فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ».
_________________
(١) ورواه مسلم (٤٠٢).
[ ٤١ ]
وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ … (^١).
هَذهِ الأَحادِيثُ فِيهَا الدَّلالَةُ عَلَى أنَّهُ سُبْحانَهُ هُوَ المَلكُ، وهُوَ السَّلامُ، وهُوَ العَزِيزُ الجَبَّارُ، وهُوَ المُتصَرِّفُ فِي عِبادِهِ كَيفَ شَاءَ فِي الدُّنيَا وفِي الآخِرةِ.
وكَانَ الصَّحابَةُ ﵃ إذَا جَلَسُوا فِي الجَلسةِ الثَّانيَةِ فِي الرَّكعَةِ الثَّانيةِ وفِي الجَلسَةِ الأَخيرَةِ يَقُولُونَ: السَّلامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبادِهِ، السَّلامُ عَلَى فُلانٍ، السَّلامُ عَلَى جِبْريلَ وَمِيكَائِيلَ. فعَلَّمهُمُ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ ﷾.
وَالمَعنَى: أنَّهُ هُوَ المُسلمُ لِعبَادهِ، وهُوَ السَّالِمُ مِنْ كلِّ نَقصٍ جل وعلا، وهُوَ الكامل فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائهِ وَصِفَاتِه ﷾، وهُوَ السَّلَامُ من كُلِّ سُوءٍ؛ فَلَا يُدْعَى لَهُ بِالسَّلَامِ؛ لِأنَّهُ هُوَ المُسَلِّمُ لِعبَادهِ، بِيدِهِ التَّصرُّفُ جل وعلا، وهُوَ مَالِكٌ لِكلِّ شَيءٍ، قَالَ ابْنُ القيِّمِ ﵀ فِي «النُّونيَّةِ»:
وهُو السَّلامُ عَلَى الحَقيقَةِ سَالمٌ … مِنْ كلِّ تَمثِيلٍ ومِن نُقْصانِ
والمَقصُودُ: أنَّهُ هُوَ السَّلامُ مِنْ كلِّ نَقصٍ، فَلا يَلِيقُ أنْ يُدعَى لَهُ بِالسَّلامِ فَيُقالُ: السَّلامُ عَلَى اللهِ؛ لأنَّ السَّلامَ مِنهُ سُبْحانَهُ، هُوَ المُسلِّمُ لِعِبادهِ جل وعلا، ولَكِن يُقالُ: اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ. وَيُقالُ: إنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ؛
_________________
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القاري» وغيره زيادة: «مِثْلَهُ»، ورواه مسلم (٢٧٨٧).
[ ٤٢ ]
وَلِهذَا قَالَ جل وعلا: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] فهُوَ السَّالمُ مِنْ كلِّ نَقصٍ، وهُوَ المُسلِّمُ لِعِبادِهِ جل وعلا.
ثمَّ علَّمهُم أنْ يَقُولُوا: «التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
هَكذَا علَّمَهم ﷺ فِي الصَّلاةِ بَعدَ الرَّكعَتَينِ وبَعدَ الأَخِيْرَةِ - بَعدَ الثَّالِثةِ فِي المَغرِبِ، وبَعدَ الرَّابعَةِ فِي الظُّهرِ والعَصْرِ والعِشَاءِ، وبَعدَ الثَّانيَةِ فِي الفَجْرِ والجُمُعةِ والعِيدِ والنَّوافِلِ ونَحوِ ذلِك.
وهذِهِ التَّحيَّاتُ فَرضٌ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أمَرَ بِها ﵊، وهِي فِي التَّشهُّدِ الأَخيرِ آكَدُ؛ وَلِهذَا عدَّهَا جَمعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الأَرْكَانِ فِي التَّشهُّدِ الأَخيرِ، وفِي الأوَّلِ مِنْ الوَاجِبَاتِ الَّتِي تَسقُطُ بِالنِّسْيَانِ. ويدُلُّ عَلَى ذلِكَ أنَّهُ ﷺ سَهَا عنْهَا ذَاتَ يَومٍ فلمْ يَجلِسْ فِي التَّشهُّدِ الأوَّلِ، فجَبرَ ذلِك بِسُجُودِ الَّسهوِ ﵊.
ثمَّ هُوَ جل وعلا المَلِكُ، معَ أنَّهُ السَّلامُ، فهُو المَلكُ، مَالكُ الدُّنيَا وَالآخِرةِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٣)﴾ [الفاتحة: ١ - ٣] وفِي القِراءَةِ الأُخرَى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهُو المَالِكُ لكلِّ شَيءٍ ﷾؛ وَلِهذَا أَخبَرَ ﷺ أنَّ اللهَ يَومَ القِيامَةِ يَقبِضُ الأَرضَ، ويَطوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثمَّ يَقولُ: «أنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟». وهَذَا
[ ٤٣ ]
تَفسِيرٌ لِقولِهِ جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فهَذهِ الأَرضُ معَ عَظمَتِها واتِّسَاعِها وَمَا فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وغَيرِهَا يَقبِضُها جل وعلا بِيَدِهِ ﷾، وفِي حَديثِ ابْنِ عُمرَ ﵄: «بِيَدِهِ الشِّمَالِ» (^١) والسَّمَواتُ تُطوَى بِيمِينهِ -معَ كَونِها سَبْعًا، ومعَ طُولِهَا وكَثافَتِها- فَيَهزُّهنَّ ويَقُولُ: أنَا المَلِكُ، أيْنَ الجبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتكبِّرُونَ؟ يُبيِّنُ عَظمَتَهُ وكِبْرياءَهُ، وَأنَّهُ المَالِكُ لِكلِّ شَيءٍ، وَأنَّهُ القَادِرُ عَلَى كلِّ شَيءٍ ﷾.
فَجدِيرٌ بِالعِبَادَ وجَدِيرٌ بِكلِّ مُكلَّفٍ أنْ يَعبُدَ هَذَا المَلِكَ العَظِيمَ، وأنْ يَخصَّهُ بِالعِبادَةِ، وأنْ يُفرِدَهُ بِالعِبَادةِ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وأنْ يُطِيعَ أَوامِرَهُ، ويَنتَهِي عَنْ نَواهِيهِ، وأنْ يَقِفَ عِنْدَ حُدُودِهِ؛ حَتَّى يَلْقاهُ يَومَ القِيامَةِ وهُوَ رَاضٍ عنهُ؛ فَيَفوزَ بِالسَّعادَةِ وَالجنَّةِ وَالكَرامَةِ.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٨٨)، ولفظه: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَطْوِي اللهُ ﷿ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟».
[ ٤٤ ]