مَا يَسْتقِيمُ، الإِيمَانُ إِذَا صَارَ مَعهُ كُفرٌ بَطلَ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
عَفَا اللهُ عَنكَ، ذِكرُ الشِّمالَ مَا جَاءَ إلَّا فِي هَذَا الأَثرِ؟
مَا أَذكُرُهُ إلَّا فِي هَذَا الأَثرِ، وذَكرَهُ المُؤلِّفُ (^٢) فِي كِتَابِ «التَّوحِيدِ» فِي بَابِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمرَ ﵄، وَمِنْ رِوَايةِ مُسْلمٍ.
مُسلِمٌ ﵀ ظَهرَ مِنْ سِياقِهِ أنَّهُ ثِقةٌ، وَلَوْلا أنَّهُ عِندَهُ ثِقةٌ مَا سَاقَهُ عَنهُ، فهُوَ يُعْتبَرُ نَوْعًا منَ التَّوثِيقِ.
بِالنِّسبَةِ لِكَلامِ البَيهَقِيِّ يَا شَيخُ؟
فِيهِ نَظرٌ، البَيْهقِيُّ أَشْعرِيٌّ، عِندَهُ تَسَاهَلٌ فِي هذِهِ المَسَائِلِ (^٣)، أَشْعرِيٌّ فِي بَعضِ الصِّفَاتِ، مَا هُوَ فِي كُلِّ شَيءٍ، لكِنْ لَهُ مُشارَكَةٌ.
_________________
(١) مقصود السائل: أليس ما معهم من إيمان يمنع من تكفيرهم؟
(٢) يعني: الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
(٣) في الأصل المسموع: «في المسائل هذه».
[ ١٠٥ ]
٧٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، وَسُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ. «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ (^١).
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، هَذَا فِيهِ إِثْباتُ الأَصَابعِ، وَأنَّهَا خَمْسةٌ عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، فَإِثْباتُ اليَدِ وَالقَدمِ وَالأَصَابعِ كُلُّها طَرِيقُها وَاحِدٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ، لَا يَجُوزُ أنْ تَثْقُلَ عَلَى القُلُوبِ، وَلَا أنْ تَتَبرَّأَ مِنْها القُلُوبُ، وَلَا أنْ تَسْتوحِشَ مِنْها القُلُوبُ، كَمَا يَفعَلُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ مِنَ الجَهْميَّةِ وغَيْرِهِم، لَا، بلْ تُسَرُّ بِهَا القُلُوبُ وتُؤمِنُ بِهَا، وأنَّهَا صِفَاتٌ لَائِقةٌ بِاللهِ، دالَّةٌ عَلَى كَمَالِهِ وَعَظمَتهِ، وَأنَّهُ يَتصَرَّفُ كَيفَ يَشَاءُ ﷾.
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٨٦).
[ ١٠٦ ]
فهَذِهِ الخَلَائقُ العَظِيمَةُ الَّتِي يَعْلمُهَا المُؤمِنُونَ تُجعَلُ عَلَى هذِهِ الأَصَابعِ الخَمْسَةِ يَومَ القِيَامةِ، الأَرْضُ عَلَى إصْبَعٍ، وَالسَّمَوَاتُ عَلَى إصْبَعٍ، وَالجِبَالُ عَلَى إصْبَعٍ، وَالشَّجرُ عَلَى كَثْرتِهِ عَلَى إصْبَعٍ، وَسائِرُ خَلقِهِ عَلَى إصْبَعٍ.
فِي الرِّوايَةِ الأُخْرَى: «وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟» اللهُ المُسْتعَانُ.
عَفَا اللهُ عَنكَ، يَقُولُ الحَافِظُ فِي الشَّرحِ: «تَعلُّقُ الصِّفةِ بِمُقْتضَاهَا مِنْ غَيرِ مُماسَّةٍ»؟
هَذَا مَعْناهُ إِنْكارُ اليَدِ، مَا يُثبِتُ اليَدَ عَلَى (الحَقِيقَةِ) (^١)؛ وَلِهذَا قَالَ: مِنْ غَيرِ جَارِحةٍ، اللهُ لَهُ يدٌ يَأخُذُ بِهَا وَيُعطِي سُبْحانَهُ تَعَالَى، وَيَحمِلُ بِها وَيَقْبضُ الأَرْضَ، وَيَطوِي السَّمَواتِ بِيَمِينهِ، كُلُّ هَذَا قَبضٌ حَقِيقَةً وَطَيٌّ حَقِيقةً يَلِيقُ بِاللهِ، لَا يُشابِهُ خَلقَهُ فِي شَيءٍ مِنْ صِفَاتِهِ جل وعلا.
وَالصَّحَابةُ ﵃ مَا اسْتَنكَرُوا هَذَا؛ لِكَمالِ عُقُولِهم، وَكَمالِ إِيمَانِهِم، تلَقَّوْا هذِهِ الصِّفَاتِ بِالقَبُولِ، مَا تَوقَّفُوا فِيهَا، ثمَّ أَتْبَاعُهُم بِإِحْسَانٍ منَ القُرُونِ المُفَضَّلَةِ تَلقَّوْها بِإِحسَانٍ، وَآمَنُوا بِهَا وَأنَّهَا حَقٌّ وَأنَّهَا صِفَاتٌ تَلِيقُ بِاللهِ لَا يُشَابِهُ فِيهَا خَلقَهُ جل وعلا، لَا فِي اليَدِ، وَلَا فِي الأَصَابِعِ، وَلَا فِي القَدمِ، وَلَا فِي السَّمْعِ، وَلَا فِي البَصرِ، وَلَا فِي الكَلَامِ، وَلَا فِي المَحبَّةِ، وَلَا فِي الرِّضَا، وَلَا فِي الغَضبِ، كُلُّها صِفَاتٌ لَائِقةٌ بِاللهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وَبِها عُرِفَ كَمَالُهُ، وَبِها عُرِفتْ عَظمَتُهُ، وَبِهَذِهِ الصِّفَاتِ عُرِفَ اسْتِحقَاقُهُ لِلْعِبادَةِ، وَأنَّهُ ربُّ العَالَمِينَ، وَأنَّهُ الخَلَّاقُ العَلِيمُ.
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١٠٧ ]
ذَاتٌ بِدُونِ صِفَاتٍ لَا وُجُودَ لهَا، وَلِهذَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنةِ: إنَّ نِهَايةَ هَؤُلاءِ القَولُ بِالعَدمِ، نِهَايةُ قَولِهِم: القَولُ بِالعَدمِ، وَأنَّهُ لَيسَ هُناكَ إلهٌ يُعبَدُ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ.
٧٤١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] (^١).
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، يَعنِي: تَصْدِيقًا لهُ؛ لِأنَّ فِيهَا ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٨٦).
[ ١٠٨ ]