٧٥٢٥ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قَالَ: «نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ، سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]» (^١).
وتَسمِيَةُ القِرَاءَةِ صَلَاةً ما يُستَغرَبُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ، لِأَنَّهَا في الحَقِيقَةِ صَلَاةٌ؛ لأنَّها دُعَاءٌ وثَنَاءٌ على اللهِ، وتِلَاوَةٌ لِكِتَابهِ هي صَلَاةٌ، والصَّلَاةُ تُطلَقُ على الدُّعَاءِ
_________________
(١) ورواه مسلم (٤٤٦).
[ ٣٦٠ ]
والضَّرَاعةِ إلى اللهِ. والتعبُّدُ له ﷾ تُسمَّى صَلَاةً، ومنه قوله ﵊ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللهُ ﷿: «قَسمْتُ الصَّلَاةَ بَينِي وبَينَ عَبدِي نِصفَينِ فإذا قَالَ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبدِي، وإذا قَالَ: الرَّحمَنُ الرَّحِيمِ. قَالَ: أَثنَى عَلَيَّ عَبدِي، وإذا قَالَ مَالِكِ يَومِ الدِّينِ. قَالَ: مَجَّدَنِي عَبدِي …» (^١) إلى آخره، فَسمَّى الفَاتِحَةَ صَلَاةً؛ لِأَنَّهَا رُكنُ الصَّلَاةِ، ولأنَّها عِبَادةٌ عَظِيمَةٌ.
٧٥٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ» (^٢).
الأَظْهَرُ قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ في هَذَا، وأنَّها في القِرَاءَةِ لا في الدُّعَاءِ؛ لأنَّ الدُّعَاءَ يُستَحَبُّ فيه الإِخفَاتُ، والإِسرَارُ ما يَكُونُ بين ذَلكَ، بل يُستَحَبُّ فيه الإِخفَاتُ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، فَالإِسرَارُ في الدُّعَاءِ مَطلُوبٌ، وقَولُهُ: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] يَقتَضِي خِلَافَ ذَلكَ، ولِهذَا ما قاله ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ الْمُراَد به القِرَاءَةُ أَظهَرُ وأَبْيَنُ، أمَّا الدُّعَاءُ فهو مَشرُوعٌ فيه السِّرُّ بينَ العَبدِ وبين رَبِّهِ، إلا إذا كَانَ دُعَاءً يُؤمَّنُ
_________________
(١) رواه مسلم (٣٩٥) (٣٨).
(٢) ورواه مسلم (٤٤٧).
[ ٣٦١ ]
عليه كَدُعَاءِ القُنُوتِ والاسْتِسقَاءِ ونَحوِ ذَلكَ، هَذَا يَجهَرُ ولا يُخَافِتُ، يَجهَرُ.
فَعُلِمَ بذَلكَ أنَّ الْمُرادَ بِالصَّلَاةِ هنا: القِرَاءةُ كمَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄.
٧٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»، وَزَادَ غَيْرُهُ: «يَجْهَرُ بِهِ».
وهَذَا فيه الحَثُّ على تَحسِينِ الصَّوتِ بِالقِرَاءَةِ، والتَّلَذُّذُ بِالقِرَاءةِ والخُشُوعُ فيها والتَّحزُّنُ؛ حَتَّى تُحرِّكَ القُلُوبَ للقَارِئِ والْمُستَمِعِ، ومنه: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأصوَاتِكم» (^١)، ومنه: «ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ كَأذنِهِ لِنَبِيٍّ حَسنِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ، يَجهَرُ به» (^٢).
والجَهرُ بِالقُرآنِ مع تَحسِينِ الصَّوتِ والتَّخَشُّعِ فيه له أَثرٌ عَظِيمٌ في تَحرِيكِ قَلبِ القَارِئِ وقُلُوبِ الْمُستَمِعِينَ، لكنْ لَيْسَ على سَبِيلِ التَّمطِيطِ أو الغِنَاءِ، إِنَّما التَّغَنِّي التَّلذُّذُ به وتَحسِينُ الصَّوتِ بهِ.
(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الشَّارِحُ أو ما تَكَلَّمَ؟ أو العِينِيُّ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠١)]: «وَحَدِيثَ أَبِي
_________________
(١) رواه أحمد في «المسند» (١٨٤٩٤)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥)، وابن ماجه (١٣٤٢).
(٢) رواه البخاري (٧٥٤٤) ومسلم (٧٩٢).
[ ٣٦٢ ]
هُرَيْرَةَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، وَزَادَ غَيْرُهُ «يَجْهَرْ بِهِ»، أَوْرَدَهُ من طَرِيق ابنِ جُرَيجٍ حَدَّثنَا ابنُ شِهَابٍ، وَقَدْ مَضَى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَفِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، من طَرِيق عُقَيلٍ عَنْ ابنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ «يَجْهَرُ بِهِ»، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»؛ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْغَيْرَ الْمُبْهَمَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَهُوَ الصَّاحِبُ الْمُبْهَمُ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، وَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِلَفْظِ «مَا أَذِنَ اللَّهُ»، وَبَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِلَفْظِ «لَيْسَ مِنَّا».
وَإِسْحَاق شَيْخه فِيهِ هُوَ ابنُ مَنْصُورٍ، وَقَالَ الْحَاكِمُ بْنُ نَصْرٍ: وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ أَبُو عَليٍّ الجيَانيُّ. وَأَبُو عَاصِمٍ هُوَ النَّبِيلُ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ قَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَأَقْرَبُ ذَلِكَ فِي أول حَدِيثٍ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ». [انتهى كلامه].
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ قَولُهُ: «أُوتِيَ مِزمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (^١). ما المَقصُودُ بِالمِزمَارِ؟
يَعْنِي الصَّوتَ الحَسنَ، كَانَتْ أَصوَاتُهُم حَسنَةً، كَأنَّهُم أُعطُوا أَصوَاتًا حَسَنَةً.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣).
[ ٣٦٣ ]